
يونس جنوحي
«هكذا، أخذت معي عشرة رجال، واثنين من العبيد. أنتِ صرت تعرفينهما بالمناسبة، وهما «امبارك» و«گابح»، وقطعنا التلال بسرعة. كان الظلام دامسا، ولم يكن هناك قمر في السماء والطريق كانت صعبة. أسرعنا كثيرا في المسير إلى درجة أن الخيول أصيبت بالإنهاك وسقطت أرضا أكثر من مرة. لكننا اصطحبنا فرسين إضافيين معنا، وكانا قويين.
لأني في تلك الليلة قتلتُ أربعة أحصنة بسبب الإفراط في السرعة ووعورة الطريق. كان الله معنا، لأننا توغلنا في الطرق الصعبة وسط الظلام والشعاب، وقطعنا مشوارا يتطلب يومين من المسير في ثماني ساعات فقط.
وصلنا إلى قمة التل، وأصبحنا نرى خيام مُخيم الرميكي في أسفل التل. قدنا خيولنا نحو المنحدر، وانطلقنا بها مندفعين. والله، لم تكن الخيول قادرة على التوقف، والرجلان اللذان لم يكونا يركبان على الخيل، كانا يركضان بقوة. إلى درجة أننا وصلنا رأس المخيم وتجاوزناه. أنا متأكد أن «البركة» كانت معنا. ظن رجال الرميكي أننا من الجن، ولم يطلق أحد الرصاص علينا إلى أن طوقنا الرميكي الذي بدأ يصيح مناديا اسمي.
أخذناه معنا إلى أصيلة، وأصبح سجينا لدي لثمانية أيام، وبعدها، كتب لي مولاي عبد الحفيظ يطلب مني أن أطلق سراحه، لأن عائلته كانت كبيرة جدا ولديها تأثير كبير. ورغم أنه كان دائما عدوا لي وكان دائما يقود حروبا ضدي، أطلقت سراحه تنفيذا للقَسم واليمين الذي أديته أمام السلطان. لكن، بالمقابل، وافق السلطان على كل ما أطلبه».
بعد أن ذهب الشريف، أخبرني بدر الدين أن الرميكي، الذي يوجد الآن في الريف، منح خمسين ألف دورو لباشا أصيلة مقابل عقد الصلح بينه وبين الريسوني.
الفصل السابع:
الريسوني وإسبانيا
إشاعات وأساطير كثيرة انتشرت عن حُكم الريسوني في أصيلة، لكن أغلبها لم يكن حقيقيا بشكل واضح وجلي. يقال، مثلا، إنه عذب سجناءه وحشرهم في زنازين لم يكن يصل إليها الضوء أبدا. ولكن، لا يوجد أبدا قبو في «قصر الدموع». الحكاية التالية دليل على انتشار الأكاذيب والمبالغات حول الريسوني.
كان سكان أصيلة يحتجون أكثر من السابق ضد قساوة أحكام الباشا، وهكذا تقرر أن يتم التخطيط لمعجزة لإبهار الناس وإخراسهم.
في الساحة، بالقرب من القاعة المخصصة للجماهير التي تأتي للتظلم، كانت هناك حفرة بُني فيها فرن كبير لإعداد الخبز.
وُضعت ألواح من الجير فوق الحفرة، وتتم إحاطة تلك الألواح بالفحم الأسود، وتشكل فوقها سقف طيني، وتُركت في قمتها فتحة لكي يخرج منها الدخان نحو الأعلى.
ذات يوم وضع الشريف عبدا أسود في الحفرة وبعد أن وُضع فوقه الغطاء، لم يتبق له سوى الثقب الوحيد لكي يتنفس في الحفرة.
عندما اجتمع الناس، أعلن الريسوني عن حُكمه. وفوجئ به الناس يرفع كفيه إلى السماء ويطلب الله:
-يا الله، إنهم يشكون من أحكامي وأنت وحدك يا الله تعلم أنني عادل.
وفجأة سمع الناس صوتا قادما من باطن الأرض يتردد:
-أنت عادل ورحيم في كل أحكامك، وفي كل العقوبات التي أنزلتها بأتباعك وأمرت أن تُنفذ فيهم.
غطى المستمعون المنبهرون وجوههم وهم تحت تأثير الرعب، وبالكاد يمكن إقناعهم بالبحث عن مصدر الصوت، خوفا مما قد يرونه إن هم بحثوا عنه.
عندما انقطع مصدر الصوت، اندفعوا بقوة لتقبيل يد الريسوني وأطراف ثوبه ونعاله التي رماها أمام العتبة. وقال لهم الشريف:
-أغلقوا الحفرة، إنها من الآن أصبحت مقدسة، ولن يكون باستطاعتكم استعمالها فرنا بعد الآن.
وهكذا مات العبد هناك اختناقا دون أن ينطق بكلمة. لأنه كان ينفذ إرادة الله وإرادة الشريف.
نافذة: بعد أن ذهب الشريف أخبرني بدر الدين أن الرميكي الذي يوجد الآن في الريف منح خمسين ألف دورو لباشا أصيلة مقابل عقد الصلح بينه وبين الريسوني





