حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرأيالرئيسيةسياسية

العقارشية


نعيمة لحروري

يبدو أن هناك قاعدة غير مكتوبة في السياسة المغربية: عندما يقترب النقاش من العقار، يجب إبعاده بسرعة. وعندما تبدأ الأسئلة حول الأرض والملكيات والمصالح، ينبغي فتح ملف آخر أكثر قدرة على إثارة الغضب الشعبي. وهكذا، وبين ليلة وضحاها، انتقلنا من الحديث عن العقار إلى الحديث عن الخرفان.

لذلك، ربما آن الأوان لإضافة مصطلح جديد إلى قاموسنا السياسي: «العقارشية».

العقارشية ليست حزبا، وليست قطاعا اقتصاديا، وليست مهنة منظمة. إنها ذلك التزاوج الغريب بين السياسة والأرض، بين المسؤولية العمومية والمصلحة العقارية، بين الخطاب السياسي والمتر المربع. وهي ليست ظاهرة جديدة، لكنها أصبحت أكثر وضوحا كلما اقتربت الاستحقاقات الانتخابية، وكلما اشتد الصراع حول المواقع والنفوذ.

يعلم المغاربة جميعا أن الأرض لا تشبه أي سلعة أخرى. الأرض سلطة. والأرض نفوذ. والأرض ثروة صامتة. من يملكها لا يملك مجرد عقار، بل يملك المستقبل، ويملك إمكانية الربح الدائم، ويملك أحيانا القدرة على التأثير في القرار وفي المجال وفي السياسة نفسها.

ولذلك، ليس غريبا أن تتحول بعض الأسماء السياسية، كلما ذُكر العقار، إلى موضوع للنقاش العمومي. وليس غريبا أيضا أن يصبح الحديث عن الأراضي والملكيات والصفقات والتعمير موضوعا مزعجا لبعض الوجوه، التي لا تجد أي حرج في الحديث عن كل شيء إلا الأرض.

هناك سياسيون يتحدثون كثيرا عن الفقراء، لكن أسماءهم تحضر دائما كلما حضر العقار. وهناك من يقدم نفسه باعتباره ضميرا سياسيا أو أخلاقيا، لكنه يصبح شديد الحساسية عندما يتعلق الأمر بالمتر المربع. وهناك من يرفع لواء الشفافية، لكنه يفضل دائما أن تبقى الخرائط مطوية، وأن تبقى الأسئلة مؤجلة.

والغريب أن الرأي العام كان خلال الأسابيع الماضية منشغلا بأسئلة مرتبطة بالعقار، قبل أن يجد نفسه فجأة أمام معركة جديدة حول «الفراقشية»، وهي معركة أكثر قدرة على إثارة الغضب الشعبي. وهكذا أصبحت الأغنام أكثر خطرا من الأرض، وأكثر أهمية من العقار، وأكثر إلحاحا من الأسئلة التي كانت مطروحة.

إذن في السياسة لا توجد صدف كثيرة.

عندما يشتد الضوء على العقار، يبحث البعض عن موضوع آخر. وعندما تقترب الأسئلة من الأرض، يصبح من الضروري نقل النقاش إلى مكان آخر. فلا أحد يحب أن يُسأل عن الهكتارات، ولا عن الامتيازات، ولا عن علاقات السياسة بالعقار، ولا عن تلك المنطقة الرمادية التي يلتقي فيها القرار العمومي بالمصلحة الخاصة.

والواقع أن العقارشية أخطر بكثير من أي ظاهرة أخرى، لأن العقار لا يستهلك ولا ينتهي. الخروف يباع مرة واحدة، أما الأرض فتنتج الثروة جيلا بعد جيل. الدعم قد يتوقف، والأسواق قد تتقلب، لكن الأرض تبقى، وترتفع قيمتها، وتمنح أصحابها مزيدا من النفوذ.

ولذلك، فإن الحديث عن الشفافية لا يمكن أن يكون انتقائيا. فمن يطالب بمحاسبة الآخرين، عليه أن يقبل بدوره الخضوع للأسئلة. ومن يريد فتح ملفات الناس، يجب أن يفتح ملفاته أولا. أما أن تتحول بعض القضايا إلى فضائح وطنية، بينما تُطوى قضايا أخرى بسرعة، فهذا لا يخدم الحقيقة ولا يخدم الثقة في العمل السياسي.

لهذا، فإن «العقارشية» ليست مجرد كلمة ساخرة، بل توصيف لحالة سياسية تستحق النقاش. لأن الديمقراطية لا تقتصر على محاسبة الخصوم، بل تبدأ بمحاسبة الذات. والشفافية لا تكون موسمية، ولا تُفصل على مقاس الصراعات الانتخابية.

وقد يختلف المغاربة حول أشياء كثيرة، لكنهم يدركون جيدا أن الثروة الحقيقية لا ترعى في المراعي، ولا تعد بالرؤوس، بل تقاس أحيانا بالهكتارات، وبقيمة الأرض، وبحجم المصالح التي تدور حولها.

ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح اليوم ليس فقط: من هم الفراقشية؟ بل أيضا: من هم العقارشية؟ لأن السياسة التي تخاف من الأرض أكثر مما تخاف من الحقيقة، هي سياسة تعرف جيدا أين توجد الأسئلة الحقيقية.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى