حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

الدين والدولة والعلمانية 2-3

قراءة فلسفية في ضوء الفكر الغربي والتجربة المغربية (2-3)

فؤاد بوجبير

ركز مونتسكيو على ضرورة توزيع السلطة وعدم احتكارها، من خلال مبدأ فصل السلطات، باعتباره ضمانة للحرية ومنعا للاستبداد. ولم يكن مشروعه موجها ضد الدين، بل ضد تركيز السلطة في يد جهة واحدة، أيا كانت طبيعتها.

في المقابل، رأى جان جاك روسو أن المجتمع يحتاج إلى منظومة قيم مشتركة تحفظ وحدته، لكنه اعتبر أن الشرعية السياسية تنبع من الإرادة العامة للمواطنين، لا من التفويض الديني. ومع ذلك، لم يدعُ إلى القضاء على الدين، بل تحدث عن «دين مدني» يرسخ الانتماء للمجتمع ويحافظ على القيم العامة.

ثم جاء هيغل ليقدم تصورا مختلفا، إذ اعتبر الدولة تجسيدا للعقل الأخلاقي، ورأى أنها الإطار الذي تتحقق فيه الحرية المنظمة. وفي فلسفته لا تختفي الأخلاق أو الدين، بل تتفاعل مع الدولة ضمن رؤية أشمل للحياة الاجتماعية.

وفي القرن التاسع عشر، قدم ألكسيس دو توكفيل ملاحظة مهمة أثناء دراسته للمجتمع الأمريكي، إذ رأى أن الديمقراطية لم تؤد إلى اختفاء الدين، بل إن التدين ظل عنصرا مهما في الحفاظ على الأخلاق والاستقرار الاجتماعي. ومن هنا خلص إلى أن الحرية والدين ليسا بالضرورة في علاقة صراع، بل قد يكون كل منهما داعما للآخر.

وتكشف هذه المسيرة التاريخية أن العلمانية لم تكن فكرة واحدة جامدة، وإنما تعددت نماذجها وتطبيقاتها بحسب خصوصيات كل دولة. فهناك دول اعتمدت فصلا صارما بين الدين والدولة، بينما اختارت دول أخرى نماذج أكثر مرونة، أبقت للدين حضورا في المجال العام، مع الحفاظ على المؤسسات المدنية وسيادة القانون.

ومن ثم، فإن اختزال العلمانية في تعريف واحد قد يؤدي إلى سوء فهمها، كما أن اعتبارها نموذجا عالميا واجب التطبيق في كل المجتمعات يتجاهل حقيقة أن الأفكار السياسية غالبا ما تنشأ استجابة لظروف تاريخية محددة. وهذا ما يدعو إلى التساؤل: إذا كانت العلمانية قد جاءت لمعالجة إشكاليات خاصة بأوروبا، فهل واجهت المجتمعات الإسلامية الإشكالات نفسها، أم أن لها مسارا تاريخيا مختلفا يستدعي مقاربة مختلفة؟

هذا السؤال يقودنا إلى محور أساسي، وهو دراسة التصور الإسلامي للعلاقة بين الدين والدولة، ومقارنته بالتجربة الأوروبية، بعيدا عن الأحكام المسبقة أو النقل الحرفي للتجارب.

  الدولة في التصور الإسلامي.. بين المرجعية الدينية ومتطلبات العمران

إذا كانت العلمانية قد تشكلت في أوروبا نتيجة صراع تاريخي بين الكنيسة والدولة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل عرف العالم الإسلامي الصراع نفسه حتى يكون مطالبا بإنتاج الحل نفسه؟

إن قراءة التاريخ الإسلامي تظهر أن العلاقة بين الدين والدولة اتخذت مسارا مختلفا. فلم تعرف الحضارة الإسلامية مؤسسة كنسية تحتكر تفسير الدين وتمارس سلطة مستقلة عن الدولة على النحو الذي عرفته أوروبا في العصور الوسطى. كما لم يظهر فيها مفهوم «رجال الدين» بالمعنى الكنسي، الذي يمنح فئة معينة سلطة احتكار الغفران أو التشريع باسم الله. فقد بقي العلماء، في الغالب، أصحاب مكانة علمية وأخلاقية، بينما ظل تدبير الشأن السياسي من اختصاص السلطة الحاكمة، مع خضوعها، من حيث المبدأ، لمقتضيات العدل والشريعة والمصلحة العامة.

ولهذا فإن كثيرا من الباحثين يرون أن مقارنة التجربتين الأوروبية والإسلامية يجب أن تراعي اختلاف السياقات التاريخية، لأن الحلول التي تفرضها ظروف معينة ليست بالضرورة صالحة لظروف أخرى.

لقد أسس الإسلام، منذ بداياته، لمجموعة من المبادئ العامة التي تنظم الحياة العامة، دون أن يفرض نموذجا جامدا للدولة. فالقرآن الكريم أكد قيم العدل والشورى والأمانة واحترام الحقوق، بينما ترك للمجتمع مساحة واسعة للاجتهاد في اختيار الوسائل والمؤسسات، التي تحقق هذه المبادئ، بحسب تغير الزمان والمكان.

ومن هنا، فإن الدولة في الإسلام ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لتحقيق مقاصد أسمى، تتمثل في حفظ الدين، والنفس، والعقل، والمال، والنسل، وصيانة كرامة الإنسان. ولذلك فإن قيمة الدولة تقاس بمدى قدرتها على تحقيق العدل وخدمة المجتمع، لا بمجرد رفع الشعارات الدينية.

ويعد ابن خلدون من أوائل المفكرين الذين قدموا تحليلا علميا لنشأة الدول وسقوطها. فقد ربط قيام الدولة بوجود العصبية والتماسك الاجتماعي، لكنه أكد في الوقت نفسه أن الظلم هو أسرع طريق إلى انهيار العمران. وهذه الفكرة ما زالت تحتفظ براهنيتها؛ إذ لا يمكن لأي دولة أن تحقق الاستقرار الدائم إذا غاب العدل، مهما امتلكت من قوة أو ثروة.

أما علال الفاسي، فقد رأى أن الإسلام لا يتعارض مع بناء الدولة الحديثة، بل إن مقاصده الكبرى تدعو إلى الحرية والعدل وتحقيق المصلحة العامة. وكان يؤكد أن الأصالة لا تعني الجمود، وأن التحديث لا يعني التخلي عن الهوية، بل إن النهضة الحقيقية تقوم على الجمع بين القيم الإسلامية والاستفادة من منجزات العصر.

ومن زاوية أخرى، اعتبر مالك بن نبي أن الأزمة التي تعيشها المجتمعات الإسلامية ليست أزمة نصوص دينية، وإنما أزمة حضارية. فالمشكلة ليست في الإسلام، بل في قدرة المسلمين على تحويل قيمه إلى مشروع حضاري ينهض بالإنسان ويجعله منتجا للعلم والمعرفة والتنمية. ولذلك كان يرى أن النهضة تبدأ ببناء الإنسان قبل بناء المؤسسات، لأن المؤسسات لا تعمل بكفاءة، إلا إذا قام عليها إنسان يمتلك الوعي والأخلاق وروح المسؤولية.

وفي السياق نفسه، يدعو طه عبد الرحمن إلى إعادة الاعتبار للأخلاق في مشروع الحداثة. فهو ينتقد الحداثة حين تتحول إلى مشروع مادي محض، ويدافع عن حداثة تستلهم القيم الروحية، لأن التقدم التقني وحده لا يكفي لصناعة مجتمع متوازن إذا غابت المسؤولية الأخلاقية.

أما محمد عابد الجابري، فقد دعا إلى قراءة نقدية للتراث، تقوم على التمييز بين ما هو تاريخي وما هو قابل للاستمرار والتجديد. ولم يكن مشروعه دعوة إلى القطيعة مع التراث، ولا إلى رفض الحداثة، بل إلى إقامة حوار بينهما، يسمح ببناء نموذج عربي وإسلامي يستفيد من العقلانية الحديثة دون أن يفقد خصوصيته الثقافية.

ومن خلال هذه الرؤى، يتضح أن الفكر الإسلامي المعاصر لم يكن منغلقا على ذاته، كما لم يكن داعيا إلى استنساخ التجربة الغربية. بل انشغل بالسؤال نفسه الذي شغل الفكر الغربي: كيف نبني دولة عادلة؟ لكنه حاول تقديم إجابات تنطلق من مرجعيته الحضارية.

وفي تقديري، فإن جوهر النقاش لا ينبغي أن يكون حول الفصل أو عدم الفصل بين الدين والدولة، وإنما حول كيفية تحقيق التوازن بين القيم والمؤسسات، وبين الأخلاق والقانون، وبين الهوية والانفتاح. فالدولة الحديثة تحتاج إلى مؤسسات قوية، وقضاء مستقل، واقتصاد منتج، وإدارة فعالة، لكنها تحتاج أيضا إلى منظومة أخلاقية تحمي هذه المؤسسات من الفساد والاستبداد والانحراف.

 

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى