حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةسياسيةملف الأسبوع

حفلات في الثكنات … فنانون مغاربة في أنشطة لفائدة الجنود بالصحراء

 

منذ أن سحبت إسبانيا آخر جندي لها من الأقاليم الصحراوية يوم 12 يناير 1976، بدأت الجزائر تعبر عن غضبها من هذا الفتح الجديد، فجندت البوليساريو ودعمتها بالسلاح والخيام وأقنعت ليبيا القذافي بإعلان الحرب على المغرب كي لا ينعم باسترجاع صحرائه.

في مواجهته لحرب العصابات أنشأ المغرب جدارا أمنيا في الصحراء، على امتداد 1200 كيلومتر لحماية أراضيه من تسربات ميليشيات البوليساريو، لكن الحرب لم تتوقف بالرغم من المفاوضات السرية والعلنية، قبل إصدار قرار وقف إطلاق النار ابتداء من سنة 1991، بعد فاتورة دموية ثقيلة.

ورغم قرار إطلاق النار ظل حماة الوطن في ثكناتهم يحرسون البلاد والعباد من كيد المعتدين، وهو ما تطلب زرع بذور التحفيز في نفوسهم ورفع معنوياتهم وطرد الملل المتربص بهم في الصحراء. فلا تكفي “رخص” الإجازات القصيرة لالتقاط الأنفاس والعودة إلى الجبهات بحماس جديد، ولا يكفي المذياع والكتاب للإمساك بخيط التواصل مع العالم الخارجي في زمن لم يكن فيه ذكر للهواتف النقالة وللرسائل النصية ولا “الواتس اب”.

حرص الملك الحسن الثاني، بصفته رئيسا للأركان العامة للقوات المسلحة الملكية، على جعل الفن في صلب القضية الوطنية، وأصر على أن تحظى قواتنا المرابطة في الصحراء بالتفاتات فنية وأن تكون لجنودنا حصتهم من الفرجة الفنية.

كانت الغاية من هذا القرار هي استخدام الفن كأداة لزرع البسمة في نفوس المحاربين حراس الثغور، وجعل الفنانين في خدمة عيون الوطن التي لا تنام، في ما يشبه العلاج الفني باعتباره أحد الطرق الحديثة في علم النفس والتي ظهرت في الحرب العالمية الأولى.

الملف الأسبوعي لـ”الأخبار” يسلط الضوء على حقبة زمنية من تاريخ الصراع العسكري بين المغرب وميليشيات البوليساريو، ودور الفنانين المغاربة في إدخال البهجة في نفوس حراس الحدود.

 

جيل جيلالة.. من مستغانم الجزائرية إلى الصحراء المغربية

لم تكتف مجموعة جيل جيلالة بتسجيل حضورها في الصحراء المغربية بأغنية “لعيون عينيا”، التي أصبحت وسما للمسيرة الخضراء، بل أبدعت في إنشاد أغنية “جنود الصحراء” إهداء للجنود المغاربة المرابطين في الجبهات الأمامية للدفاع عن أراضينا المسترجعة.

سجلت جيل جيلالة حضورها المميز في الصحراء في أوج الصراع، لكن المفارقة العجيبة أن هذه الفرقة الغنائية كانت تقوم بجولة فنية في الجزائر، البلد الذي سيحشد كل إمكانياته لمنع المغرب من استرجاع صحرائه.

في مدينة مستغانم الجزائرية، تراقص الجزائريون على أنغام جيل جيلالة، رفقة الثنائي “باز وبزيز” والفنان محمد مجد، لكن لا أحد من الحاضرين كان يعلم أن الرئيس الجزائري هواري بومدين كان له رأي آخر.

في كتابه: “عبد الكريم القصبجي: صوت بصم مسار جيل جيلالة”، يسلط الكاتب العربي رياض الضوء على السياق التاريخي الذي سيحمل جيل جيلالة من بلاطو تصوير فيلم وثائقي إلى الصحراء المغربية.

“عادت جيل جيلالة من الجزائر وفي أجندتها عدة مشاريع، منها أساسا تصوير فيلم حول الفرقة، بمعية المخرج حميد بنشريفة، هذا الفيلم كان الغرض منه التعريف بالمجموعة في الشرق الأوسط، في أفق تنظيم عروض فنية هناك، لتسليط الضوء على هذا اللون الغنائي الذي خلق ضجة في المغرب والمغرب العربي. وبينما الفرقة منهمكة في التصوير، تم الاتصال بها من لدن إدارة القوات المسلحة الملكية لتقوم بجولة فنية في الأقاليم الصحراوية، وبالضبط في الثكنات العسكرية للترفيه عن الجنود المغاربة، خاصة وأن قضية الصحراء المغربية أخذت، حينها، تطفو على سطح الأحداث في بحر سنة 1975. وكان لزاما أن يتم دعم الجنود المغاربة، لأن القرارات التي سيتخذها المغرب في ما بعد كانت مفتوحة على احتمالات عديدة. لا أحد يتوقع نتائجها. هكذا سافرت جيل جيلالة إلى الأقاليم الجنوبية، رافقها بوبكر الحيمر، أخ بوعزة الحيمر، المكلف بالتقنيات، حيث أحيت مجموعة من الحفلات بمناطق عدة: العركوب، سيدي إفني، بئر إنزران، طانطان وغيرها. استغرقت الجولة قرابة شهر، قضت جيل جيلالة وبزيز وباز جل مراحلها في ضيافة الجنود المغاربة، وكانوا يتنقلون بين الثكنات بواسطة حوامة، ويرتدون أثناء السهرات ملابس عسكرية، وربطوا علاقات متينة مع عناصر الجيش”.

وعلى امتداد الرحلة كانت فرقة جيل جيلالة تستهل عروضها بأغنية مهداة للجنود في جبهات القتال تقول كلماتها:

الحمد والشكر للواحد العظيم

لمداوم النصر

لجنود الصحرا لحرار  الوارتين الهيبة وعلاوت القدر

طهروا الحدادة بعزايم وصبر

من قهروا العدا بحر وسما وبر

تحيا وسلام ليك يا رمال العرقوب و يا جبال كركر

يا منعلى طول الواد فخنادق لحمية

يهزم الارياح شتا وحر

يخلى عداه مجلية

هنية عليك هنية

يا من جاد بالعمر

فسبيل الكرامة

بيك زمانا فخر

عند الله ليك مقامة

ومن تكن برسول الله نصرته إن تلقه الأسد في اجامها تجم

من يعتصم بك يا خير الورا شرفا الله حافظه من كل منتقم

 

لمشاهب تتلقى دعوة الانتقال للصحراء مباشرة بعد المسيرة الخضراء

مباشرة بعد نجاح المسيرة الخضراء في تحقيق أهدافها الاستراتيجية في النزاع الذي انتهى بصدور حكم من محكمة لاهاي الدولية، يقضي بإنهاء التواجد الإسباني في الصحراء المغربية.

في 28 فبراير 1976، نزع آخر علم إسباني من على سطح مؤسسة حكومية بالصحراء، ورفع العلم المغربي مكانه. وفي تلك الليلة، غادرت آخر القوات والموظفين الإسبان جوا لينتهي بذلك استعمار إسباني دام أكثر من 90 عاما.

تسارعت وتيرة الأحداث وفي 30 أكتوبر، عبرت أول كتائب القوات المسلحة الملكية المغربية الحدود واستقرت في المواقع المهجورة، حتى وصلت إلى منطقة المحبس التي كان الجيش الجزائري قد احتلها لكنه انسحب في اليوم نفسه لتجنب مواجهة مباشرة مع القوات المغربية.

في الشهور الأولى من دخول القوات المغربية للصحراء واسترجاعها شبرا شبرا، بدأت المواجهات العسكرية مع الجيش الجزائري خاصة حين تم طرده من أمغالا، تبين أن جيراننا يكيدون كيدا، وتبين أيضا أن معارك أخرى أكثر قساوة تنتظرنا.

في هذه الظرفية، دعيت مجموعة “لمشاهب” التي مر على تأسيسها آنذاك حوالي عامين، للتوجه صوب الصحراء والمساهمة في خلق أجواء دافئة في الثكنات العسكرية من خلال الترويح على الجنود الذين أخذوا مواقعهم في الوحدات المتنقلة وفي المواقع الثابتة تحسبا للهجمات المدعمة من الجزائر وليبيا.

يقول محمد حمادي عضو مجموعة “لمشاهب” وهو يستحضر هذه الفترة العصيبة في مسار القضية الوطنية: “مباشرة بعد المسيرة الخضراء تلقى محمد البختي مدير المجموعة قرارا من السلطات العليا بإقامة حفلات فنية في الثكنات العسكرية على امتداد رمال الصحراء الحبيبة، تنقلنا بالمروحيات والطائرات العسكرية بين العيون وبوجدور والسمارة، وكان معنا في هذه الرحلة الثنائي الساخر باز وبزيز وكنا ننظم سهرات فنية لفائدة الجنود المرابطين في تخوم الصحراء دفاعا عن حدود مملكتنا، في هذه الجولة الفنية التي دامت حوالي شهرين وكنا نرتدي البذل العسكرية، تفاعل الجنود ورددوا معنا بكورال جماعي أغنية “الجنود”.

تتضمن كلمات أغنية “الجنود” إشادة قوية بأبطال الصحراء، فشكلت حافزا معنويا لهم، بل إن الكثير منهم يجدون متعة في ترديدها.

نحكيو ما جرى نحيو الجنود

يا امانة لومني اعجابي يبشر بالخير

فارس بلادي وفى وحطم القيود

تورخ اسمو فالبعد سيناء والجولان

ما غلباتو عواصف ما قهراتو رمــــــــــــال

وفالحق راه ينصف ما ضاق فالأرض جوال

ودعي لو يا نايمين ما تلقاه عقبة ونسايرو الحال

قهر جهدو بالحروب وأنواع الخصلات.

شاركت “لمشاهب” في هذه الرحلة الطويلة بين الثكنات وفي المواقع المتقدمة، بتركيبتها الأساسية التي كانت حاضرة بقوة في المشهد الفني في منتصف السبعينات، وكانت تتكون من: حمادي، الشريف، باطما، السوسدي، الشاذلي، إلى جانب البختي مدير الأعمال الذي كان ينسق مع القيادة العسكرية لترتيب مواعيد الحفلات ولوجستيك التنقلات، علما أن المجموعة الفنية كانت تقيم في مقرات مبيت الضباط.

 

تكادة.. المجموعة التي رافقت الفيلق السادس في فتوحاته

بقيت الحرب سجالا في الصحراء المغربية بين الجيش المغربي وقوات مرتزقة الجزائر، المدربين والمؤطرين من طرف ضباط أجانب، لكن الوضع العسكري لم يمنع مجموعة “تكادة” من تسجيل حضورها في مناخ الحرب وتأكيد مساهمتها في رفع معنويات القوات المسلحة الملكية في الصحراء.

يحكي أحمد الروداني، رئيس فرقة تكادة للمسرح والفنون الشعبية، عن هذه المرحلة الهامة في تاريخ الفرقة الغنائية:

“علاقة مجموعة تكادة بالصحراء المسترجعة بدأت سنة 1978، وهي فترة عصيبة في تاريخ النزاع المغربي الجزائري، حيث دارت معارك حاسمة بين قواتنا وجيش من المرتزقة كمعركة “بئر أنزران” التي كانت من أكبر معارك الصحراء، وغيرها من المعارك القوية، في هذه الظرفية حضرت تكادة لترفع معنويات الجنود وهم في أشد المعارك وأكثرها قساوة، خاصة في السمارة والحزام الأمني والداخلة مباشرة بعد استرجاعها إثر انسحاب الجيش الموريتاني بعد الضغط الذي مارسه الجزائريون على نظامهم. كنا نتنقل كالجنود تارة في قوافل عسكرية وتارة جوا عبر المروحيات والطائرات العسكرية، كما سجلنا حضورنا عبر الملاحم الوطنية وفي الزيارة الملكية للسمارة ولأسا الزاك وغيرها من المناطق الصحراوية العزيزة على قلوبنا، طبعا لم نكن وحدنا في هذا المشروع الفني الوطني بل شاركنا فيه مجموعة من إخواننا الفنانين الذين ساهموا بفنهم بإبداعاتهم في المجهود الحربي الكبير بروح وطنية”.

رافقت مجموعة تكادة القيادي العسكري الكبير الغجدامي في تنقلاتها،  في زمن كان اسمه يصيب البوليساريو بالرعب. عرف عنه الشجاعة والإقدام وبرز اسمه بقوة في حرب الصحراء حيث قاد أهم فوج في المغرب آنذاك وهو الفيلق السادس الآلي للمشاة المرعب.

كانت مجموعة تكادة جزءا لا يتجزأ من هذا الفيلق العسكري، تبعث روحا جديدة في جنوده وترفع درجة التحفيز في نفوسهم. يحسب لها مرافقة جيشنا إلى إقليم وادي الذهب، وضم هذا الإقليم إلى أقاليم المملكة، وأطلق على هذا الدخول “عملية قدر”. وفي هذه الواقعة التاريخية كان صوت تكادة حاضرا بقوة من خلال أغنيتها الوطنية الشهيرة “اليوم بانت الحجة”

اليوم بانت الحجة وتقضات الحاجة

اتبسم الزمان وبانت الفلجة

آمر العلام خرجت العلفة

اتفك لختام

بمسيرة قاصدة العيون والواد

والساقية الحمرا

كل حبة الرمل

صاحت بالجهر الوحدة تكمل

 

باز وبزيز.. ثنائي حمل السخرية إلى جبهات القتال

منذ أن اختار الحسين بنياز باز وأحمد السنوسي بزيز الالتئام في ثنائي فني ساخر، قررا أن يكون خطهما الفني مرآة عاكسة لقلق الشعب خاصة الفئات الكادحة التي عاشا همومها عن قرب، وذلك منذ أن اجتمع باز ابن المدينة القديمة للدار البيضاء وأحمد الذي ينحدر من حي شعبي أيضا وهو سباتة.

تخرجا من المسرح البلدي وكانت بدايتهما مع مجموعة ناس الغيوان حين أتيحت لهما فرصة تقديم فقرات غنائية ساخرة في انسجام تام مع مضامين أغاني المجموعة، وكان الطيب الجامعي هو الذي ينظم الحفلات داخل وخارج الدار البيضاء. لكن من الارتباط بمجموعة ناس الغيوان إلى الانفتاح على باقي المجموعات الغيوانية، كجيل جيلالة ولمشاهب وتكادة وغيرها من المجموعات في رحلة الصحراء.

كان جنود القوات المسلحة الملكية المغربية المرابطون في الصحراء، أحوج إلى السخرية الكفيلة بطرد القلق الساكن في دواخلهم ومسح شبح الحرب المحيط بهم والتوجس الذي يلغي الابتسامة من محياهم. لذا كان الثنائي “باز وبزيز” أشبه بنسمة ابتسامة في ثكنات لا تقبل الضحك.

كان هذا الثنائي في جولته الفنية مع جيل جيلالة ومع لمشاهب، أمام جمهور من نوع آخر جمهور عسكري يرتدي البذلة الرسمية للحروب، سرعان ما ينقله هذا الثنائي إلى الحياة اليومية للمواطن وانغماسه في تفاصيلها، وأحيانا يصور العدو ويحوله إلى مادة للسخرية. لا يشعر المتتبع بأنها بعيدة عنه، أو تختلف كثيرا عما يعايشه.

رافق الثنائي بزيز وباز في رحلتهما العسكرية داخل الصحراء، عازف ماهر يدعى محمد شوقي، كان يرافق أعمالهما بعزف على آلة “الماندولين” وكان متأثرا بالفنان لمشاهبي الشريف لمراني، لكن بعد هذه الجولة كتب له أن يعود إلى الصحراء وتحديدا لمدينة طانطان رفقة فرقة شعبية غنائية، فجأة انفجرت الخشبة بسبب مادة متفجرة كانت مدفونة في الرمال فمات شهيدا وهو يعزف مقاطع حماسية مشبعة بالوطنية، كان ذلك سنة 1976.

 

الحسن الثاني يطالب بعرض مسرحية “الحراز” في الثكنات

في حوار صحفي، كشف عبد الجبار لوزير، عضو فرقة الوفاء المراكشي، عن سر مسرحية الحراز، التي اعتبرت حدثا في تاريخ فرقة الوفاء.

“كنا ضيوفا عند الملك الحسن الثاني، تحدث معنا قليلا ثم توجه إلينا: “عندي لكم اقتراح. تعرفون قصيدة الحراز من تراث الملحون؟ يمكنكم أن تجعلوا منها عملا مسرحيا” أجبناه بالطبع يمكننا ذلك. حينها كنا أنا وبلقاس وعبد السلام الشرايبي مقيمين بالدار البيضاء. عدنا إلى مراكش لإعداد المسرحية. وشرعنا في التداريب. عندما أصبحت جاهزة سافرت رفقة محمد بلقاس للالتقاء بالملك بمدينة إفران. أخبرناه بأن الحراز أصبحت عملا مسرحيا مكتملا، ونحن جاهزون لعرضه أمام جلالته”.

أما رفيقه الفنان المسرحي أحمد الشحيمة فيقول، في حوار صحفي: اشتغلنا في مسرحية “الحراز” التي عرضت في مسارح الجزائر قبل أن تعرض في ثكنات الجيش المغربي بقرار من الملك الحسن الثاني… استقبلنا الشعب الجزائري بكل فرح، وكان يتفاعل مع المسرحية بشكل واضح خاصة مع التقارب اللغوي، وقد أعجب بها الجزائريون بشكل كبير لأنها تعبر عن التراث المغربي. بعد العودة جاءنا أمر ملكي بالتوجه إلى إفران لعرض المسرحية في الثكنات العسكرية الموجودة بالمنطقة أولا، إلا أننا بقينا شهرا كاملاً هناك دون أن تعرض، وبعد ذلك عدنا إلى مراكش، قبل أن تأتينا الأوامر بأن الحسن الثاني سيشاهد المسرحية في موكب رسمي، وهو ما تم، ليعطينا الملك الراحل الإذن بجولة مسرحية في جل الثكنات العسكرية بما فيها تلك الموجودة في الصحراء”. رفقة عدد من الممثلين المعروفين عزيز موهوب، مولاي عبد الله العمراني، فاطمة بلمزيان، مليكة العمري.. تأسست فرقة “نجوم الوفاء” التي اشتغلت فيها على عدة أعمال، قبل أن أعود إلى فرقة الوفاء. رحل عنا الكثيرون وآخر مسرحية قدمتها مع فرقة “الوفاء” هي “هندة في الرياض”.

 

عبد الرؤوف يقدم عرضا ساخرا بين المدافع

في لحظة تكريم الفكاهي المغربي عبد الرحيم التونسي، الشهير بعبد الرؤوف، اختلطت مشاعر الفرح والحزن معا في محياه، وهو السعيد بالتكريم في الدورة الـ16 من مهرجان مراكش للفيلم الدولي، والحزين على فراق زملائه وأصدقائه من رواد الفكاهة المغربية، والذين لم يحضوا مثله بلحظة مماثلة. في هذا الملتقى سئل عبد الرؤوف عن الذكرى التي لازالت راسخة في ذهنه فقال أمام حشد كبير من الفنانين المغاربة والأجانب، فضلا عن جمهور، ملأ القاعة:

“أول ذكرى حين اكتشفت نفسي كفنان وأنا معتقل، حين قدمت عرضا في مسرح سجن الدار البيضاء، الذي دخلته بسبب التحاقي بصفوف الحركة الوطنية، وهناك قررت أن أمتهن المسرح، واتخذ من شخصية هزلية ساذجة في بداية الستينات مساري. أما الذكرى الثانية فهي إصرار الملك الحسن الثاني على أن أقدم عروضا لفائدة القوات المسلحة الملكية المغربية المرابطة في الحدود، كان هذا القرار شرفا لكوميدي مبتدئ أسس في سنة 1975، أي قبل المسيرة الخضراء بشهور قليلة فرقته المسرحية وجال ورفقائه المغرب بعروض شهدتها المسارح والأحياء الشعبية، ورحلت بعروضي حتى خارج المغرب آنذاك”.

ومن اللحظات التي طبعت ذاكرة الفكاهي عبد الرؤوف قرار صدر سنة 1979، يحمل طلبا من إدارة القوات المسلحة الملكية، وترخيصا للقيام رفقة فرقته بجولة في الثكنات العسكرية لإسعاد الجنود المغاربة، “كانت هناك مخاطرة حقيقية لبلوغ مناطق معينة، لكن حماسة الفن جرفتنا إلى أبعد الحدود، وأفخر اليوم بتقديمي وقتي للجنود المغاربة”.

حين تم توشيح الفنان عبد الرؤوف من طرف الملك محمد السادس بمثابة اعتراف بالجميل، ودفعه للمزيد من العطاء، وقال: “عندما قال لي جلالة الملك بنفسه أنه يقدر ما كنت أقدم، خلال توشيحي بوسام المكافأة الوطنية من درجة ضابط، منحني شحنة جديدة وشعرت أني قادر على العودة من جديد كما كنا في الزمن الجميل. قلت له شرف لي أن أساهم في حرب الصحراء بفني”.

 

الجوق الوطني والملكي يحملان معزوفاتهما إلى الجدار الأمني

كتب محمد أنور الشرقاوي نجل الفنان الراحل صالح الشرقي، مقالا في صحيفة الوطن، بعنوان: “الجوق الوطني للموسيقى في الصحراء المغربية”. تحدث عن رحلة الجوق الوطني للموسيقى التابع لدار الإذاعة والتلفزة المغربية، وبعض أفراده في الأقاليم المسترجعة.

وكتب الصحافي عبد الرحيم أريري في ذات الصحيفة: “في ذلك الزمن المضيء، حين كانت رياح الوطن تعصف بأغاني تحرير الصحراء حمل الجوق الوطني لدار الإذاعة والتلفزيون المغربي قلوبه قبل آلاته، وعبر تخوم الصحراء نحو العيون في عام 1976 ليعزف للوطن، فوق ترابه المسترجع، أنشودة الخلود والانتماء. وقف الفنانون جنبًا إلى جنب مع جنودنا البواسل، حفاة القلوب، عراة إلا من الكرامة، عزفوا للمحاربين، غنوا للرمال، بكوا فرحا تحت الأعلام المرفرفة، وكتبوا بدموع الفرح لحنا لا يزال يتردد حتى اليوم في ذاكرة الأمة”.

يستعيد العربي الكوكبي الذي جمع بين الإحساس المرهف للفنان وصرامة العسكري بين العود والسلاح، مساره الفني الذي تحالف فيه الفني بالعسكري، خاصة حين يحمل صفته العسكرية كـ «كومندار» في الحرس الملكي.

كان الكوكبي من نفس جيل الحسن الثاني، بل إنه ولد في نفس السنة التي ازداد فيها الملك، وهي سنة 1929، قبل أن تجمع بينهما الظروف في العديد من اللقاءات، إذ كان الراحل الكوكبي من المترددين على القصر الملكي للمشاركة في إحياء كثير المناسبات.

انضم الكوكبي للجوق السيمفوني الملكي الذي كان يرأسه الكومندان عبد القادر الرتبي، ومن هنا سيبدأ مشوار حافل بين القصر ورحلات الملك خاصة في الصحراء حين أتحف الجوق الملكي الجنود في جبهات القتال.

 

الداسوكين.. من الخيرية إلى ثكنة التجنيد الإجباري إلى الصحراء

ولد مصطفى الداسوكين في الدار البيضاء يوم 14 يوليوز 1942، لكنه عاش اليتم مبكرا، حيث فقد والده عن سن السابعة من العمر، ولأن الوفاة تزامنت مع رحيل الأب، فقد تطوع شقيق والدته برعايته نيابة عن والدته المكلومة، وأخذه خاله إلى الخيرية التي كان مقرها حينها في المشور، وعلى الفور وافق المدير الوزاني على قبول مصطفى نزيلا جديدا بهذا المرفق، الذي لا يبعد كثيرا عن درب كرلوطي، مما مكنه من فرصة الحضور إلى منزل الأم مع نهاية كل أسبوع.

في نهاية الموسم الدراسي، برز الطفل مصطفى بنشاطه وأدائه الجيد لمعزوفات وأناشيد ومسرحيات، تقدم في ساحة المؤسسة بحضور المقيم العام الفرنسي.

لاستكمال الشطر الثاني من طفولة بلا قيود، في مرحلة الإعدادي تلقى الفتى دعوة التجنيد الإجباري في صفوف القوات المسلحة الملكية، فاستجاب لها على الفور، وهو المعجب بانضباط العساكر وقوة جيش السينغال الذي كان يرعب درب السلطان. اعتبر التجنيد مدرسة ثانية عززت رصيده المكتسب من المدرسة الخيرية الأولى، فقد كان الفتى مهيأ للاعتماد على النفس، قادرا على الاندماج في النظام العسكري الصارم بكل سهولة. بعد الاستئناس بالجيش كاد مصطفى أن ينخرط رسميا في القوات المسلحة الملكية وينتقل إلى الجبهات المتقدمة في الصحراء، لولا رغبة والدته والتماسها لكي يظل بالقرب منها ابنا ومعيلا.

انخرط الداسوكين في الحياة المدنية، وعاد من جديد إلى درب كرلوطي الذي يرتبط به وجدانيا. اجتاز مصطفى مباراة أعلنت عنها وزارة البريد وأصبح يشغل مهمة وكيل استغلال، وهو المنصب الذي غادره بعد شهور، لأن الحنين إلى التربية والتنشيط كان يسكنه.

التقى الداسوكين أحد زملائه القدامى الذين عاش معهم فترة الخيرية، فاقترح عليه الانضمام إلى سلك المؤطرين، بعد أن ارتأت الجمعية الخيرية الإسلامية لعين الشق إلحاق مجموعة من الأشخاص بالطاقم التربوي تتوفر فيهم شروط معينة، أبرزها المعرفة بقواعد الانضباط التي تشبع بها في الثكنة وإلمامه المعمق بنفسية النزيل، وعلى الفور تقلد مهمة مربي، مما فسح له الباب للإبداع وتكوين الكفاءات في مختلف المجالات.

سيعود الداسوكين إلى الثكنات العسكرية لكن كفنان ساخر يقدم عروضا رفقة مصطفى الزعري، زارا العديد من المدن في الصحراء وانتزعا الابتسامة من أفواه جنود لا يعرفون إلا الصرامة.

يقول الداسوكين: “أجمل ما في هذه الجولة التي حملتني إلى مدن الصحراء وروابيها، أنني التقيت مع أصدقاء لي جمعتني بهم خيرية عين الشق حين كنت نزيلا ومربيا في فترة لاحقة، وحين كنت أخضع للتجنيد الإجباري في ثكنة ابن جرير”.

 

عرض مسرحي لفرقة البدوي ليلة قصف عدواني

منذ تأسيس فرقة مسرح البدوي سنة 1952، دأبت على تسجيل حضورها في بعض المواقف الإنسانية خاصة خلال العروض التي كانت تقدم للطلبة بنصف ثمن التذكرة أو العروض التي قدمتها الفرقة في المستشفيات. خاصة وأن البدوي ورث روح النضال عن والده الذي كان عضوا في الحركة الوطنية المناوئة للاستعمار الفرنسي، كما ساهم في تأسيس النقابة الأولى في المغرب.

شاركت فرقة البدوي في جولة فنية في الصحراء رفقة مجموعة “لمشاهب”، وقدمت لفائدة جنود قواتنا المسلحة عدة عروض في مختلف المواقع والمدن، كما قدمت عروضا للصحراويين المدنيين وللتلاميذ والطلبة.

صادف وجود فرقة البدوي في الصحراء هجمات للعدو في عيد الأضحى، وكان رده في تقديمه لإحدى أعماله: “إنهم لا يتركون مناسبة مقدسة جعل الله منها أيام تراحم وتواصل وطمأنينة كحلول عيد الأضحى أو عيد المولد النبوي الشريف أو عيد الفطر دون أن يتسببوا في إراقة الدماء، ولكن عقاب الله تعالى وعذابه لهم كانا شديدين، فقواتنا المسلحة الملكية تقف في وجه هؤلاء، في أيام الأعياد أو في غيرها، سدا منيعا متحلية بالإيمان القوي والشجاعة والإقدام، وبالمعنويات العالية وبالروح القتالية العريقة وبالمهارة واليقظة للدفاع عن المكتسبات الوطنية وللحفاظ على الوحدة الترابية ولضمان الأمن والاستقرار في أقاليمنا الصحراوية المسترجعة”.

 

 

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى