
في زمن تتدفق الأخبار بلا انقطاع، لم تعد الحروب أحداثا بعيدة عن الوعي، بل تحولت إلى مشهد يومي يقتحم الشاشات والهواتف بلا استئذان، حتى صار الموت خبرا عابرا يتجاور مع إعلان لعطر جديد أو مسلسل موسمي. هذا التلاصق المربك بين المأساة والتسلية يطرح سؤالا مقلقا: هل اعتاد الإنسان المعاصر على رؤية الألم حتى فقد حساسيته، أم أنه يبتكر أشكالا من السخرية ليحتمي من وطأة واقع لا يطاق؟
لعل أول ما يلفت الانتباه هو هذا التحول في موقع المتلقي. لم يعد شاهدا متأملا، بل صار مستهلكا للصور والأخبار، يقلبها كما يقلب قنوات الترفيه، باحثا عن جرعة إضافية من الإثارة. ومع تكرار المشاهد ذاتها، يفقد الحدث فرادته ويتحول إلى مادة قابلة لإعادة الاستهلاك، تماما كما يعاد بث إعلان مألوف.
هنا يتسلل نوع من التطبيع الصامت، حيث لا تعود الحرب استثناء، بل تصبح جزءا من الإيقاع اليومي للحياة. إن تكرار الصور الدامية لا يثير الصدمة بقدر ما يخلق نوعا من البلادة العاطفية، تلك الحالة التي تجعل الإنسان يرى المأساة دون أن يشعر بثقلها الكامل، وكأن المسافة بينه والضحية اتسعت بفعل الشاشة.
غير أن اختزال الظاهرة في فقدان الحساسية وحده يظل قراءة ناقصة. فالسخرية، التي ترافق أخبار الحرب، ليست دائما تعبيرا عن قسوة، بل قد تكون آلية نفسية معقدة لمواجهة العجز. حين يعجز الفرد عن تغيير الواقع، يلجأ إلى تحويله إلى مادة قابلة للضحك، وكأنه يعيد امتلاك زمام السيطرة على ما يفلت من قدرته.
بهذا المعنى تصبح النكتة السوداء محاولة لتخفيف وطأة الخوف، وليست بالضرورة استهانة بالضحايا. إنها أشبه بقناع هش يضعه الوعي ليخفي ارتباكه ويمنح صاحبه شعورا زائفا بالأمان. غير أن هذا القناع قد يتحول مع الوقت إلى وجه دائم، فتختلط السخرية باللامبالاة، ويصير التمييز بين الدفاع النفسي والتبلد الأخلاقي أمرا عسيرا.
الإعلام الجديد لعب دورا حاسما في تعميق هذا الالتباس. فبفضل المنصات الرقمية لم تعد الأخبار تمر عبر قنوات تقليدية تفرض مسافة من التأمل، بل أصبحت تنتشر في سياق سريع ومجزأ، حيث يتجاور خبر القصف مع مقطع ساخر وتعليق لاذع. هذا التداخل يفرغ الحدث من جديته، ويعيد تشكيله كجزء من تدفق بصري لا يتيح التوقف طويلا.
في هذا الفضاء يصبح المستخدم مشاركا في إعادة إنتاج الخطاب، لا مجرد متلق. فهو يختار ما يشاركه، ويعلق عليه وربما يسخر منه، مساهما بذلك في تحويل المأساة إلى مادة تداول. ومع كل مشاركة، تتآكل الحدود بين الجدي والهزلي، بين التعاطف والتندر.
لكن الأخطر من ذلك هو أن هذا الاعتياد قد يعيد تشكيل منظومة القيم. فإذا كان الموت يظهر باستمرار كخبر عابر، فإن خطورته الرمزية تتراجع، ويغدو فقدان الحياة حدثا قابلا للتجاوز السريع. هنا يكمن الخلل الحقيقي، ليس في الضحك ذاته، بل في فقدان القدرة على التمييز بين ما يستحق الوقوف عنده وما يمكن تجاوزه.
لذلك لا يبدو الحل في إدانة السخرية بشكل مطلق، ولا في تبريرها دون قيد، بل في استعادة وعي نقدي يميز بين السخرية كآلية دفاع والسخرية كأداة تفريغ أخلاقي. إن الضحك قد يكون أحيانا شكلا من المقاومة، لكنه يفقد قيمته حين يتحول إلى عادة تفرغ المأساة من معناها.
ربما لا يتعلق الأمر بإنسان فقد إنسانيته، بقدر ما يتعلق بإنسان يحاول التكيف مع فائض من الألم يفوق قدرته على الاستيعاب. غير أن هذا التكيف، إذا لم يرافقه وعي، قد ينقلب إلى تطبيع خطير، يجعل الحرب مجرد خلفية ضوضائية لحياة مستمرة. وعند تلك اللحظة يصبح السؤال أكثر إلحاحا: كيف نستعيد دهشتنا الأخلاقية، ونمنح المأساة وزنها الحقيقي، دون أن نغرق في عجز يشلنا أو سخرية تفرغنا من إنسانيتنا.
ربما يبدأ ذلك بإبطاء الإيقاع وبإعادة الاعتبار للحظة التأمل، تلك التي تسمح للخبر بأن يستقر في الوعي قبل أن يتحول إلى مادة عابرة. فحين نمنح أنفسنا وقتا للفهم، نستعيد جزءا من حساسيتنا، وندرك أن خلف كل رقم حكاية وخلف كل صورة حياة انقطعت فجأة.
من جهة أخرى يتحمل صناع المحتوى مسؤولية أخلاقية لا يمكن تجاهلها. فاختيار زاوية التغطية، وطريقة عرض الصور واللغة المستعملة، كلها عناصر تسهم في تشكيل وعي الجمهور. حين يتم تقديم الحرب كعرض مثير، فإن ذلك يعزز منطق الفرجة ويقوض إمكان التعاطف الحقيقي.. أما حين يتم التعامل معها بجدية، فإن ذلك يذكر المتلقي بثقلها الأخلاقي.
ومع ذلك يبقى الرهان الأكبر على الفرد ذاته، على قدرته في مقاومة الانزلاق نحو البلادة، وعلى شجاعته في مواجهة الألم دون أقنعة زائفة. فربما يكون الاعتراف بالعجز خطوة أولى نحو استعادة المعنى، بدلا من الهروب إلى سخرية لا تنقذ أحدا، بل تؤجل فقط مواجهة الحقيقة. وهكذا يظل السؤال مفتوحا، لا ليجد جوابا نهائيا، بل ليحفظ فينا شيئا من القلق الضروري، ذلك الذي يمنعنا من التطبيع المبتذل مع المأساة.





