حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةتقاريرحوار

الفلسفة مدرسة حقيقية للحرية 4

هناك من يميل إلى القول إن للفلسفة دورًا لا جدال فيه لسببين اثنين: الأول يتمثل في أن التراث الفلسفي العالمي يزخر بأدوات فكرية، لا حصر لها، من شأنها أن تسعفنا في فهم التحولات الجارية أمامنا. ولا يتعلق الأمر بمطالبة الفلاسفة، في الماضي والحاضر، بتقديم أجوبة جاهزة، بقدر ما يتعين الرجوع إلى ذلك الخزان الهائل من الأفكار والمفاهيم الذي تقدمه الأنساق والمذاهب الفلسفية. فهي تقترح علينا عناصر وأدوات لإعادة صياغة القضايا الراهنة بطرق جديدة ومواجهتها نقديا.

تمثل الفلسفة، من هذا المنظور، مدرسة حقيقية للحرية وحقلاً لتنشيط العقل وشحذ الحس النقدي. وعلى الرغم من النعوت التي وجهت لهذا المجال من التفكير، والتي كثيرًا ما تختزل في التجريد والغموض والمثالية، فإن الفلسفة ارتبطت، منذ نشأتها النسقية مع أفلاطون، بالمؤسسة التعليمية؛ أي أن الآخر، في أبعاده البيداغوجية، وهذا هو السبب الثاني للدور الذي تقوم به الفلسفة، ظل هاجسًا دائمًا بالنسبة إلى التراث الفلسفي. فالحديث عن مذاهب ونظريات واتجاهات ومدارس كثيرًا ما كان يحيل، وما يزال، على إطار مؤسسي يوفر بعض شروط إنتاج وإعادة إنتاج الفكر الفلسفي. للفلسفة نزعاتها المضادة لما هو مؤسسي، بحيث تنتفض في مواجهة كل تأطير يحصر نشاطها وحريتها في السؤال والنقد. ولكونها كذلك، فإن مرونة التأطير المؤسسي كثيرًا ما نجحت في استيعاب أبعادها النقدية وميلها الدائم نحو السؤال وإعادة النظر.

ولذلك لا يمكن للفلسفة أن تنهض من دون أن تكون «نقدًا» une critique، كما يقول دولوز. غير أن المرء يجد نفسه أمام نهجين في النقد؛ إما أن ننقد «التطبيقات الخاطئة»، بما فيها نقد الأخلاق المزيفة، والمعارف الباطلة والأديان «الكاذبة». وهو التصور الذي بنى عليه كانط عمله النقدي؛ وإما أن ننتبه إلى عائلة أخرى من الفلاسفة الذين اختاروا خلخلة ما يراه الآخرون «حقًّا» أو «حقيقيًا»، وانخرطوا في معمعة تفكيك الأخلاق «الحقة»، والإيمان «الحق» والمعرفة المثالية قصد بلورة صورة جديدة للفكر، لأننا ما دمنا نكتفي بنقد ما يبدو «باطلا» فإننا لا نلحق ضررًا بأحد (فالنقد الحق هو نقد الأشكال وعدم الاكتفاء بالمضامين). هذه العائلة من الفلاسفة يمثلها لوكريس Lucrèce سبينوزا، نيتشه، ويعتبر، جيل دولوز، أن هذه السلالة استثنائية في الفلسفة.

وإذا كان من اللازم التفريق بين الفلسفة وفعل التفلسف، وهو ما سبق لكانط أن نبَّه إليه، فإنني أعتبر أن التفلسف ينهض على أربع خطوات متكاملة ومتفاعلة: أولاها الصياغة المتسائلة للقضايا والمشكلات، ثانيا استعمال أو إنتاج مفاهيم، علما أن عملية الإنتاج ليست متاحة لأي كان وتفترض نفسا فلسفيا عميقا وامتدادا في الزمن؛ ثالثا اعتماد تفكير برهاني يسنِد السؤال أو الفكرة بما يلزم من الحجية؛ ثم رابعا مراعاة حد معقول من التنظيم الفكري والنسقية.

وما نبحث عنه في الفلسفة هو صورة جديدة لفعل التفكير ولنمط اشتغاله، فنحن كثيرًا ما نعيش على صورة ما للفكر. قد نملك، قبل التفكير، فكرة غامضة عما يعنيه فعل التفكير، أو ما يمكن أن يحمله من وسائل وأهداف. ويمثل المفهوم في الفلسفة، كما يشير دولوز، ما يمثله الصوت بالنسبة إلى الموسيقى، واللون عند الرسام. يبدع الفيلسوف المفاهيم، يموضعها داخل «مسار مفهومي» كما يضع الموسيقي لحنه داخل «مسار موسيقي».. لكن قد يقال لنا ما معنى أن نفكر أو نتفلسف اليوم؟ الجواب الكلاسيكي -الذي يستلهم ديكارت- يبدو شبه بديهي. أن نتفلسف معناه أن نفكر اعتمادًا على ذواتنا دون أن يعني ذلك الاستغناء عن، أو إلغاء فكر الآخرين. ولذلك ليس التفلسف مجرد ادعاء أو مغامرة، بل هو عمل وجهد لا يحصل من دون قراءات وأدوات، بل ومن معاناة. لذلك لا يمكن أن نتعلم الفلسفة، كما قال كانط، وإنما ما يمكن تعلمه هو التفلسف؛ بالبدء بالتساؤل عما اكتسبناه من فكر، ومواجهة هذا النمط من التساؤل مع المجتمع والعالم، والكشف عما تقدمه لنا التجربة أو ما تتركنا جاهلين له.

وفي كل الأحوال، وبمقدار ما يتعين استحضار أن أهمية الفكر الفلسفي تتجلى، بالأساس، في نقد المُسْبَقات، والأوهام والإيديولوجيات؛ بمقدار ما يجب النظر إليه بوصفه اجتهادا يتسلح بالعقل، له أعداء، حسب آندري كونت سبونفيل، يتمثلون في تعبيرات البلاهة والتعصب والانغلاق، كما أن لهذا الاجتهاد حلفاء يجدهم في مختلف العلوم الإنسانية والاجتماعية وفي العلوم الدقيقة، كما في مجالات الإبداع الفني والأدبي والثقافي.

 

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى