حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةتقاريرفسحة الصيف

سؤال لا مفر منه

العالم القادم لن يكون بسيطًا

ولن يكون عادلًا بالضرورة،

لكنه سيكون كاشفًا إلى أقصى حد.

سيكشف من يملك القدرة على التعلم، ومن يملك القدرة على الصبر ومن يملك القدرة على بناء القوة دون أن يتحول إلى أسير لها.

لم تعد القوة ما كانت عليه،

لم تعد تُقاس فقط بالسلاح أو الأرض، بل أصبحت قدرة مركبة.

القوة الحديثة هي تفاعل بين:

  • المعرفة
  • التكنولوجيا
  • الاقتصاد
  • القرار السياسي

وأي خلل في أحد هذه العناصر يؤثر في البقية.

هناك فرق بين قوة تُنتج وقوة تستهلك.

القوة التي تُنتج تستمر، أما التي تستهلك فتبقى تابعة.

القوة لا تعني بالضرورة الاستقرار، فقد تزداد الدولة قوة… لكنها تصبح أكثر عرضة للصراعات.

والخلاصة أن القوة الحقيقية هي القدرة على التوازن، لا مجرد الامتلاك.

 

الفصل الثامن: السؤال الذي لا مفر منه

في النهاية لا تبقى الأرقام طويلًا

ولا تبقى الخرائط كما رُسمت،

ولا تبقى التحالفات كما أُعلنت.

كل ما نظنه ثابتًا في السياسة قابل للتبدل، وكل ما نتصوره نهائيًا في التاريخ ليس إلا لحظة عابرة في حركة زمن لا يرحم.

لكن شيئًا واحدًا يبقى حاضرًا، يتكرر في كل عصر، ويتخفّى خلف كل صراع، ويطلّ علينا كلما سقط نظام وقام آخر:

كيف تفهم الدول معنى القوة؟ وكيف تستخدمها؟

لقد اعتدنا طويلًا أن نسأل: من الأقوى؟

وكأن القوة رقم، أو ترسانة، أو مساحة نفوذ أو قدرة على الإخضاع.

لكن هذا السؤال، على أهميته، لم يعد كافيًا بل ربما صار مضللًا، لأنه ينظر إلى القوة من ظاهرها، لا من حقيقتها

فالقوة ليست خيرًا في ذاتها، كما أنها ليست شرًا في ذاتها.

إنها أداة تكشف أكثر مما تمنح، وتفضح النفوس أكثر مما تُخفيها.

قد تصنع الأمن وقد تصنع الرعب،

قد تحمي الإنسان وقد تسحقه،

وقد تكون وسيلة للبناء وقد تصبح إغراءً بالهدم.

ولهذا فإن السؤال الأهم لم يعد: من يملك القوة؟

بل: أي وعيٍ يوجّهها؟ وأي ضميرٍ يضبطها؟ وأي غايةٍ تُسخَّر لها؟

لقد علمنا التاريخ أن الأمم لا تسقط فقط حين تضعف، بل قد تسقط أيضًا حين تُسيء فهم قوتها.

فكم من إمبراطورية ظنت أن اتساعها خلود، فإذا به بداية عجزها.

وكم من دولة امتلكت السلاح، لكنها فقدت الحكمة، فتحول تفوقها إلى عبء، وانتصارها إلى استنزاف وهيبتها إلى خوف من المستقبل.

القوة حين تنفصل عن البصيرة، لا تصبح علامة نضج، بل علامة خطر.

من هنا يظهر السؤال الحقيقي الذي يواجه عالمنا اليوم:

أي نوع من القوة نريد؟

هل نريد قوة تزرع الطمأنينة أم قوة تُنتج القلق؟

هل نريد قوة تعرف حدودها، أم قوة تندفع حتى تتكسر على جدران غرورها؟

هل نريد قوة تُدار بالعقل، أم قوة يحركها الخوف، والانتقام وجنون التفوق؟

هل نريد عالمًا تتنافس فيه الدول على خدمة الإنسان أم على السيطرة عليه؟

هذا هو جوهر المسألة.

فليست المعضلة في وجود القوة، بل في فلسفتها.

وليست الكارثة في أن تملك الدول القدرة، بل في أن تفقد المعنى الذي من أجله امتلكتها.

العالم لن يتحدد فقط بمن يملك أسباب التفوق، بل بمن يفهم حدود التفوق.

ولن يبقى الأقوى بالضرورة، بل الأقدر على الاستمرار دون أن يسحق نفسه بيده.

لأن كل قوة لا تعرف حدّها، تحمل في داخلها بذرة تآكلها.

وكل سلطة تظن أن القهر ضمان للبقاء، إنما تؤجل لحظة السقوط ولا تمنعها.

وهنا نصل إلى قلب المأساة الإنسانية في السياسة:

أن كثيرًا من نظم الحكم وكثيرًا من النخب، التي تتصدر المجتمعات، تنسى الغاية الأولى من وجودها،

تنسى أن السلطة لم تُخلق ليُعبَد صاحبها، ولا ليُخاف منه ولا ليحتكر المصير، بل وُجدت أصلًا كي تُنظم الحياة، وتحمي الكرامة وتفتح المجال للإنسان كي يعيش آمنًا، حرًا وقادرًا على تحقيق إمكاناته.

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى