الكولونيل بلمجدوب يجبر المدرب على إشراكي أساسيا في تشكيلة المنتخب
أحمد فرس.. سيرة حياة

وأنا أواصل النبش في ذاكرتي في محاولة استحضار كل الأحداث وكل الوقائع التي تركت بصماتها في مسيرتي الكروية، أجدني منساقا نحو الحديث عن تلك الحقبة الجميلة التي عاش في ظلها فريق شباب المحمدية منذ نهاية الستينات، مرورا بفترة السبعينات.
قدم الفريق، في تلك الحقبة، أروع اللوحات وأبدع في رسم أجمل الصور. ويشهد الجمهور والصحافيون، الذين عايشوا تلك الفترة، كيف كان الجميع يستمتع بشكل كبير بتلك العروض التي كان يقدمها الشباب، الذي كان يحتل دائما صدارة الفرق الوطنية على مستوى الأداء، وكان دوما يوجد على رأس لائحة الفرق المسجلة لأعلى نسب من الأهداف.
وارتباطا بالحديث عن الأهداف والإصابات، تحضرني العديد من المقابلات التي خاضها فريق الشباب، ونجحنا خلالها في تسجيل أهداف كثيرة وبطرق رائعة فعلا. في هذا الإطار ترجع بي الذاكرة إلى لقاء كنا استضفنا فيه الاتحاد البيضاوي، برسم إحدى دورات بطولة 74-75. كان الفريق البيضاوي، في تلك الحقبة، من أقوى الفرق الوطنية، حيث كان يضم عناصر وازنة من قبيل اللاعبين: مازي، كريمو، نومير، الغزواني وآخرين.
عرف ذلك اللقاء تسجيل خمسة أهداف، أحدها للضيوف مقابل أربعة للشباب سجلت منها ثلاثة أهداف فيما أحرز عسيلة الهدف الرابع. لكن ما أتذكره جيدا من تلك المباراة هو ذلك الانسجام الكبير الذي ظهر في أداء لعبي مع زميلي وأخي حسن عسيلة. فقد استمع الجمهور، الذي عاين اللقاء، بفنية عالية قدمها الثنائي فرس – عسيلة طيلة شوطي المباراة.
قدمنا خلال المباراة إشارات واضحة عن قوة خط هجوم الشباب بالرغم من بعض الغيابات التي شهدها الفريق في ذلك اللقاء، والتي عوضها بشكل جيد لاعبون كانوا في عنفوان سنهم على غرار الشباب ميلود وموسى وبوشعيب وعبد المجيد شان، الذي أذكر أنه فعل ما شاء في مدافع فريق الطاس، اللاعب دفاع، الذي لم يجد من وسيلة لصد تسربات مجيد شان سوى أن وجه إليه لكمة قوية ومباشرة، سقط معها مجيد شان مغمى عليه بعض الدقائق قبل أن يستأنف اللعب.. وكان الحكم أشهر البطاقة الحمراء في وجه لاعب الطاس، ومنحنا ضربة جزاء وفقت في تحويلها إلى هدف كان هو الأخير في تلك المقابلة.
العرض الفني الممتع ذاته وقعنا عليه مرة أخرى بفضل انسجامنا أنا وحسن عسيلة، إذ كنا على موعد، بعد مباراة الطاس بأيام قليلة، مع لقاء أمام الفتح الرباطي.
في ذلك اللقاء، أمتعنا الجمهور بعروض فنية رائعة نجحنا خلالها في تسجيل ثلاثة أهداف دون مقابل. سجلت منها هدفين، فيما كان الهدف الثالث من نصيب حسن عسيلة.
ودائما مع مثل تلك العروض، أستحضر مقابلة واجهنا خلالها النادي القنيطري بملعب البشير، حيث تفوقنا عليه بأربعة أهداف لهدف واحد، الأهداف كانت كلها من تسجيلي وبمساعدة جميع زملائي في الفريق.
على هذا الخط، كان فريق شباب المحمدية متعودا على الخروج من كل نزالاته الكروية بتسجيله لعدد كبير من الأهداف، ما بوأه دائما احتلال المراكز الأولى في ترتيب أحسن خطوط هجوم الفرق الوطنية.
لم تكن وحدها اللقاءات الرسمية التي نبدع فيها ونقدم خلالها العروض الفرجوية الجميلة، فحتى في المباريات الودية أو الإعدادية، كان أداؤنا فيها يتسم دوما بالجدية والانضباط، والفنية والإمتاع.. سيما مباريات يوم الخميس التحضيرية والتي كنا نخوض فيها تمرينا يواجه خلاله الفريق الأول الفريق الثاني المكون من اللاعبين الاحتياطيين وبعض لاعبي فئة الشبان، فقد كانت له كذلك طقوسه الخاصة، بحيث كان يتحول إلى مباراة شبه رسمية يسعى خلالها جميع اللاعبين إلى إبراز كل طاقاتهم لأجل نيل رضى الطاقم التقني والإداري للفريق وكذا رضى الجمهور الذي يحرص على تتبع تلك اللقاءات بأعداد غفيرة وبحماس منقطع النظير.
عاش فريق الشباب، حقا، حقبة ذهبية في فترة السبعينات، وأحس اليوم بكل الفخر والاعتزاز والشرف كذلك، عندما أتذكر أن اسم أحمد فرس كان واحدا من بين تلك الأسماء لفرسان صنعت كل ذلك المجد، ويكفي أن الفريق الوطني، وفي كل مرة كان يبرمج فيها لقاء إعداديا للتحضير لإحدى مقابلاته الدولية أو القارية ولقياس مستوى لاعبيه، يختار فريق الشباب لمواجهته، علما من مسؤولي الجامعة أن فريق الشباب كان يحمل كل مواصفات المنتخبات الكبرى. في هذا الباب تحضرني مقابلة ودية كان يخوضها الفريق الوطني مع فريق شباب المحمدية بملعب البشير، حين فضل المدرب الوطني مارداريسكو الاحتفاظ بي وعسيلة في دكة الاحتياط ليجنبنا إحراج اللعب ضد الفريق الذي ننتمي إليه.. لكن وأثناء المقابلة، ظهر أن فريق الشباب كان هو الأفضل، بينما غابت كل الفعالية عن أداء الفريق الوطني. وبعد مرور حوالي نصف ساعة من اللعب، حل بالملعب الكولونيل بلمجذوب والتحق مباشرة بكرسي الاحتياط، ليلاحظ أننا كنا نجلس مع الاحتياطيين. وبعد أن اكتشف سبب عدم إشراكنا، ثار في وجه المدرب الوطني وأمره بإدخالنا مؤكدا شهادة في حقنا بقوله: «الفريق الوطني بدون فرس وعسيلة.. فريق بدون روح».
عشت حقيقة فترات زاهية وأنا أحمل قميص فريق الشباب، حققت الكثير من طموحاتي، ونلت معه العديد من الألقاب، منها لقب كأس المغرب العربي التي كانت تشهد مواجهات ساخنة، تقدم خلالها أندية المغرب العربي (تونس – الجزائر والمغرب)، عروضا بمستويات جد عالية، ولم يكن من السهولة أبدا التغلب على تلك الأندية المشاركة والظفر باللقب.
ورغم كل القوة التي كانت تميز أندية تونس والجزائر، نجحنا في فريق الشباب في أن ننتزع ذلك اللقب عن جدارة واستحقاق.
كان ذلك سنة 1973، عندما تخطينا بنجاح بعض المحطات الحاسمة لبلوغ مباراة نصف النهاية حيث واجهنا فريق مولودية الجزائر ونجحنا في هزمه بهدفين لهدف واحد، لنتأهل إلى مباراة النهاية حيث كانت تنتظرنا مواجهة النادي الإفريقي التونسي بنجومه الكبار، من قبيل الحارس العملاق عتوكَة والمدافع الصلب مراد، الزيتوني، كويني وآخرين.
دار اللقاء في ملعب الأب جيكو، ودخل فريق الشباب بالتشكيلة التالية: الرعد الطاهر – لقلش – ميلود – حدادي – حافا – محمد الرعد – حراث – طرافا – فرس – حدادي إدريس – عسيلة، وذلك تحت قيادة المدرب عبد القادر الخميري.
بدأ اللقاء صعبا كما كنا نتصوره، وبدا منذ الوهلة الأولى أن الفريق التونسي سيلجأ إلى الاعتماد على تحصين خطه الدفاعي مع فرض حراسة لصيقة على أبرز مهاجمينا. تأكد ذلك مع مرور أشواط المباراة، وفي مقابل ذلك قدمنا عرضا ممتازا أبدع خلاله جميع اللاعبين بدون استثناء. نظمنا العديد من الحملات الهجومية التي كانت تفشل بفعل التدخلات الناجحة للحارس الكبير عتوكَة إلى أن جاءت الدقيقة 78، حين أفلت من قبضة الحراسة اللصيقة التي كان يفرضها علي المدافع التونسي مراد، لأنسل بمفردي قريبا من مربع العمليات، ومررت الكرة لزميلي حدادي، الذي لم يتأخر بدوره في تمريرها إلى عسيلة وسط المربع، لتتم عرقلته فيعلن الحكم عن ضربة جزاء حولها عسيلة بنفسه إلى هدف.
وفي آخر أنفاس المباراة، سيعلن الحكم عن ضربة جزاء لصالح الفريق التونسي بعد أن لمست الكرة يد محمد الرعد داخل مربع العمليات، ضربة جزاء سيتصدى لها بنجاح أخوه وحارس فريق الشباب الكبير الطاهر الرعد، لينتهي اللقاء بفوزنا بهدف ما منحنا فرصة إحراز اللقب وانتزاع كأس المغرب العربي كأقوى فريق في بلدان المغرب العربي.
للإشارة كان فريق الشباب قريبا جدا من الظفر بالكأس نفسها سنة 1975، حيث كنا تجاوزنا العديد من الفرق القوية لنصل للمباراة النهاية، التي لم أشارك فيها للأسف بسبب الإصابة، وخسرها فريق الشباب أمام النجم الساحلي التونسي بعد لجوء الفريقين للضربات الترجيحية.





