
يونس جنوحي
«في سنة 1975، سُنت قوانين جديدة تتعلق بالمخابز.. وظهر بالواضح أن الدولة تضع مادة «الخبز» في أعلى لائحة أولويات الأمن الغذائي، الذي لا يقل أهمية عن الأمن القومي..
الخبز في الثقافة المغربية يحتل الصدارة بكل تأكيد.. كيف حافظ المغاربة على خبزهم طيلة قرون خلت؟ وكيف تحول الخبز إلى مفتاح للحياة على الطريقة المغربية.. أشاد بجودته الأجانب، واعتبروه أساسيا في المائدة.. أما السلطة، فقد كانت تراقب توفر الخبز أكثر مما تراقب المالية.. الخبز كان دائما مجسا لقياس مدى استقرار الشارع، حتى قبل أن تولد الأحزاب والسياسة..».
+++++++++++++++++++++++++++++++++
مغاربة «قدّسوا» الخبز والحبوب اعتُبرت «احتياطيا» للدولة
هناك دراسات انصبت حول التأصيل لظهور «الخبز» في أوساط المغاربة عبر التاريخ، بل وحتى تطور تحضيره، باعتباره أساس المائدة المغربية.
لكن الخبز كان أكبر من مجرد مصدر غذائي، أو ثقافة غذائية.. ففي سنوات الجفاف القاسية، كان الكسكس أكلة وحيدة سد بها أجدادنا رمقهم، قبل قرون خلت. ورغم ذلك، لم يكن الخبز ليختفي نهائيا عن الموائد، ما استطاع الناس إليه سبيلا.
في عهد الدولة العلوية، خصوصا مع المولى إسماعيل، الذي حكم المغرب سنة 1672، أعطي الأمر لبناء الأفران، حتى أن أهالي مكناس وفاس كانوا يعيشون على إيقاع «فائض» من الأفران المغربية، التي ما زالت أطلالها حاضرة إلى اليوم في المدن العتيقة..
المولى إسماعيل استثمر وجود الأسرى الأجانب، واستعملهم في بناء مرافق مدينة مكناس التي أرادها أن تكون عاصمة لحكمه. ويذكر المؤرخون، خصوصا عبد الرحمن بن زيدان، أن أرباب الأفران المغربية في عهد المولى إسماعيل، كانوا على قدر كبير من الأهمية في حسابات موظفي المخزن.. وكان المولى إسماعيل أيضا سباقا إلى إعلان إعفاء أصحاب الأفران من الضرائب، في فترات الجفاف، حتى لا يتأثر توفر الخبز في الأسواق.
ورغم أن المنازل المغربية لم تكن تخلو من الأفران التقليدية، إلا أن اقتناء الخبز المغربي من الأسواق ظل يؤثث المشهد العام، ويثير فضول الأجانب الذين حلوا في المغرب خلال القرن التاسع عشر.
وأقدم المؤشرات التي تؤكد توفر الخبز في السوق، تعود إلى مدينة طنجة الدولية، حيث رصدت كاميرات المصورين الأجانب، وجود باعة الخبز، في فترة 1890 و1900، وهو ما يؤكد قِدم هذه الوظيفة، ويؤكد أيضا تعاطي المغاربة لشراء الخبز الجاهز، بدل إعداده في المنازل.
الخبز كان يشتري الولاءات السياسية أيضا، ففي عهد المولى الحسن الأول الذي حكم المغرب سنة 1873 واستمر حكمه إلى حدود سنة 1894، كانت محاصيل القمح أولوية أمنية بالنسبة إلى القبائل.. وهكذا فقد كانت غير مستعدة نهائيا لتعريضها للخطر.. إذ إن إحراقها أو إتلافها على يد رجال القبائل المعادية لها سياسيا، يعني الموت جوعا..
وقد تدخل المولى الحسن الأول وسن عقوبات قاسية في حق من يحرقون المزارع، خصوصا خلال فترات الخلاف بين القبائل. حتى أن السلطان كان قد أعطى أمرا صارما، سنة 1879، لمجموعة من القواد، أمرهم بالتدخل لحماية حقول الحبوب من الحرائق المفتعلة، بسبب الصراع حول السلطة.
إضعاف القبائل عن طريق إتلاف المحاصيل، وبالتالي جعل أهاليها يفتقدون «الخبز»، كان وسيلة للإخضاع السياسي حتى بعد وفاة المولى الحسن الأول، إذ مع الصراع بين أبنائه حول السلطة، كانت القبائل «العزيزية»، أي الموالية للمولى عبد العزيز، تتلف محاصيل القبائل التي تبايع المولى عبد الحفيظ، أو المشاركة في «الحملة الحفيظية»، التي انطلقت من مراكش.
ويذكر المؤرخون أن المدني الكلاوي، وهو يقود جيشه من مراكش إلى فاس، لتأمين وصول المولى عبد الحفيظ إلى العاصمة ويُبايع هناك من طرف علماء القرويين سلطانا للمغرب، سنة 1907، كان يصادف آثار حرائق في الحقول، ووصل إلى علم المولى عبد الحفيظ أن الأمر يتعلق بعقاب بين القبائل على تغير موقفهم السياسي، بسبب أزمة الحكم في المغرب، وأعطى السلطان الجديد الأمر لكي لا تُحرق مزارع القبائل التي رفضت مبايعة المولى عبد الحفيظ.. فقد كان يُدرك، بفضل السنوات التي قضاها خليفة لوالده في مراكش، أن ندرة الحبوب تعني أزمة خبز سوف تكون أسوأ بالتأكيد من أي أزمة سياسية.
إدريس البصري ولعنة «كوميرا»
قبل أحداث سنة 1981، حيث كان إدريس البصري حديث عهد بوزارة الداخلية، كان الخبز دائما مصدر «متاعب» للداخلية، في أقسى سنوات الجفاف التي عرفتها البلاد.
ومنذ أن كان إدريس البصري مسؤولا في مكاتب الوزارة، أي قبل سنة 1979 التي أصبح فيها وزيرا للداخلية، كان ملما بملف تدبير الخبز والمخابز والمطاحن الكبرى، التي تحرس «الأمن الغذائي» للمغاربة.
عندما جاء إضراب صيف سنة 1981، عندما وصف إدريس البصري شهداء المظاهرات، بأنهم خرجوا من أجل «كوميرا»، لم يكن يدرك أن هذا التوصيف سوف يحمل دلالات عميقة، اعتز بها المناضلون الذين دعوا إلى الإضراب والنزول إلى الشوارع.
وحتى عندما انتهى إدريس البصري وزالت عنه سلطته، بعد سنة 1999، كانت أحداث سنة 1981 ما زالت تحتفظ برمزيتها التاريخية، خصوصا مع اكتشاف المقبرة الجماعية في مدينة الدار البيضاء، والتي دُفن فيها شهداء المظاهرات، وكان بينهم قاصرون.
الخبز كان حاضرا بقوة في المظاهرات بعد أحداث 1981، إذ كانت المعارضة ترغب في الرد على إدريس البصري بطريقته نفسها.. وهكذا كان المتظاهرون يحملون الخبز أو «الكومير» في الأيادي دلالات على المطالب المعيشية، سيما عندما يتعلق الأمر بمظاهرات النقابات.
نوبير الأموي، نجح في تحويل أغلب مظاهرات سنوات الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي إلى إضرابات ناجحة، اضطر معها وزير الداخلية إلى النزول «أرضا» للتفاوض. واحتفظ «الخبز» برمزية تاريخية بقيت حاضرة في كل المبادرات النقابية.
وما زاد من تعميق دلالات «الخبز»، القوانين التي أصدرتها الدولة، سيما سنة 1975، لتنظيم عمل المطاحن وأرباب المخابز في المغرب.. لكن عندما أصبح إدريس البصري وزيرا للداخلية، وحل جفاف بداية الثمانينيات، اتضح أن الوزير كانت لديه «حساسية» مفرطة من موضوع الخبز. فقد نظم أكثر من ندوة صحافية، خصص موضوعها أساسا لمناقشة سياسة الدولة في تدبير مادة الدقيق، وضمان تزويد الأسواق بالخبز. وفي ندوة صحافية تعود إلى أكتوبر 1993، كان إدريس البصري منفعلا، ولم يتحمل أن ينقل إليه الصحافيون، خصوصا وأن بينهم ممثلون عن وكالات أجنبية، ما تكتبه المعارضة. لقد كان إدريس البصري يرفض بالقطع أن يربط الخبز مع «الأزمة» في جملة واحدة. وخلال هذه الندوات الصحافية التي عقدها إدريس البصري في سياقات مختلفة خلال مدة استوزاره، كان موضوع تدبير الخبز يثير استياءه وانفعاله، بحضور الصحافيين. إذ كان يعتبر أن تدبير ملف المطاحن والمخابز غير خاضع لرقابة الحكومة، بل تابع له شخصيا.. لقد كان وزير الداخلية، باختصار، يعتبر الخبز شأنا لا يختلف في شيء عن الأمن القومي وباقي الملفات الحارقة، التي «عالجها» طيلة مدة الاستوزار.
+++++++++++++++++++++++++++++++++
صحافي «التايمز» وثق لمكانة الخبز في حياة مغاربة القرن 19
يبقى الصحافي البريطاني والتر هاريس، أحد أهم من فهموا خبايا الحياة المغربية، وعادات المغاربة الغذائية، منذ القرن التاسع عشر. وفي أقوى كتاباته عن المغرب، في مذكراته الأولية عن مغرب المولى الحسن الأول The Land of an African Sultan، أو ما يمكن أن نُترجمه: «بلاد سلطان إفريقي»، والذي يوثق لرحلاته في المغرب ما بين سنتي 1887 و1889، خصص صحافي «التايمز»، والتر هاريس، حيزا مهما لموضوع الخبز.
فقد أشار إلى الخبز المغربي، ودلالاته في طي الخلافات وإبرام الصداقات.. فشريف وزان، الذي كان وقتها أحد أقوى رجال المغرب وأقربهم إلى السلطان الحسن الأول، بصفته زعيما لزاوية شرفاء وزان، قدم لوالتر هاريس الخبز عربون صداقة بينهما. كما أن هاريس أشار في كتاباته إلى مدى قُدسية تشارك الطعام بين الأطراف.
ونقتبس هنا مقطعا تحدث فيه هاريس عن الطعام الذي شاركه مع شريف وزان، وضفاف الصداقة المتينة التي جمعتهما:
«وبينما نحن نستريحُ تحت ظل الخيمة، في انتظار تقديم طعام الغذاء، أمر الشريف رجلا بالوقوف على بُعد حوالي ثلاثين خطوة منا، وأن يحمل بين يديه أرغفة خبز مغربية مسطحة ومستديرة، يبلغ قدر الواحدة منها ست بوصات تقريبا، وذاك ما نفذه الرجل حرفيا. وأطلق الشريف الرصاص، دون أن يظهر عليه أي شعور بالتوتر نهائيا، على الرغم من ورود خطر إصابة يد الرجل، الرصاصة تلو الأخرى، لتخترق الخبز. كما أن الرجل الذي كان يحمل الخبز، لم يظهر عليه أثر توتر. ربما لأنه نفذ العملية مرارا من قبلُ، وعرف دقة تصويب الشريف على الهدف.
في ذلك المساء غادرتُ ضيافة الشريف.
رافقتُه ونحن راكبان على الخيل إلى وزان، في رحلة لمدة نصف ساعة تقريبا، ثم عندما غربت الشمس، وكنت بعيدا نسبيا عن المكان الذي أقيم فيه مخيمي، ترجّلت من على صهوة جوادي، وأعطيته لأحد العبيد، وسرتُ مشيا على الأقدام نحو الشريف. لقد كان غاية في الود واللطف في تعامله معي. أمسك يدي، وطلب مني أن أعود مرة أخرى وقتما استطعتُ.
قال لي:
-«سوف تكون مُرحبا بك دائما. دعني أعرف متى سوف تأتي، وسوف أجعل كل شيء يُرتب من أجلك. وداعا، ورافقتك السلامة ورعاية الله!».
وحتى عندما تُرجمت المذكرات الشهيرة التي كتبها والتر هاريس Morocco that Was، عن مغرب المولى عبد العزيز في الفترة ما بين سنتي 1894 و1907، إلى الفرنسية ليتعرف عليها جمهور الباحثين المغاربة، فقد أصبح هذا الصحافي البريطاني مرجعا مهما في التوثيق لعادات المغاربة الغذائية، خلال القرن 19.
نعود هنا، إلى تجربة السفر عبر المغرب خلال سنة 1887، فقد كتب «هاريس» عن عادات قبائل نواحي مدينة الرباط، وبدا واضحا أن الخبز كان يحتل حيزا مهما في برنامج الأكل المغربي اليومي، حتى في أقسى سنوات الجفاف والتمرد ضد المخزن.
يقول: «ما أن دخلنا الكوخ، حتى أُخذتُ على الفور إلى المكان الذي خُصص لكي أختبئ فيه. وهو أشبه بقبو، لكنه نظيف جدا. وبعد مضي نصف ساعة على دخولي إليه، ربطتُ قطعتين من الخيش إلى قَدَمَيَّ المثخنتين بالجروح، وتناولنا وجبة العشاء التي كانت عبارة عن قطع من الخبز المحلي، مع حليب الماعز. وكان العشاء جيدا.
تركني صديقاي الطيبان، وناما في الجزء الآخر من الكوخ، حتى أن شخيرهما تناهى إليّ ووصل إلى مسامعي، رغم أنني كنت نائما في القبو. شعرتُ أنني صرت في حالة أحسن من السابق، رغم أنني لم أكن في وضع آمن تماما، إلا أنني على الأقل صرتُ خارج شفشاون. فتحتُ الحقيبة الجلدية الحمراء، وأعددتُ عددا من السجائر. بعد ذلك لففتُ نفسي في بطانيتي، واستلقيت مراقبا الدخان الأزرق يتصاعد إلى الأعلى شيئا فشيئا إلى أن تبدد وسط الظلام.
استمتعتُ بالتدخين يومها كما لم أستمتع به يوما. ولو كنتُ شاعرا، لكتبتُ قصيدة في رثاء الشاعر «نيستور جيانكليس»، فاعل الخير للبشرية. لم يمض وقت طويل حتى غفوتُ، من شدة الإنهاك، بسبب كل الإثارة التي عشتها في ذلك اليوم، ومن شدة المشي لمسافة طويلة ليلا.
لم أستيقظ إلا في وقت متأخر من صباح اليوم الموالي. أحضرت لي وجبة الإفطار – خبز وبيض وحليب- على الفور، وتلقيتُ الخبر السار المتعلق بوصول بغالي.
إلا أن الحظ لم يكن حليفي، إذ ظهر أحد رجال قبيلة بني حسن، من الذين هاجموني عندما كنت في الطريق إلى القرية، بمحض الصدفة – صُدف السوء- وتعرف على دوابي. لكن محمد أنكر أنها دواب النصراني، وهو ما زاد من إثارة شكوك رجال القرية. ومرة أخرى وجدتُ نفسي في قلب الخطر».
قنصل أمريكي سنة 1907 أشاد بالخبز المغربي في مذكراته
عنون مذكراته التي صدرت في الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1914، بـ«المغرب الغريب»، أو «العجيب»، ثم اختار لها في طبعة أخرى عنوانا أكثر رصانة: «الحياة في أرض الغروب».. وكلا العنوانين لكتاب واحد وثق فيه القنصل الأمريكي «إدموند هولت» لتجربته في المغرب، حيث عمل قنصلا في مدينة طنجة الدولية ما بين سنتي 1907 و1909.
هذا القنصل، دُعي إلى موائد أعيان طنجة وأثريائها وموظفي المخزن، كما أنه لبى دعوة القرويين البسطاء وأكل معهم خبزهم المصنوع من مادة الشعير.. وتطرق إلى أهمية الخبز المغربي، وأعرب عن إعجابه الكبير بالمطبخ. حتى أن الطاهية الأمريكية «آن ماكواير»، والتي ألفت كتابا مهما عن المطبخ الشرقي سنة 1952، قد أشارت إلى تأثرها بمذكرات القنصل «هولت»، والتي دفعتها إلى التعرف على المطبخ المغربي، الذي يحتل فيه الخبز الصدارة «بلا منازع».
يحكي الدبلوماسي هولت، ويصف في هذا المقطع، المائدة المغربية أثناء وليمة لبى دعوة حضورها في طنجة. يقول:
«قُدم لنا «الكسكسو»، وهو الطبق الوطني للبلد، ويحتل مكانة الأرز بالنسبة إلى الصين واليابان. كانت هناك فواكه من عدة أصناف، وأنواع من الخبز. وكانت هناك أيضا سَلَطة مثل تلك التي يتم إعدادها في منطقة جبال سوريا لثلاثة آلاف سنة. كانت هناك حلويات بكميات كبيرة وأنواع عديدة. أغلبها لم يسبق لي أن تذوقتها من قبلُ – حيثُ يستخدمون التين واللوز والعسل، ويخلطونها جميعا لصنع عجائن لذيذة. ويضيفون البرتقال المُحلّى، وزهر الليمون والبرتقال، والليمون المُخلل. تُلفّ العجينة وتُدعك مرات متكررة، إلى أن تصبح رقيقة مثل الورق، ويتم نقعها أخيرا في العسل.
قُدمت لنا أيضا الهلاليات المحشوة باللوز، ويُرش عليها السكر المسحوق. وكعك صغير محشو بالمكسرات المهروشة، ثم يُغمس في العسل. لكن أفضل ما قُدم لنا من بين كل الأطباق، السَلطة.
هذه السَّلطة تُعد من نفس العناصر التي تدخل في صناعة السلطات عندنا. ولكن – ربما هناك سِحر خاص بشأنها- السّلطة المغربية مختلفة تماما.
لتحضير هذه السَّلطة، عليك أن تجمع حبة خيار مفرومة، وبصلة بيضاء كبيرة، وحبتي فلفل حلو من النوع الأخضر، وحبتي طماطم، وضرس من الثوم، الخل، الملح، وزيت الزيتون الخالصة.
(إذا حاولتم إعداد هذه السَّلطة باستعمال زيت البذور أو زيت الزيتون الرديء، فسوف تحلّ عليكم لعنة الله).
قطّعوا الثوم إلى شرائح رفيعة قدر الإمكان، ثم ضعوها داخل طبق ورشوا عليها الملح واهرسوا الخليط إلى أن يمتص الثوم الملح.
جهّزوا وعاء كبيرا آخر، وقطعوا داخله البصل. لا تقطعوا الخضر إلى شرائح، بل إلى قطع مربعة متوسطة الحجم.
(..) ارفع اللقمة إلى أعلى، وضع الخبز المليء بالخليط داخل فمك. ثم قل إن الحياة لا تستحق أن تُعاش، إن استطعت!
لكن إذا حاولت أكل هذه السَّلطة باستعمال الشوكة، بدل أصابع اليد، فالأكيد أنك لا ترغب في معرفة كيف سوف تنقلب هذه التجربة».
عندما راهنت الحماية الفرنسية على «الخبز» لاستقرار الاقتصاد
«عندما تشتري منزلا في المدينة، فإن الأمر يتعلق بعقدين. العقد الأول يخص المنزل، والعقد الثاني يتعلق بحقوقك في استغلال المياه. والمرجح أن العقد الأخير يتسبب في وقوع مشاكل أكثر من العقد الأول.
يُحرك المجرى الجوفي للنهر، عشرات نواعير مطاحن الدقيق الموجودة داخل أسوار المدينة، أو أكثر. ربة البيت المغربية تُحب الدقيق طريا. تأخذ حبوب الذرة بنفسها إلى الطحان، وتُحضر الطحين إلى المنزل، وتُعد خبزها وتعجنه. هناك عدد قليل من الخبازين المحترفين، وخُبزهم يُعتبر أقل شأنا مقارنة مع المنتجات المنزلية».
هذا الكلام يوثق لحياة المغاربة في فاس، المدينة القديمة تحديدا، سنة 1952. أي خلال فترة الحماية الفرنسية. وصاحبه هو الأكاديمي والباحث السياسي «برنارد نيومان». وهذا الكتاب Morocco Today، ليس إلا خلاصة لجولته في المغرب للوقوف على مدى صحة المعلومات التي تصدرها الحكومة الفرنسية، بشأن الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمغاربة.
وقف د. نيومان على أرقام ميدانية صادمة في كتابه، حيث حاول المقارنة بين الأرقام التي تصدرها إدارة الإقامة العامة في الرباط، بخصوص الوضع الصحي والاقتصادي للمغاربة في ظل الحماية، وبين الأرقام التي يصدرها الوطنيون في منشورات الحركة الوطنية، حزب الاستقلال على وجه الخصوص.
يقول: «معدل الوفيات في صفوف الرضع المغاربة، يرجع بدرجة كبيرة إلى الالتزام بالطرق البدائية المحلية خلال عملية الولادة.
إن القول بأن الظروف في المغرب هي الأسوأ في العالم، قول مستبعد بسهولة من خلال الملاحظة العادية.
في أوساط الوطنيين، فوجئتُ وأنا أجد أن مصر تُعتبر البلد المسلم الذي يقدم نموذجا لبقية الدول المسلمة الأخرى، منذ أن أصبح لديها التحكم الكلي في شؤونها الداخلية.
خلال رحلتي في المغرب، نشرت بعثة لمؤسسة «روكفيلر» للأبحاث الطبية، تقريرا تجنبت الصحافة القومية المغربية الإشارة إليه.
هذا التقرير كشف، من خلال فحص شمل مختلف الفئات، أن 92 بالمئة من المصريين أصيبوا بمرض «البلهارسيا» أو الإسهال الحاد، و64 بالمئة أصيبوا بالديدان المعوية، و6 بالمئة أصيبوا بمرض «السيفيليس».
6 بالمئة أصيبوا بالعمى، أو يعانون من أمراض العيون والبكتيريا المُعدية التي تصيب العين وتسبب الالتهاب.
بينما 12 بالمئة من العائلات كانت تعيش على تقسيم قطع الخبز في ما بينها، والجبن مع الحليب الخالي من الدسم.
أكثر من نصفها كانت تتوفر على الخضر الطازجة مرة واحدة فقط في الأسبوع.
في أحد المراكز، كان طبيب واحد فقط يحاول، لوحده، علاج 27 ألف مريض».
خلص «نيومان» إلى أن فرنسا ربطت بين الخبز والأمن لتضمن استقرار بعض المناطق. إذ رغم المقاومة وخطابات الحركة الوطنية التي تحث على ضرورة مواجهة فرنسا واستقلال المغرب، إلا أن الإدارة الفرنسية كانت تدرك أهمية الخبز في الحياة اليومية، وعملت على رفع محاصيل الحبوب، الشعير خصوصا، لاستمرار إنتاج الخبز المغربي.. إذ إن «نيومان» يؤكد في هذه الدراسة أن فرنسا عملت بجدية على رفع إنتاج الحبوب وتشجيع مزارعيها على الإنتاج، لتجنب مجاعات مغرب 1912، وبالتالي تجنب ظهور الأوبئة..
المقاومون تضامنوا بالخبز وهربوا السلاح في سلال المخابز
عندما نفي السلطان سيدي محمد بن يوسف في غشت 1953، واندلعت أولى شرارات المقاومة المسلحة، سرعان ما كثفت السلطات الفرنسية حملات الاعتقالات التي طالت المقاومين وأعضاء الخلايا السرية في المدن والقرى المغربية.
كانت الدار البيضاء «المشتل» الأول لميلاد خلايا المقاومة، وقد تحدث عدد من المقاومين عن دور «المخابز» التقليدية، خصوصا داخل «كاريان سنطرال»، في مواجهة القمع الفرنسي.. إذ إن تلك المخابز كانت تسخر إنتاجها اليومي لإطعام عائلات المعتقلين.
كما أن الخبز كان ضروريا في «القفة» التي تُوجه للمساجين.. وتحدث مقاومون في عدد من الشهادات التي جمعتها المندوبية السامية للمقاومة، خلال عقود مضت، عن التضامن مع العائلات والمساجين عبر تخصيص حصص يومية من الخبز المغربي الشهير، المصنوع من الشعير أو الدقيق المحلي، قبل ظهور «الدقيق المدعم»، الذي بدأت فرنسا توزيعه لتتحكم في الأمن الغذائي للمغاربة إلى حدود نهاية 1955.
ومن أقوى الشهادات التي تحدث أصحابها عن دور الخبز في مواجهة حملات الاعتقال، تلك التي تعود لمن مروا من سجن «اغبيلة»، في خضم أحداث الاحتجاج على نفي السلطان سيدي محمد بن يوسف. إذ إن العائلات كانت تحرص حرصا شديدا على تزويد المعتقلين بالخبز، جراء ما كان ينقله المفرج عنهم من معلومات عن «تجويع» ممنهج يمارسه البوليس الفرنسي في حق المعتقلين.
الصحافة الفرنسية الصادرة في المغرب كانت تصف المعتقلين بالإرهابيين، حتى قبل إصدار الأحكام ضدهم، وهكذا فقد كان الأمن يتمادى في تشديد ظروف الاعتقال. في حين أن مخابز المقاومة، والتي كانت عبارة عن أفران تقليدية في أحياء الدار البيضاء – في كاريان سنطرال تحديدا، ثم بقية الأحياء- تناضل لتزويد المعتقلين وعائلاتهم بالخبز اليومي، الذي كان يعتبر سلاحا للبقاء على قيد الحياة ومواجهة سياسة فرنسا في المغرب.
أما تهريب السلاح في سلال الخبز، فهي تقنية اعتمدتها الخلايا السرية، لضمان تهريب قطع السلاح تحت أعين الرقابة الفرنسية، دون إثارة الانتباه. وهو ما شاركت فيه النساء بقوة، إذ استغل المقاومون عملية نقل «وصلات» الخبز إلى الفرن التقليدي، في المدينة العتيقة خصوصا، لنقل السلاح وتسليمه بعيدا عن أعين البوليس. وقد أثبتت هذه الطريقة نجاعتها حتى في أكثر فترات تشديد الرقابة على أنشطة المقاومة، ولم يفتضح أمر هذه العمليات، إلا عندما اتسعت دائرة الاعتقالات.. إلا أنه لم يكن ممكنا تفتيش كل «سلال الخبز» التي تجوب أحياء المغرب.. وهكذا فقد كانت هذه الطريقة فعالة لاستمرار الكفاح المسلح ضد الاستعمار إلى حدود نونبر 1955، تاريخ عودة الملك الراحل محمد الخامس إلى العرش.





