العلمانية الفرنسية.. من تحييد رجال الدين إلى كراهية المسلمين
كتاب «العلمانية.. ماذا تغير؟» لفانسون جونان

يثير النقاش حول العلمانية الفرنسية جدلاً دائما خلافا لدول كثيرة تقر صراحة بتبني هذا النظام السياسي والأخلاقي والاجتماعي، أو دول أخرى كثيرة تتبناه عمليا دون الإعلان عن ذلك دستوريا، حيث يعتبرها البعض تجسيداً للحرية الدينية، بينما يراها البعض الآخر وسيلة لتقييد الحريات الدينية وخاصة الإسلامية، فأكثر من أي وقت مضى، تُعدّ العلمانية محور النقاش العام. وسواءً تعلق الأمر بنطاقها أو أشكالها، أو تاريخها أو غايتها، فإن هذا المفهوم قد يكون مثيرًا للجدل. وحرصًا على النأي بالنفس عن هذه الضجة، يهدف المؤتمر إلى استكشاف العلمانية كموضوع للتأمل، لا كموضوع جدلي دائم، وهذه هي غاية كتاب «العلمانية.. ماذا تغير؟» للمؤرخ الفرنسي فانسون جونان.
فهو يقترح استكشاف العلمانية كموضوع للتأمل لا كموضوع جدلي أبدي. وبانفصالها عن مبادئها الأساسية واستغلالها بكثافة، تُنتج العلمانية «كليشيهات» تُروّج لها على أنها حقائق من قِبل شريحة واسعة من الرأي العام، مُحوّلةً مبدأً قانونيا إلى دين مدني. وببقائها سجينة الحاضر، تُصبح خرافة من خرافات عصرنا. وغالبًا ما تُغفل المجالات السياسية والإعلامية (وأحيانًا الفكرية) عن التأملات التي تُجرى في العلوم الاجتماعية حول هذا الموضوع.
يستند هذا الكتاب إلى أرشيفات غير منشورة، وهو رحلةٌ في العلمانية يخوضها الباحثون فيها، بعيدًا عن أي خطابٍ نضالي، في فرنسا التي تُسيطر عليها رغبةٌ في ثورةٍ محافظة.
العلمانية الفرنسية.. من تحييد الأديان إلى كراهية الإيمان
في بداية القرن العشرين، اختلف المحامي أريستيد بريان ورئيس الوزراء إميل كومبس حول الفصل بين الدولة والدين. دافع الأول عن حياد الدولة البسيط تجاه الدين، بينما دعا الثاني إلى ضبط الأديان ورغب في تطهير الفضاء العام من جميع المعتقدات الظاهرة. تبنى قانون عام 1905 رؤية بريان. بعد مئة وعشرين عامًا، لا يزال الأمر محل جدل، ويبدو أن خط كومبس ينهض من رماد. يرى المؤرخ البلجيكي فينسنت جينين أن هذا يُمثل خطرًا.
لذلك بدأ الكتاب من سنة 1905، إبان صدور قانون معروف بهذا التاريخ، والذي نصّ على فصل الكنيسة عن الدولة. ويوضح المؤرخ: «تلته ثلاثة قوانين أخرى لتسهيل الأمر على الكنيسة الكاثوليكية، التي لم تكن تطيق، سيما في الغرب، فكرة جرد ممتلكاتها». ويتذكر أن النائب أريستيد بريان، المسؤول عن تطبيق القانون، كان، على الرغم من إلحاده، متسامحًا جدًا مع الكنيسة. ويؤكد: «كان مؤيدًا للحرية الدينية وحرية الضمير. لم يقمع الأديان. أليس هذا موقفًا جمهوريًا؟».
ويضيف المؤرخ أنه بينما نتحدث عادةً عن العلمانية، هناك عدة أنظمة. ويؤكد: «من الناحية القانونية، هناك سبعة أنظمة للعلمانية داخل الجمهورية الفرنسية». بالإضافة إلى هذا القانون، الذي ينظم العلاقات بين الدولة والطوائف الدينية، هناك اتفاقية في الألزاس وموزيل. هناك، تُموّل الطوائف الدينية من أموال عامة من الطوائف الدينية. وهناك أيضًا قوانين «فيري» المتعلقة بعلمنة المدارس الحكومية، والتي سُنّت عام 1882. ويتابع المؤرخ: «تُعدّ أقاليم ما وراء البحار أيضًا مختبرًا مثيرًا للاهتمام. ففي غيانا الفرنسية، على سبيل المثال، يوجد نظام آخر لتنظيم الطوائف الدينية».
ومع ذلك، وبعد أكثر من قرن، لا يزال مبدأ العلمانية محورًا للنقاش. يقول فينسنت جينين: «منذ ما يُسمى بقضية الحجاب عام 1979، حيث طُردت ثلاث طالبات من مدرسة إعدادية في كريل، واز، لرفضهن خلع الحجاب، أصبحت العلمانية قيمةً مُهمة. وقد ساهم في هذا التحول محامون وكتاب مقالات وفلاسفة، ممن يستمع إليهم السياسيون على نطاق واسع ويستمعون إليهم».
تحولت إلى دين رسمي
مع ذلك، يرى هذا المتخصص أن هؤلاء الأشخاص لديهم خبرة محدودة للغاية في مسائل العلمانية. إن التحول من المبدأ إلى القيمة يُشبه التعصب الديني. «كما حدث عندما اعتقد جان ميشيل بلانكر، وزير التعليم الوطني آنذاك، أن الملابس العلمانية إلزامية في المدارس العامة. كما نُظمت حملة تواصلية عام 2021 بعنوان «هذه هي العلمانية» وعرضت أطفالًا في مواقف مختلفة. ولكن ماذا يعني ذلك؟». ويضيف: «أُشارك بول ريكور رؤيته». ويضيف المؤرخ أن قانون عام 2004، الذي يحظر الرموز البارزة في المدارس العامة، كان حدثًا محوريًا آخر. وحسب قوله، فقد ساهم في تقديس المدارس، وجعلها ملاذًا آمنًا. وأوضح فينسنت جونان: «لكن الأطفال يتحدثون مع بعضهم البعض، ويواجهون بعضهم البعض، وأحيانًا يتشاجرون في المدرسة أيضًا… أشارك رؤية بول ريكور، الذي دعا إلى علمانية المواجهة. من غير المسؤول إلى حد ما اعتبار المدرسة شرنقة. المواجهة ليست عدوانية؛ بل تتيح لك شحذ ذكائك ضد الآخرين، كما قال مونتين». لدرجة أنه يعتقد اليوم أن العلمانية أصبحت «دينًا مدنيًا. إن تصور العلمانية كحريات قائمة ضمن حدود النظام العام هو للأسف رأي أقلية اليوم. لقد أصبح هذا الرأي أكثر صراحةً، مع ميلٍ للأخبار. نتحدث عن العلمانية عندما يتعلق الأمر بمقاصف المدارس، والحجاب والمشاجرة… ولأنه يُساء فهمها، فإن القانون يُعامل معاملة الطوطم»، يتابع.
تمثّل العلمانية في فرنسا مبدأ أساسيا وقيمة من قيم الجمهورية. يؤكد ذلك نص المادة الثانية من الدستور التي حدّدت هوية فرنسا بوصفها «جمهورية غير قابلة للتجزئة وعلمانية وديمقراطية واجتماعية»، ويمكن الاستنتاج، من خلال التأكيد المتكرر في الدستور وفي القانون وحتى في الخطاب الرسمي، أن العلمانية هي القيمة الرابعة التي يضيفها الفرنسيون ضمنيا إلى القيم الثلاث لجمهوريتهم: الحرية، المساواة والأخوة.
فرغم مرور أزيد من قرن على صدور قانون 1905 الذي أقرّ مبدأ الفصل بين الكنيسة والدولة في فرنسا، فإن العلمانية التي رسمها هذا القانون ما زالت محل جدل ونقاش بين الفرنسيين عبر مستويات عدّة، سواء على مستوى التنظير الفلسفي للفكرة العلمانية من خلال التشكيك في سلامتها ومعقولية مبرراتها، أو حتى على مستوى التطبيق القانوني للمبدأ العلماني الذي أصبح مبدأ منافسا للحريات الدينية بدل أن يكون ضامنا لها كما يزعم أنصار العلمانية الفرنسية.
تظهر العلاقة بين العلمانية والحرية الدينية كأحد أكثر الإشكالات التي تُعرض في حقل القانون في فرنسا. ويتعلّق هذا الإشكال بما إذا كانت العلمانية كمبدأ دستوري تتكامل مع الحريات الدينية أم أنها تتعارض معها. ولذلك من المفيد استعراض خلفيات ومظاهر التوتر بين العلمانية والحريات الدينية من حيث التأسيس الدستوري والتنظيم القانوني، ومن حيث المحاولات الفاشلة إلى الآن من قبل القضاء الإداري في التوفيق بين المبدأين.
لدرجة أن المجتمع اليوم يتوقع الكثير من العلمانية. «يجب أن نكون قادرين على التمييز بين ما هو علماني وما ليس علمانيًا. لقد رأينا ذلك في اغتيال صموئيل باتي المأساوي. كانت المشكلة تتعلق بحرية التعبير، وليس العلمانية. هذا الخلط يؤدي إلى الخلط بين العلمانية والإسلام والهجرة…». ويُشير المؤرخ إلى أن العلمانية تُعتبر قيمة جمهورية فقط في فرنسا. إنها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بمشاكلها لدرجة أنه يُتوقع منها أن تكون حلاً سحريًا. وهكذا دافع اليسار واليمين المعتدل في البداية عن مبدأ العلمانية، لكن اليمين المتطرف استحوذ عليه تدريجيًا. بدايةً، ظهر تقرير فرانسوا باروان حول العلمانية الجديدة في أوائل الألفية الثانية، ثم قانون عام 2004. أدى فصل القانون عن السياسة إلى الأيديولوجيات.
يقول جونان: «عندما نتحدث عن السلوك العلماني، أرى أنه انتهاك لمبدأ العلمانية ذاته. نريد إعادة دمج الجسد في عقيدة جديدة، باسم قيم جمهورية تُخفي القومية أو العنصرية المعادية للمسلمين بشكل سيئ للغاية. هذا المبدأ، الذي شوّهته التحولات السياسية والدلالية، يستحق دق ناقوس الخطر. دون إثارة الهلع، لكن بحزم، يختتم المؤرخ.
الإساءة للإسلام تحديدا باسم العلمانية
في مقابل ازدهار العلمانية في فرنسا، لم تحظ الحريات الدينية بالاهتمام نفسه على مستوى الدستور والتشريع، وحتى إعلان الحقوق والمواطن سنة 1789 الذي يعدّ المصدر التاريخي لمنظومة الحقوق والحريات في فرنسا، والتتويج القانوني لانتصار الحرية على الملكية المستبدة، تجاهل النص صراحة على الحرية الدينية وعلى حرية المعتقد. وربما يمكن تفسير هذا الموقف المتحفظ منذ البداية تجاه الحريات الدينية بأنه كان يُنظر إلى الدين والكنيسة بوصفهما عدوي الثورة الفرنسية اللذين تحالفا مع الملك ومنحا الشرعية لسلطته المطلقة. مع ذلك، فإن الإعلان نصّ على ضمان ألا يُضار أحد بسبب آرائه، بما فيها معتقداته الدينية طالما أن تجلياتها لا تمس بالنظام العام كما يحدّده القانون. وهكذا، فإن كلّ المنظومة الدستورية والقانونية في فرنسا وضعت المبدأ العلماني الذي أصبح يشغل كل مفهوم النظام العام في مواجهة الحرية الدينية وليس كمرادف لها، فالنظام العام، الذي تتكرر الإحالة إليه في كل نص على الحقوق والحريات، ليس شيئا آخر في الحقيقة سوى العلمانية.
ولا تتعلّق أزمة العلمانية الفرنسية في بُعدها القانوني فقط في اختلال علاقتها مع الحريات الدّينية، بل كذلك في مقاربتها لحرية التعبير وتجاوزاتها تجاه الأديان والمعتقدات التي يُفترض أن لأتباعها الضمانة الدستورية لحماية معتقداتهم من أي ازدراء أو إهانة، خصوصا أن النظام القانوني الفرنسي يعترف بحق انتقاد الأديان بوصفه عنصرا من الحق العام في الرأي والتعبير.
وكانت قضية نشر مجلة فرنسية رسوما كاريكاتيرية مسيئة للنبي محمد صلّى الله عليه وسلّم سنة 2006 إحدى أهم القضايا التي عُرضت فيها إشكالية العلاقة بين حرية التعبير والحرية الدّينية بحدّة في فرنسا، وأقامت منظمات إسلامية وقتها دعوى لمتابعة جزائية ضد المجلة؛ مدعية أن هذه الرسوم تشكّل جريمة إهانة جماعية للمسلمين، في حين تمسكت المجلة بحقوق الرأي والتعبير والحقّ في انتقاد الأديان.
وذهب القاضي، في خلاصته بهذه القضيّة، إلى أن فرنسا مجتمع علماني تعددي يحترم الحرية الدينية جنبا إلى جنب مع احترام حرية انتقاد الأديان من أي نوع، وانتهى إلى الحكم بأنه لا مجال للمتابعة الجزائية في هذه القضية، مؤسّسا حكمه بأنه على الرغم من «الطبيعة الصادمة وحتى الجارحة لهذه الرسوم»، فإنها، في ظل الظروف والسّياق الذي نُشرت فيه، لا تتضمن أيّة نية إساءة متعمدة بشكل مباشر وغير مبرّر للمسلمين، وأنها ساهمت في «نقاش عمومي ذي فائدة عامة في موضوع تجاوزات «المسلمين الذين يرتكبون أعمالا إجرامية».
إذن يمكن استنتاج أنه، على الرغم من أن الفرنسيين يعرضون العلمانية على طريقتهم بوصفها مرادفا للحرية الدينية، فإنها تقف على الطرف النقيض من الحرية. ومن الناحية القانونية، تعبّر العلمانية عن مبدأ سلطوي في مقابل الحريات الفردية والجماعية. إنها تتعلّق بمبدأ تنظيم المجتمع وتوحيده حول قيمة إيديولوجية تجد تجسيدها القانوني في مفهوم النظام العام «العلماني» الذي يشكل إطارا يحدد مساحة ممارسة الحرية، ولا يمكن أن يكون بالتالي مرادفا ولا ضامنا لها.
إن هذا التحليل القانوني يعكس في الحقيقة تحليلا فلسفيا شائعا للعلمانية باعتبارها «دينا مدنيا» أو «معتقدا» تؤمن به الدولة وتسعى إلى فرضه على الأفراد في مجالها العمومي الذي يُفترض أنه مجال مفتوح للكل وغير مستثنى من ممارسة الحقوق والحريات، أو على الأقل أنه مجال محايد، وقد يكون للدولة الحق في تنظيم هذه الممارسة لضمان ممارسة حقوق أخرى أو لضمان النظام العام المادي، ولكن ليس لاستهداف عقائد الأفراد عبر فرض قيم العلمانية المنافسة.





