العلوي: صُدمت لأن قيادة التضامن الافريقي- الآسيوي تنكّرت لقضية المهدي بن بركة

يونس جنوحي
بعد الرحلة إلى دمشق، سنة 1966، للتعريف بملف اختفاء المهدي، اتجه مولاي المهدي العلوي إلى بيروت، التي وجدها، حسب ما ذكره في مذكراته، غارقة في الصراع الطائفي والشجارات العقائدية. وكان اللقاء ببعض الشخصيات اللبنانية من عالم السياسة والصحافة، لإثارة موضوع اختفاء المهدي بن بركة وضرورة الكشف عن مصيره.
لم يكن موضوع «الجثة» أثير نهائيا، وقتها، رغم هواجس احتمال وفاة بن بركة على يد الخاطفين.. إلا أن أصدقاء المهدي ومعارفه ورفاقه ثم عائلته، كان يحذوهم الأمل في أن المهدي لم يُقتل.
عاد مولاي المهدي العلوي إلى باريس لاستئناف العمل على قضية الاختفاء.
يقول:
«بعد عودتي من الجولة التي قمت بها في الشرق الأوسط لأجل تنظيم المساندة في قضية المهدي بن بركة، عدت بالطبع إلى باريس وتفرغت في الحقيقة للعمل من أجل الترويج لرسالة الحزب من الخارج مع إخوة آخرين وعلى رأسهم الأخ عبد الرحمن اليوسفي.
استأنفت العمل في باريس. ومن الأشياء التي قمت بها السفر إلى روما بدعوة من الحزب الاشتراكي الإيطالي. وقد فوجئت لدى وصولي إلى روما بأن اللجنة التي استقبلتني كانت مكونة من ثلاثة أحزاب: الحزب الشيوعي، الحزب الاشتراكي والحزب الاشتراكي الديمقراطي، فنظمت لي ندوة صحفية حول قضية المهدي وحول الوضع في المغرب. وبعدها التقيت مع صحافيين وسياسيين لهم علاقة بالمهدي بن بركة. وفي الحقيقة، فإن هذه المبادرة اتخذها أحد أفراد الحزب الاشتراكي الإيطالي، وهو من أصدقاء المهدي، وكان يعزه كثيرا.
وهذا ما جعل الحزب الشيوعي، في مؤتمره الذي سيعقد بعد شهور، يدعوني إلى حضور هذا المؤتمر. وهو أمر فاجأني حين طلبوا مني أخذ الكلمة في الجلسة العامة للمؤتمر، فكان استقبالهم لي عجيبا بحفاوته ولطفه. وهذا ما جعلني، في مستقبل الأيام، أمثل حزبي في كل مؤتمرات هذا الحزب. وهو – بالمناسبة – حزب متفرد: حزب شيوعي منفتح بجماهيره الواسعة، كان سباقا إلى إبداء آراء جديدة حول الشيوعية والطرح الاشتراكي الحقيقي.
بعد ذلك سافرت إلى لندن بدعوة من أحد أصدقائي كان أستاذا بجامعة الرباط، والذي حضر محاكمة الاتحاد الوطني سنة 1963 وهو عضو في منظمة العفو الدولية، حيث عقدت لنا ندوة صحفية في مجلس النواب بمعية الأخ عبد القادر بن بركة. وهذا ما جعلني أيضا أواظب على حضور المؤتمرات السنوية لحزب العمال البريطاني واستمرت هذه العلاقات إلى يومنا هذا.
بعد عودتنا، قمت بزيارة مرة أخرى إلى القاهرة لحضور اجتماع اللجنة المسيرة لمنظمة التضامن الإفريقي – الآسيوي. وقد صدمت – وهذه حقيقة أقولها لأول مرة – عندما وجدت أن القيادة المسؤولة عن هذه المنظمة ورئيسها أحد قادة الضباط الأحرار والأديب المعروف يوسف السباعي.
لم تدرج قصة المهدي في هذا الجمع، وكانت صدمتي كبيرة، رغم حضوري السنوي لاجتماعات هذه الهيئة».
من بين الأحداث المهمة التي عاشها مولاي المهدي العلوي في فرنسا، بعد اختفاء المهدي بن بركة وانشغاله الكلي بالقضية، واقعة أحداث ماي 1968.. أو ما عُرف في الصحافة الفرنسية بـ«ثورة الشباب».. هذه الاحتجاجات التي غيرت ملامح الساحة السياسة الفرنسية، ومكانة الجمهورية في الداخل والخارج، خصوصا وأنها انتهت باستقالة «الجنرال دوغول» من رئاسة الجمهورية تحت ضغط غضب الشارع الفرنسي.
أدلى مولاي المهدي العلوي بقراءة خاصة في الموضوع، سيما وأنه كان قريبا من المثقفين الفرنسيين وقادة الاشتراكية الفرنسية، وقياديي الشباب.
يقول: «بعد ثمانية أسابيع من الاضطرابات العنيفة والفوضى، راحت فرنسا تلتقط أنفاسها، وعاد الجنرال دوغول إلى البلاد، بعد أن هرب لعدة أيام. وفي أثناء ذلك، تحمَّل المسؤولية رئيس وزرائه، جورج بومبيدو، بكل قوة ورباطة جأش. وانتهت ثورة ماي 1968 كما تنتهي كل الثورات، وخلّفت وراءها الخيبة والحسرة، لأنها لم تستطع أن تسقط النظام الحاكم اليميني، حسب رأيها، ولكنها استطاعت أن توصل الجمهورية الخامسة وزعيمها إلى حافة الهاوية.
حيّرت ثورة ماي 1968 كل المراقبين، ففرنسا كانت بلدا ديمقراطيا، والنقابات العمالية كانت حرة في العمل وتنظيم المظاهرات الاحتجاجية في الشوارع، والمعارضة اليسارية كانت تهاجم سياسة الحكومة كما تشاء وتشتهي في البرلمان، ولكن قوى اليسار لم تكن تفكر إطلاقا في اتباع طريق أخرى غير طريق نقمتها وغضبها على الحكم.
فلماذا، إذن، اندلعت مظاهرات الشغب والتخريب والفوضى الخارجة عن القانون؟ لماذا انتقل هيجان الطلاب إلى بيركلي وإلى طوكيو، وإلى روما وإلى مدريد؟ ولماذا لم يتحول إلى ثورة عارمة على النظام إلا في فرنسا؟ ما يزال المؤرخون حتى الآن يتساءلون عن سر ثورة ماي 1968 في فرنسا».





