حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةملف التاريخ

العملية «المنسية» لنزول الأمريكيين بشواطئ المغرب خلال الحرب العالمية

«إن رئيس حكومة الولايات المتحدة قد طلب مني، بصفتي القائد الحاكم للقوات التجريدية الأمريكية، أن أبلغ شعوب إفريقية الفرنساوية الشمالية الرسالة الآتية:

لا ترتبط أي أمة مع الشعب الفرنساوي وأصدقائه بروابط التاريخ والمحبة الصميمة، أوثق منها بالولايات المتحدة الأمريكية.

إن ما يسعى إليه الأمريكيون ليست سلامتهم في المستقبل فقط، بل أيضا أن يردوا إلى كل من عاش تحت علم «التريكلور» مثلهم العليا وحرياتهم وديموقراطيتهم.

إننا نجيء بينكم لننقذكم من قاهرين مقصودهم إبادة حقوقكم المحكومة الذاتية، وحقوقكم الدينية وحقوقكم لحياة مطمئنة تعيشونها لأنفسكم، إبادة مطلقة أبدية.

نجيء بينكم ليس لنضر بكم، بل لكي نهلك أعداءكم فقط.

نجيء بينكم ونحن نؤكد لكم أننا سننسحب فورا، بعد ما أزيل عنكم ما يهددكم من ألمانيا وإيطاليا.

إني أدعو إلى إحساسكم بالحقائق إلى مصالحكم وإلى مثلكم العليا.

لا تعترضوا لهذا القصد السامي».

بهذه العبارات، على ركاكتها بسبب رداءة الترجمة إلى العربية، خاطب الأمريكيون المغاربة فور بداية عملية الإنزال العسكرية، التي وصفت بأنها الأضخم في التاريخ العسكري عالميا. ماذا حدث إذن يوم 8 نونبر 1942؟

آسفي المحمدية ونواحي القنيطرة.. هنا نزل الأمريكيون قبل 80 عاما

عملية «طورش» أو «الشعلة» الأمريكية، التي وصفت بأنها الأضخم في التاريخ العسكري العالمي، احتضنتها شواطئ كل من آسفي والمحمدية، (كانت معروفة باسم فضالة سابقا)، والقنيطرة (بدورها كانت معروفة بميناء ليوطي). لكن أشهر عملية إنزال كانت تلك التي احتضنتها شواطئ الدار البيضاء، حيث حج الآلاف لرؤية وصول القوات الأمريكية، خصوصا أن السلطات الفرنسية أخلت أمامها المجال لدخول الأراضي المغربية، بعد انتشار أخبار وإشاعات كثيرة عن احتمال نشوب مواجهات بين الجيشين. لكن المغاربة رأوا يومها بأعينهم كيف أن الفرنسيين لن يستطيعوا بالتأكيد، الصمود أمام المعدات الثقيلة التي أنزلها الأمريكيون يومها، بل وأثنوا على البنية الجسدية للجنود الأمريكيين، وكانوا يرون فيهم القوة القادمة من وراء المحيط، لكي تنتقم لهم من فرنسا وجيشها وتفقدهم السيطرة على المغرب.

فقد انتشرت وقتها إشاعات أخرى مفادها أن الأمريكيين سوف يساعدون المغرب على الاستقلال التام عن فرنسا فور انتهاء الحرب، وهي المعلومة التي تضاربت بشأنها الأقاويل، سيما في صفوف المثقفين المغاربة وأعضاء الحركة الوطنية.

بالعودة إلى الإنزال التاريخي للقوات الأمريكية، فإن آسفي شهدت إنزالا لم يُسلط عليه الضوء، رغم أنه كان ضخما جدا مقارنة مع حجم المدينة وعدد سكانها، حيث نزل الجنود الأمريكيون على بُعد كيلومترات فقط من المدينة، وكانت وحدات الجيش الفرنسي قد أخلت المجال أمامهم لكي يتقدموا، وفق الخطة التي وضعها الجنرال «أيزنهاور».

عرفت المدينة الصغيرة والهادئة استنفارا كبيرا جراء عملية الإنزال، ولم تشهد آسفي في تاريخها حدثا مماثلا. فقد رست على شاطئها سفن أمريكية، وبدأ الجنود في فتح بوابات السفن لإنزال وحدات الجيش والآليات الثقيلة التي سيتم استعمالها في الحرب العالمية الثانية، التي كانت أمريكا تدخلها بكثير من الحماس للرد على الضربة التي تلقتها في «بيرل هاربور»، لتكون بداية الرد الأمريكي على الهجوم الياباني، انطلاقا من الشواطئ المغربية للتحرك منها إلى بؤر الحرب في أوروبا وآسيا.

108 دبابات نزلت في سواحل آسفي، بعدما كانت مخزنة في بواخر عملاقة. كان المنظر غريبا على سكان آسفي وهم يتابعون نزول هذا العدد من الدبابات من السفن، بالإضافة إلى طائرات تكلفت بتغطية عملية الإنزال في كل من الدار البيضاء والمهدية وآسفي والمحمدية، التي كانت وقتها تسمى «فضالة». كان الحديث، حسب بعض المصادر الأمريكية، عن أزيد من 172 طائرة مقاتلة حُشدت جوا لتأمين عملية الإنزال. مئات الجنود نزلوا في آسفي، وبدؤوا يتحركون إلى الأمام مبتعدين عن الشاطئ، وفي طريقهم كانوا يصادفون سكان آسفي ونواحيها، وكان الجميع ينظر إليهم باستغراب، لاختلاف سحناتهم عن ملامح الفرنسيين الذين أصبح وجودهم في المغرب اعتياديا. حتى أن أحد الجنود الأمريكيين كتب في مذكراته يقول: «كانت لدي مئات الأسئلة تتضارب في رأسي عن المكان الذي سننزل فيه، لم يحدث أن ابتعدت عن البلاد بكل هذه المسافة وراء البحر. في يوم الوصول، كانت تبدو لنا المنازل الصغيرة للبسطاء من سكان المكان الذي خُطط لننزل فيه. هناك قوات أخرى تنزل الآن في الدار البيضاء، قال لنا رؤساؤنا إن الوحدات العسكرية ستتفرق كلها على الأرض، ليتم شحن المعدات والجنود مجددا إلى أماكن المواجهات. بدا لي أن الناس هنا مسالمون.

كانوا يلوحون للمدرعات بإعجاب كبير، بينما كان الأطفال يجرون ويتقافزون مشيرين بأصابعهم إلى السماء، لرؤية الطائرات العسكرية التي كانت تؤمن لنا عملية النزول».

ورد هذا المقطع في واحدة من الشهادات التي سجلها موقع أمريكي متخصص، عن بقايا ذكريات الحرب العالمية الثانية والأمريكيين الذين شاركوا فيها، ولا شك أنهم حملوا معهم جميعا ذكريات عن المغرب، خصوصا وأن العملية تحولت لاحقا إلى بداية للوجود العسكري الأمريكي في المغرب عن طريق القواعد الأمريكية، التي بقيت قائمة حتى بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى.

لحظات منسية من عملية «طورش»

«الحمد لله وحده. أنتم يا أبناء المغرب، ها قد أتى هذا اليوم العظيم لنا ولكم جميعا. نحن الأمريكيون نحب الحرية، جئنا إلى هنا لنخوض الجهاد الأكبر من أجل الحرية. لقد جئنا لنحرركم وعبرنا المحيطات لنصل إليكم. فلترحبوا جميعا بإخوانكم، ولترحب نساؤكم برجالنا بالزغاريد. نحن لا نشبه أولئك الذين عهدتموهم، والذين يدوسون عليكم بأقدامهم. اعتبرونا جنودا إخوة لكم.

إنهم جنود أبرار مستعدون لإتمام واجبهم، ساعدونا لأننا قدمنا لمساعدتكم».

هذه من بين المنشورات التي خاطب من خلالها الأمريكيون مغاربة المدن، التي تمت فيها عملية الإنزال الشهيرة يوم 8 نونبر 1942، والتي استمرت لأزيد من أسبوع لتشمل الجزائر وتونس أيضا. لكن المغرب يعتبر بؤرة العملية العسكرية الأضخم في التاريخ، حيث نزل أزيد من 30 ألف أمريكي دفعة واحدة في الشواطئ المغربية، وتوزعوا حسب الفرق والاختصاصات، وتولوا عملية إنزال المعدات الثقيلة، والتي كانت وقتها متطورة للغاية مقارنة مع تجهيزات أي جيش آخر في العالم.

كانت هذه العملية التي سُميت «الشُّعلة» الأكبر في التاريخ العسكري وقتها، وما زالت إلى اليوم واحدة من أكبر عمليات الإنزال العسكري في التاريخ، بحكم عدد الجنود الذين تم إنزالهم والمسافة المقطوعة.

هذه العملية نتج عنها تأسيس واحدة من أكبر القواعد العسكرية في إفريقيا والعالم، يتعلق الأمر بالقاعدة العسكرية في القنيطرة.

هذه الأخيرة، تُؤرخ للعلاقات المغربية الأمريكية في المجال العسكري، خصوصا وأن سنة واحدة بعد الانزال، أي في 1943، عُقد مؤتمر الدار البيضاء الذي حددت فيه معالم الحرب العالمية الثانية ومستقبل العالم بعدها، وكانت أنظار العالم كلها موجهة إلى الدار البيضاء، حيث جلس السلطان محمد بن يوسف على الأريكة نفسها إلى جانب قادة العالم الكبار، على رأسهم الرئيس الأمريكي، ورئيس الوزراء البريطاني تشرشل.

حضور المغرب بقوة في تلك المحطة التاريخية الأهم في القرن العشرين، كان تزكية إضافية لاختيار منطقة «بور ليوطي»، لكي تحتضن مقر القاعدة الأمريكية. وبعد هذا التاريخ صار المغرب وجهة لكبار الخبراء العسكريين الأمريكيين، للإشراف على المناورات الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية وخلال الحرب الباردة.

وتمكن عسكريون مغاربة، خلال ستينيات القرن الماضي، من احتكار صدارة التدريب العسكري في أمريكا، متفوقين على جيوش الدول العربية وحتى الغربية، التي كانت تشارك في إطار التحالف مع القوات الأمريكية.

القاعدة العسكرية في القنيطرة كانت ثمرة الإنزال العسكري في المغرب في نونبر 1942، ولا يزال موضوع عملية «الشعلة» الأمريكية، موضوعا مثيرا للدراسة. وهو ما يؤكده حضور متخصصة أمريكية، وهي الدكتورة ميريديث هيندلي، لإلقاء محاضرات بخصوص العملية وتاريخها وخصوصيتها العسكرية والوثائق المتعلقة بها، بالتزامن مع الذكرى الثمانين لعملية الإنزال العسكرية الأشهر في التاريخ.

ورغم شهرتها وسط المهتمين والدارسين، إلا أن الأجيال اللاحقة لا تعرف حيثيات هذه العملية وأهميتها واحتضان المغرب لها. فقد انتقلت تفاصيل كثيرة، رغم أنها مثيرة جدا وتستحق أن يسلط عليها الضوء وتصبح موضوعا للإبداع الفني والتوثيق التاريخي أيضا، إلى خانة الظل، وبدأت تموت مع رحيل أسماء كثيرة من القادة العسكريين الأمريكيين الذين شاركوا في العملية. إذ في سنة 2001، كان قد توفي أغلب المشاركين في الصفوف الأولى، ولم يتبق من شهود العملية إلا نفر قليل من المتقاعدين العسكريين. واليوم، رحل أغلب الذين قضوا فترة تجنيد في المغرب في خمسينيات القرن الماضي، إلى أن تقرر في إطار عملية «جلاء القوات الأمريكية»، التي أشرف عليها الملك الراحل الحسن الثاني وهو لا يزال وليا للعهد سنة 1959، بالتزامن مع حكومة عبد الله إبراهيم، لكي يُسدل الستار على واحدة من أهم وأقوى المحطات التاريخية بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية.

 

يونس جنوحي

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى