
رسمت كرة القدم المغربية خلال السنوات الأخيرة مشهدا استثنائيا من النجاحات والتتويجات، لتؤكد أن المملكة أنها أصبحت أحد أهم مراكز القوة الكروية في إفريقيا والعالم العربي، ونافذة لصناعة المواهب الشابة التي تنافس على أعلى المستويات.
وفي هذا الصدد ترصد «الأخبار» أهم الإنجازات الوطنية خلال 20 سنة الماضية، واستراتيجية الخطة التي وضعها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، من خلال مشروع قوي ومتكامل يجني المغرب ثماره في الوقت الراهن.
إنجاز: سفيان أندجار
أبطال أمم إفريقيا للمحليين: بداية المجد 2018 و2020
شهد عام 2018 بداية جديدة لتاريخ الكرة المغربية، حين تُوّج المنتخب الوطني للمحليين بلقب كأس أمم إفريقيا. لم يكن مجرد فوز، بل كان رسالة واضحة للعالم: الدوري المحلي المغربي قادر على صناعة أبطال. الأداء المتميز، الانضباط التكتيكي، وروح الفريق العالية، جعلت المغاربة يعيشون فرحة فريدة في كل مدينة.
لم يتوقف الإنجاز عند هذا الحد، فقد كرر المنتخب نفسه التتويج ذاته في 2020، مؤكدا استمرارية التفوق المحلي، ومثبتا أن نتائج الكرة المغربية ليست صدفة، بل نتاج برامج إعداد واستراتيجيات واضحة.
المونديال المركز الرابع في قطر 2022
على الصعيد العالمي، خطف المغرب الأنظار في كأس العالم 2022 بقطر، حين حقق المركز الرابع التاريخي، ليصبح أول منتخب عربي وإفريقي يبلغ نصف النهائي. الجمهور المغربي، الذي ملأ المدرجات، كان شاهدا على مباريات مثيرة، حملت توقيع نجوم مثل حكيمي وبونو وأوناحي وغيرهم، في أداء تقني وتكتيكي استثنائي.
هذا الإنجاز لم يكن مجرد ترتيب في جدول البطولة، بل حدث تاريخي غير مفهوم سابقا للعالم العربي، ورفع سقف الطموح لكل اللاعبين الصاعدين في المغرب.
شباب الغد.. أبطال أمم إفريقيا تحت 23 سنة
استثمار المغرب في الأكاديميات والمواهب الشابة أثمر عن فوز المنتخب الوطني تحت 23 سنة بكأس أمم إفريقيا 2023. البطولة أظهرت قدرة المغرب على إعداد لاعبين قادرين على تحمل الضغوط، والتنافس على أعلى المستويات. المهارات الفردية والانضباط الجماعي كانا سلاح الفريق، بينما أصبح هذا الجيل الجديد رمزا للمستقبل المشرق لكرة القدم المغربية.
الميدالية البرونزية في الألعاب الأولمبية
تألق المغرب لم يقتصر على البطولات القارية، فقد أهدت كرة القدم المغربية الميدالية البرونزية في الألعاب الأولمبية بباريس، وهو إنجاز يعكس قوة التحضير البدني والفني. هذا النجاح رفع اسم المغرب عالميا، وأكد أن الجيل الحالي من اللاعبين قادر على المنافسة على أصعب المسابقات الدولية، لتكون الميدالية رمزا للفخر الوطني والتميز الرياضي.
الفئات العمرية.. تأكيد المستقبل تحت 17 سنة
في عام 2025، واصل المغرب مسلسل الإنجازات، حين توج المنتخب الوطني تحت 17 سنة بلقب كأس أمم إفريقيا، ما يعكس نجاح برامج الفئات العمرية، ويؤكد قدرة المغرب على إعداد جيل جديد من النجوم، الذي سيحمل شعلة الكرة المغربية في السنوات المقبلة، ويضمن استمرار التألق على الساحة القارية والدولية.
ملحمة لـ«الأشبال» في مونديال الشيلي
تألق شباب المغرب على المستوى العالمي بالتتويج بكأس العالم للشباب 2025 في الشيلي، ليكونوا سفراء كرة القدم المغربية في الخارج، ويثبتوا أن العمل في الأكاديميات المغربية لم يذهب سدى، وأن المستقبل واعد جدا.
هذا الإنجاز غير المسبوق جاء ليؤكد أن المواهب المغربية لا تنضب، وأنها قادرة على مقارعة أقوى المنتخبات العالمية، ولم يعد الأمر يقتصر على المشاركة، بل الهدف هو التتويج.
كأس العرب..إنجاز جديد بنكهة خاصة
لم يعد الإنجاز محصورا في إفريقيا فقط، فقد توج المنتخب المغربي بلقب كأس العرب 2025 في قطر، في بطولة شهدت إثارة وتشويقا كبيرين، وعكست قدرة المنتخب الوطني على مواجهة أقوى الفرق العربية.
وشهد «مونديال العرب» تألقا لافتا للكرة المغربية، بعدما فرضت سيطرتها على نظيرتها العربية، وحصد «الأسود» الأخضر واليابس، وأعادوا إلى الأذهان ذكريات مونديال قطر.
رؤية الملك محمد السادس.. القيادة المستنيرة وراء نجاح الكرة المغربية
لقد شكلت الكرة المغربية في السنوات الأخيرة نموذجا للنجاح الرياضي المستدام، وكانت الإنجازات الكبرى التي حققتها المنتخبات الوطنية نتاج رؤية ملكية مستنيرة يقودها الملك محمد السادس، الذي جعل من الرياضة، وخاصة كرة القدم، أداة للتنمية الوطنية وتعزيز الهوية المغربية على الساحة الدولية.
فمنذ توليه قيادة البلاد، أولى الملك محمد السادس اهتماما بالغا بالقطاع الرياضي، مؤمنا بأن تطوير كرة القدم ليس مجرد شغف شعبي، بل مشروع استراتيجي وطني. هذا الاهتمام تجلى في دعم الأكاديميات الرياضية، تحديث البنية التحتية للملاعب، وإرساء برامج تأهيلية متقدمة للمدربين واللاعبين، ما مهد الطريق أمام جيل جديد من النجوم المغاربة القادرين على المنافسة القارية والدولية.
لقد كانت رؤية الملك محمد السادس محورية في تحقيق الإنجازات الكبرى للكرة المغربية: فالتتويجات القارية للمنتخب الوطني للمحليين في 2018 و2020، والظهور التاريخي في كأس العالم 2022 بقطر، والتتويج بألقاب الشباب وكأس العرب 2025، لم تكن إلا نتيجة دعم متواصل ورؤية استراتيجية واضحة، تركز على الاستثمار في المواهب، الاحترافية، والانضباط.
كما لم يقتصر اهتمام الملك على الجانب الفني فقط، بل شمل الجانب التنظيمي والإداري، حيث دعم الإصلاحات في الهيئات الرياضية، وأكد على ضرورة التسيير النزيه والشفاف للاتحادات الوطنية، ما خلق بيئة صحية قادرة على إنتاج لاعبين قادرين على المنافسة والتميز.
إضافة إلى ذلك، حرص الملك على أن يكون نجاح كرة القدم المغربية رسالة دبلوماسية ورياضية، تعكس مكانة المغرب على الساحة الدولية، وتبرز صورة المملكة كداعم للتنمية الرياضية، ومركزا للتنظيم الاحترافي للبطولات الكبرى، سواء على المستوى القاري أو العالمي.
من خلال هذه الرؤية المستنيرة، أصبح المغرب نموذجا يُحتذى به في إفريقيا والعالم العربي، حيث إن الدعم الملكي لم يكن مجرد رعاية رمزية، بل إرادة حقيقية لتطوير كرة القدم على جميع المستويات: الشباب، الأكاديميات، المنتخبات الوطنية، والمنافسات الدولية الكبرى.
فرحة تعم المدن وجماهير تشعل قطر ولقجع ولفتيت في قلب الحدث
عرس مغربي بالدوحة
سفيان أندجار
لم تكن ليلة التتويج بكأس العرب عادية في المغرب، بل تحولت إلى عرس وطني امتد من طنجة إلى الكويرة، ومن أزقة المدن العتيقة إلى الساحات الكبرى والشوارع الرئيسية.
ومع صافرة النهاية في الدوحة، انفجرت الأفراح في كل ربوع المملكة، وكأن الهدف الأخير لم يسكن شباك المنافس فقط، بل استقر في قلوب ملايين المغاربة، الذين عاشوا لحظة تاريخية جديدة مع «أسود الأطلس».
في الرباط والدار البيضاء خرجت الجماهير تلقائيا إلى الشوارع، تلوح بالأعلام الوطنية وتردد الأهازيج، التي رافقت المنتخب الوطني طيلة البطولة. أصوات أبواق السيارات اختلطت بزغاريد النساء، فيما تحولت بعض الساحات إلى منصات احتفال مفتوحة، عكست عمق الارتباط بين الشعب ومنتخب بلاده.
المشهد ذاته تكرر في فاس، مراكش، أكادير، طنجة ووجدة، حيث عانق الفرح وجوه الصغار قبل الكبار، في لحظة جامعة تجاوزت كل الاختلافات.
في الأحياء الشعبية والراقية، كان القاسم المشترك متابعة المشجعين المباراة عبر شاشات المقاهي والتلفزيونات الصغيرة داخل المنازل، ومع كل تدخل أو فرصة كانت القلوب تخفق جماعيا. وعند إعلان التتويج لم تعد المسافات بين الجيران موجودة، فالكل خرج ليتشارك فرحة اللقب في صورة أعادت إلى الذاكرة ملحمة قطر 2022.
وعلى بعد آلاف الكيلومترات، وتحديدا في مدرجات ملعب النهائي بالدوحة، لعبت الجماهير المغربية دورا محوريا في صناعة هذا الإنجاز. فمنذ صافرة البداية، فرض «الجمهور رقم 12» حضوره بصوت واحد وأعلام غطت المدرجات، مُحَوِّلَةً الملعب إلى قطعة من المغرب. الأغاني الوطنية واللافتات الداعمة والحماس المتواصل كلها منحت اللاعبين دفعة معنوية واضحة، جعلتهم يقاتلون على كل كرة، وكأنهم يلعبون وسط جماهيرهم في الرباط أو الدار البيضاء.
ولم يكن الحضور المغربي في نهائي كأس العرب لكرة القدم مقتصرا على الجماهير فقط، بل شمل أيضا شخصيات رسمية بارزة، يتقدمها فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، الذي تابع المباراة من المدرجات، معبرا عن دعمه الكامل للمنتخب الوطني في واحدة من أهم محطاته القارية. حضور لقجع حمل دلالات قوية، باعتباره أحد أبرز مهندسي المشروع الكروي المغربي في السنوات الأخيرة، والذي بدأ يؤتي ثماره على مستوى النتائج والإنجازات.
بدوره سجل عبد الوافي لفتيت، وزير الداخلية، حضوره في نهائي الدوحة، في خطوة تعكس الأهمية التي توليها الدولة للرياضة عموما، وكرة القدم على وجه الخصوص، باعتبارها رافعة للوحدة الوطنية، وصورة للمغرب في المحافل الدولية.





