
أول ما ينبغي على الروائي الطموح فعله هو القراءة بكثافة. أعلم أن هذه ملاحظة مكررة، لكن لا وجود لتدريب أهم منها. لكي تكتب رواية، عليك أولا أن تفهم، من الناحية الحسية، كيف تبنى الرواية من الداخل. ومن المهم إلى حد كبير أن تلتهم أكبر عدد ممكن من الروايات وأنت في سن مبكرة. اقرأ كل ما يقع بين يديك من روائع أدبية، وأعمال عادية بل وحتى روايات رديئة. لا يهم مستوى الجودة طالما أنك تواصل القراءة. اشبع نفسك بالقصص قدر ما تستطيع. تعرف إلى الكتابة العظيمة والمتواضعة أيضا. فهذه هي مهمتك الأهم.
اختيار وترجمة: سارة حامد حواس
اجعل الكلمات القديمة جديدة مرة أخرى
ثيلونيوس مونك هو أحد عازفي البيانو المفضلين لدي على الإطلاق. سأله أحدهم مرة كيف يستطيع أن يستخرج من البيانو ذلك الصوت الفريد، فأشار مونك إلى لوحة المفاتيح وقال: «لا توجد هناك نغمة جديدة. فكل النغمات موجودة أمامك أصلا. لكن إن عزفت نغمة وأنت تعنيها بحق، ستبدو مختلفة. فعليك أن تختار النغمات التي تعنيها فعلا».
أستعيد هذه الكلمات كثيرا حين أكتب، وأقول لنفسي: «صحيح، لا توجد كلمات جديدة. ولكن مهمتنا أن نمنح الكلمات العادية تماما معاني جديدة ونبرات خاصة». هذه الفكرة تبعث في نفسي الطمأنينة، لأن ذلك يعني أن أمامنا مساحات شاسعة لم تكتشف بعد، وأراضي خصبة تنتظر من يحرثها.
اشرح نفسك بوضوح
حين أكتب، تتشكل في ذهني صور، وأربط مشهدا بآخر، فتتكون الحبكة، ثم أشرح هذه الحبكة للقارئ بعد ذلك. وحين تشرح شيئا ما، يجب أن تكون لطيفا. أن تفكر بهذه الطريقة «لا بأس، أنا أعرف ذلك» نوع من الغرور. استخدم كلمات بسيطة واستعارات جيدة وتشبيهات بليغة. وهذا ما أفعله، أشرح بدقة ووضوح.
شارك أحلامك
الحلم هو العمل اليومي للروائيين، لكن مشاركتنا لأحلامنا هي المهمة الأكثر أهمية. فلا يمكن أن نكون روائيين من دون أن نتقاسم شيئا مع الآخرين.
اكتب لتكتشف
أنا نفسي، حين أكتب، لا أعرف من الفاعل. فالقارئ وأنا نقف على الأرضية نفسها. عندما أبدأ كتابة رواية، لا أعرف نهايتها إطلاقا، ولا أعرف ما الذي سيحدث بعد ذلك. وإن ظهرت جريمة قتل في أول السطر، فأنا لا أعرف من القاتل. أنا أكتب الكتاب لأنني أريد أن أكتشف ذلك. فإذا كنت أعرف القاتل مسبقا، فلا معنى لكتابة الرواية من الأساس.
ادخر ما ستضعه في روايتك
أتذكر ذلك المشهد في فيلم ستيفن سبيلبرج «إي تي» حين كان يصنع إي تي جهاز إرسال من أنواع مختلفة من الخردة التي أخرجها من الجراج الخاص به، مظلة، ومصباح أرضي، وقدور ومقالي، وجهاز تشغيل أسطوانات. لقد مر وقت طويل منذ شاهدت الفيلم، لذا لا أتذكر كل شيء، لكنه نجح في جمع تلك الأدوات المنزلية معا بطريقة تجعل تلك الآلة قادرة على التواصل مع كوكبه البعيد على بعد آلاف السنين الضوئية. أحببت ذلك المشهد كثيرا حين رأيته في صالة السينما، وأدرك الآن أن صنع رواية جيدة يشبه الأمر نفسه إلى حد بعيد. فالعبرة ليست في جودة المواد، بل في السحر. وإن وجد هذا السحر، تستطيع أبسط تفاصيل الحياة اليومية وأكثر الكلمات عادية أن تتحول إلى جهاز بالغ التعقيد.
لكن قبل كل شيء، يتعلق الأمر بما تخبئه في الجراج الخاص بك. فلا يمكن للسحر أن يعمل إذا كان الجراج فارغا. لذا عليك أن تكدس الكثير من الخردة لتستخدمها حين يطرق إي تي بابك.
ركز على شيء واحد في كل مرة
إذا سئلت عن ثاني أهم صفة يجب أن تتوفر لدى الروائي، فالإجابة سهلة أيضا، «التركيز»، أي القدرة على حشد ما لديك من مواهب محدودة في خدمة ما هو جوهري في اللحظة الراهنة. ومن دون هذه القدرة لن تنجز شيئا ذا قيمة، بينما إذا استطعت أن تركز جيدا فستتمكن من التعويض عن موهبة متقلبة أو حتى عن نقص فيها. وحتى الروائي الموهوب، المليء بالأفكار الجديدة العظيمة، قد يعجز عن كتابة أي شيء إذا كان، على سبيل المثال، يعاني ألما شديدا بسبب ضرس يؤلمه.
عندما أبدأ في كتابة رواية جديدة، أستيقظ في الرابعة صباحا وأعمل من خمس إلى ست ساعات، وفي فترة بعد الظهر، أركض لمسافة عشرة كيلومترات أو أسبح لمسافة ألف وخمسمائة متر (أو أفعل كليهما)، ثم أقرأ قليلا وأستمع إلى بعض الموسيقى، وأذهب إلى الفراش في التاسعة مساء.
ألتزم بهذا الروتين يوميا من دون أي تغيير، حتى يصبح التكرار نفسه هو الشيء المهم.
إنه شكل من أشكال التنويم المغناطيسي، أنوم نفسي مغناطيسيا لأصل إلى حالة ذهنية أعمق، ولكن الالتزام بمثل هذا التكرار لفترة طويلة يتطلب قدرا كبيرا من القوة العقلية والجسدية؛ لذا فإن كتابة رواية طويلة تشبه تدريبا على البقاء على قيد الحياة؛ فالقوة البدنية ضرورية كما الحساسية الفنية.





