الرأي

التأثير.. ناي باباجينو نموذجا

جهاد بريكي

خلاصة القول، يحتاج المرء منا للمزيد من الشجاعة لكي يعيش لا لكي ينتحر. كانت هذه كلمات الفرنسي العبثي ألبير كامو، الذي شغله موضوع إقدام الناس على إنهاء حياتهم كما شغل غيره ممن لامسوا عمق المعاناة الإنسانية وعبثية الحياة التي تجثو على رقابهم، الانتحار هو حل لمن لم يجد حلا آخر أو عجز عن إيجاده فاختار أقصر الطرق وأقلها نجاعة.
لا يكاد يمر أسبوع في المستشفى إلا وقد استقبلت حالات لشباب وشابات حاولوا بشكل من الأشكال وضع حد لهذه المسرحية الدائرة أحداثها رغما عن أنوفهم. مرة بالقفز من المرتفعات ومرات باستهلاك مبيدات الصراصير أو قطع الشرايين أو جرعات خيالية من الأقراص المهلوسة، تتعدد الوسائل والهدف واحد: الفناء.
في إحدى حراساتي الليلية استدعيت للكشف على شاب مصاب بعيار ناري. وجه هزيل ولباس رث وعينان تقاومان الدمع والهلع. لحسن حظه أن العيار مر بمحاذاة القلب متسببا في جرح سطحي على مستوى غشاء الرئة. اعتقدت أول الأمر أنه ضحية اعتداء أو تصفية حساب، فضولي دفعني نحو أخته لأفهم  حيثيات الحادث. المفاجأة أنه هو الذي أقدم على إطلاق النار والسبب كان عاطفيا. لم أعرف طبيعة الشعور الذي اجتاحني، غضب ممزوج بفقدان الأمل. عدت وسألته إن كان في حاجة لشيء. لم يجب، لقد كان في حاجة للموت، لكنه أخطأه.
سيدة أخرى وصلت للمستشفى في الأيام القليلة الماضية، بعد أن ألقت بنفسها من الطابق الخامس تاركة وراءها طفلا بعمر الطوابق التي قفزت من عليها.  أسبابها معقدة وعلى رأسها زواج فاشل. موظفة تختار الحبوب المخدرة حلا للاحتراق الوظيفي، أم وزوجة وضعت برنارد توماس في مأزق متحدية قولته، فقد اختارت الانتحار بدل التوجه للعمل.
الحالات كثيرة ولا تكفيها صفائح ومجلدات، مرة لأسباب عاطفية، مادية، نفسية، عائلية، عملية .. تجتمع لتدفع الكائن البشري المقهور مباشرة نحو إيجاد حل جذري سريع وفعال، في اعتقاده. في مجتمع مازال ينظر لأصحاب الأفكار الانتحارية كضعاف الإيمان ومنعدمي التقوى وكفرة. حتى أن العائلة التي يقدم شخص فيها على هذا الأمر تنبذ وينظر إليها كمجموعة بشر مثيرين للارتياب. فلا يستطيع أحد فتح فمه ليخبر من حوله بأن الأمر يقض مضجعه وأن فكرة الانتحار باتت جزءا من خياله، يفضل التزام الصمت حتى يصل لحتفه على أن يرى الذهول والتقريع والبلادة في عيون كل من فاتحه بالأمر. مرة سُئلت إحدى مشهورات الإنستغرام، منبر من لا عقل له، إن كانت قد فكرت بالانتحار فأجابت كمن يدفع عن نفسه تهمة الشذوذ أو الكفر أو الرذيلة محتقرة كل من فكر مرة بالأمر. قرأت جوابها ليصيبني الغثيان، وهو الجواب الذي اطلع عليه الآلاف غيري، منهم من تراوده الأفكار الانتحارية كل فترة، بسبب أمراض نفسية مستعصية تحتاج جهدا خرافيا سواء من الطبيب أو المريض لعلاجها أو مشاكل تقصم ظهره وروحه، وتحتاج لكل ذرة تعاطف وتفهم من الغرباء قبل الأقرباء. مستوى هزيل من الجهل يجعل الأغبياء والحمقى يناقشون مصائر الناس وأمراضهم دون أدنى رقيب أو حسيب.
انعدام الأمن النفسي في مجتمعاتنا، وتقزيم المشاكل النفسية والضغوطات اليومية والنظر للمرهق والمستنزف كفاشل لا يليق بدور البطولة الواجب عليه تجسيده يجعلنا نهرب من الاعتراف بأننا لسنا بخير. وكأن البطولة في أن نحترق بفخر ورضى تام. قد يكون زميلك الذي معك شخصا يحمل أفكارا انتحارية وقد تكون زوجتك التي تحتضنها وقد يكون ابنك الهائم في هاتفه. وقد تكون أنت، أو أنا. كل ما في الأمر أننا لا نستطيع البوح بالأمر. خوفا من أن يُنظر لنا كمعاتيه أو يشمت بنا حماة الفضيلة ووكلاء الله معللين السبب بابتعادنا عن طريق التقوى وبأنهم توقعوا تقهقرنا منذ مدة وعلاجنا معهم.
الأفكار الانتحارية ليست جرما ولا عملا مقيتا يدعو للخجل والاختباء ولا كفرا يستحق منا رجم صاحبه، هي معضلة اجتماعية ونفسية تحتاج للعلاج والمساندة والمراقبة، تحتاج لمختص ولأدوية ولجلسات علاج، تحتاج مجتمعا واعيا مدركا لحساسية الأمر. يحترم التخصص وأصحابه ويعترف بأنه غير مؤهل للحديث في كل شيء.
نحن بحاجة لكي نكون الناي السحري والأجراس السحرية التي منعت باباجينو، بطل موتسارت، من الاستسلام لفكرة الانتحار، أن نمارس تأثير باباجينو على حاملي هذا الثقل النفسي التعيس لا أن ندفعهم دفعا بجهلنا وحماقتنا نحو القبور.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى