
بقلم: خالص جلبي
هناك شيء أولي وهو (السنة) وهذه تمثل استقرار الحقيقة الموضوعية في الوجود الخارجي للذهن، وانتقال هذه الحقيقة إلى الذهن وترسخها فيه هو (العلم) والرسوخ يتفاوت بدرجات ]والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب[، ثم تأتي مرحلة التعبير أو النطق ]علمه البيان[ إنه البيان عن هذه الحقيقة، ولكن البيان يختلف مردوده بين الصحة والخطأ على قدر صواب أو خطأ استواء الحقيقة في الذهن، وأخيرا حبس هذا المعنى وتقييده في رسم معين وهذه هي (الكتابة)، والكتابة هي الذاكرة الجديدة للبشرية والتي تنمو إلى ما لا حد له، وبواسطة الكتابة استطاع الإنسان أن يضيف إلى ذاكرته ذاكرة الآخرين، بل ذاكرة البشرية المتراكمة ببطء عبر القرون وهنا بدأ التاريخ، ومنها بدأت خبرات البشر بالتراكم والاستفادة منها ونقلها من جيل إلى جيل.
(الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم).
معنى الحرف
عندما تكونت الكتابة تشكلت ذاكرة جديدة للبشرية، وحصلت طفرة هائلة للبشرية، لأن المعلومات البشرية بدأت بالتراكم والتكديس والتفاعل، وبدأت بذور نهضة الحضارات، حيث إن الكتابة بدأت بصياغة البشرية صياغة جديدة، هذه المرحلة من اكتشاف الكتابة تعتبر أخطر تطور في تاريخ البشرية، لأن اكتشاف الحرف كان معناه تحويل النطق إلى كتابة تعبر عما تريد وتنقله إلى الأجيال القادمة، وهذا معنى كبير أشار إليه القرآن بالتركيز على الحرف في كثير من فواتح السور ]آلم[، أو في الإشارة إليه عند خلق آدم ]وعلم آدم الأسماء كلها[ القدرة على التعبير بالكتابة، واكتشاف اللغة لا يقل في أهميته عن مرحلة تحول الإنسان من فترة ما قبل الاجتماعية إلى الفترة الاجتماعية، أو هو بتعبير أدق: إن اكتشاف الكتابة رافق دخول الإنسان الحضارة، إن الإنسان لم يدخل التاريخ لولا الكتابة ـ على الأقل التاريخ المقروء[1] ـ لذا كان من الأهمية أن يفتتح القرآن بالحرف ما يزيد على عشر سور، وهو يؤكد على الحرف.
ويبرز معنى آخر وهو البدء بالدورات الحضارية في التاريخ، لأن العديد من المجتمعات مر على تراب هذه الأرض، ولكنها كانت مجتمعات بدائية، قدرها المؤرخ توينبي في حدود 600 مجتمع، ولكن لم يكتب إلا لعدد قليل من المجتمعات أن ترفع (حضارة) وهي في حدود 21 مجتمعا، ما زال منها على قيد الحياة خمسة فقط، منها المجتمع الإسلامي الحالي [رأي توينبي الحضاري].
كان البدء بالدورات الحضارية مقترنا بالكتابة والقراءة أو معرفة الحرف، ولم يتسن للبشر أن يتقدموا بسرعة إلا بعد تطوير الحرف، خاصة بعد انتشار الطباعة والتصوير، وهنا يجدر أن نلفت الانتباه إلى ظاهرة وهي بروز الرسالات بشكل متواتر في هذه المرحلة من نهضة الحضارات، وليس معنى هذا انعدام النبوات في الفترات السابقة ]وإن من أمة إلا خلا فيها نذير[، ولكن اقتران الحضارات بانبعاث الرسالات، يجعلنا نشارك الأستاذ مالك في رأيه القائل بأن النبوات كانت العامل الكيفي المركب والباعث للحضارة، وإن كان هذا الأمر يحتاج إلى تفصيل خاص نرجو أن نوفق في تناوله في بحث خاص، خاصة عندما حاول البعض إثارة فكرة تعارض هذا الرأي مع الكتاب الإسلاميين الآخرين.
أخطر مراحل العلم
رأينا في ما سبق أن مستويات الوجود الواعي هي السنة كوجود موضوعي، ومردودها الصحيح في الذهن هو العلم، والتعبير عنه هو البيان، وتقييد المعنى برسم معين هو الكتابة، ولكن يا ترى ما هي أخطر المراحل التي يضل فيها البشر ومنها تنبع المشاكل؟ طالما كانت سنة الله في خلقه لا تتبدل وهي واحدة ]ولن تجد لسنة الله تبديلا، ولن تجد لسنة الله تحويلا[ التبديل بتغييرها أصلا، والتحويل بحرفها عن مجراها.
إن أخطر المراحل هي في تكوين الصورة الذهنية كمرحلة تالية للحقيقة الموضوعية، إن مردود الحقيقة الموضوعية الخارجية في الذهن له ثلاث حالات:
أ = 0 (مساو للصفر)
ب أصغر من 1 (أصغر من الواحد)
ج = 1 (مساو للواحد)
(أصغر من الواحد) = 1 (مساو للواحد)
أما مساوي الصفر فهو الخطأ المطلق، وأما مساوي الواحد فهو الصحة المطلقة، وأما الأقل من الواحد فهو الاقتراب من الصحة بمقدار ونسبة متفاوتة.
النظرية والممارسة مخطط النمو: أو قانون التوتر الحي:
والسؤال الآن ما الذي يصحح النظر؟ والجواب ]قل سيروا في الأرض فانظروا[ إنه الممارسة الواقعية، أو هو التوتر الحي بين منهج النظر والواقع كعلاقة تسخيرية (جدلية) مستمرة نامية.
إن هذا يحتاج إلى جهد في العمل واجتهاد في الفكر، يتم بحركة توتر حي بين النظرية والواقع، بين المنهج والممارسة، بين الدراسة والتطبيق، مثل الطبيب في هذا مثل واضح، فهو يتكون كطبيب يعيش مع قوانين الحياة، من أجل تصحيح الخلل البيولوجي والنفسي يتم بعد دراسة منهج، وينضج هذا المنهج أثناء الممارسة، وعندما يكون الطبيب بين مرضاه وكتبه، وأحدث النظريات التي تجِدُ في العالم في تفسير المشاكل الطبية والتي هي بدورها، أي الأخيرة، خاضعة لنفس قانون (التوتر الحي) المذكور آنفا، عندما يعيش الطبيب في هذا الوسط ينمو نموا سويا، ولكنه إذا عاش مع كتبه فقط تحول إلى فيلسوف أو إنسان نظري وليس طبيبا، ولو وضع على رأسه يافطة طبيب كبيرة، كذلك الحال في الطرف المقابل إذا هجر الطبيب كتبه، وعاش في الممارسة اليومية فقط كما يفعل كثير من الأطباء حيث يتحولوا من مثقفين إلى حرفيين وحرفيين من النوع السيئ! لأن الإنسان يصبح بين أيديهم قطعة لحم تساوي أي قطعة معدنية تحتاج إلى إصلاح، إنه في هذه الحالة يتحول الطبيب إلى ممرض، ولو بقيت لافتته مضاءة ومزخرفة بإطار كبير، هذه قوانين الحياة تمشي بصرامة ولا تحابي أحدا..
(ليس بأمانيّكم ولا أمانيِّ أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به، ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا).
نافذة:
عندما تكونت الكتابة تشكلت ذاكرة جديدة للبشرية وحصلت طفرة هائلة للبشرية لأن المعلومات البشرية بدأت بالتراكم والتكديس والتفاعل





