
لكي لا أنسى، والأمر هنا يتعلق، فعلا، بلقاءات ومقابلات لا يمكن أن تنسى.. كانت وأنا لاعب في صفوف الفريق الوطني الذي أحمل رفقته أجمل الذكريات وأروع صفحات مشواري الكروي، إذ في ظله حققت كل شيء؛ التألق.. الشهرة والنجومية.. محبة الجماهير.. والرضا المولوي الكريم الذي نلته على يد المرحوم الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه.
كانت أول مشاركة لي مع الفريق الوطني في موسم 1965-1966، حين تم استدعائي لمرافقة منتخب الأمل إلى الجزائر لإجراء لقاء ودي معه، لقاء سجلت فيه أول أهدافي وأنا أحمل القميص الوطني. بعدها بأسبوع أو أسبوعين على ما أذكر، لعبت أول مباراة دولية مع المنتخب الوطني للكبار في لقاء ودي جمعنا بالمنتخب السويسري بدياره، لقاء انتزعت خلاله رسميتي التي سأظل أحملها لمدة قاربت أربع عشرة سنة. شهدت مع الفريق الوطني العديد من المحطات الرائعة.
شاركت مع المنتخب في كثير من التظاهرات القارية والدولية: ألعاب البحر الأبيض المتوسط بتونس سنة 1967، وفي تركيا سنة 1972.. الألعاب العربية بسوريا، بطولة إفريقيا في الكاميرون سنة 1972.. وفي غانا سنة 1978 وفي إثيوبيا سنة 1976، وهي البطولة التي سيفوز المنتخب الوطني بلقبها، دون أن أنسى مشاركاتي مع الفريق الوطني في الألعاب الأولمبية بميونيخ بألمانيا عام 1972 وكأس العالم بالمكسيك عام 1970. سجلت 42 هدفا لصالح المنتخب الوطني في كل اللقاءات الرسمية التي شاركت فيها، وستة أهداف في الكؤوس الإفريقية، وسنة 1975 كنت وفقت في انتزاع الكرة الذهبية الإفريقية لأحسن لاعب في إفريقيا.. أعتز كثيرا بتلك الكرة الذهبية.. فقد انتزعتها في ظرف كان الوطن في نزاع إفريقي حول مغربية صحرائنا.
كان نيل الكرة الذهبية من أكبر الإنجازات التي خلدتها الذاكرة الرياضية الوطنية، إذ كانت أول كرة ذهبية إفريقية لمغربنا.
حين تعود بي الذاكرة إلى خطواتي الأولى نحو الالتحاق بصفوف المنتخب الوطني، ينبعث أمام عيني ذلك الشريط الطويل الرائع الذي حملت خلاله القميص الوطني باعتزاز وإخلاص، وأحس بذلك الشعور الوطني الجياش الذي كان ينتابني في كل مرة كنت أتسلم فيها دعوة الالتحاق بصفوف الفريق الوطني.
بكل صدق، كنت أعتبر الدفاع عن قميص المنتخب الوطني هدفا ساميا يكاد يوازي حجم دور جندي مكافح ومدافع عن وحدة وسيادة البلاد. في الواقع لم أكن وحدي من كان يتملكه ذلك الشعور، كنت واثقا من أن زملائي يكتنفهم الإحساس نفسه.
كنت مؤمنا بأن رفع راية الوطن عالية مرفرفة بالانتصار أسمى هدف يرسمه كل وطني غيور على بلده. أتذكر، في هذا الإطار، كيف كان بدني يقشعر وأجد نفسي وقد تملكني شعور غريب، تمتزج فيه السعادة والرهبة والاعتزاز في كل مرة كان يعزف خلالها النشيد الوطني قبل بداية اللقاءات القارية أو الدولية. أعتقد أن الحظ كان حليفي وبجانبي حين منحني تلك الفرصة الذهبية لحمل القميص الوطني.. لقد نلت حقا ذلك الشرف العظيم الذي يحمله عادة شرفاء الوطن.
مع الفريق الوطني تجاوزت عندي كرة القدم مدلولها الرياضي الصرف، وأضحت وسيلة نضالية منحتني لسنين عديدة، ومازالت، فرصة خدمة وطني في كل المحافل الرياضية الدولية والقارية، تختزل ذاكرتي عناوين متعددة لصور ستظل خالدة في صفحات مشاركتي في صفوف الفريق الوطني. وكما أسلفت الذكر في الفصول الأولى من هذا الكتاب، فأول إطلالة لي مع الفريق الوطني كانت حين تم استدعائي سنة 1965 للالتحاق بصفوف منتخب الأمل. كنت مازلت في بدايات مشواري الكروي ضمن فريق شباب المحمدية، وتحديدا أسابيع قليلة بعد التحاقي بفئة الكبار وأنا لم أتجاوز بعد سن فئة الشبان. انضممت لصفوف الفريق الوطني للأمل، بعد تردد مرده الخجل الذي كان ينتابني وقتها، بسبب تخوفي من عالم لن يحمل بكل تأكيد ملامح عالم فريق الشباب الذي كنت بدأت الاعتياد عليه. وكما شرحت ذلك في الصفحات السابقة، كان لحارس فريق الشباب، المرحوم الداي، دور كبير في تحفيزي وإقناعي بدخول التجربة الجديدة.
التحقت، إذن، بصفوف المنتخب، لكي أخضع رفقة لاعبيه الدوليين لبعض الأيام في معسكر مغلق بالدار البيضاء، لنسافر بعدها مباشرة نحو الجزائر التي خضنا فيها لقاء وديا أمام فريقها الوطني للأمل.. لقاء كان انتهى بهدفين في كل شبكة، أحد هدفي المنتخب الوطني كان من تسجيلي، وكان أول هدف أحرزه في مشواري ضمن صفوف المنتخب الوطني.
بعد رجوعنا من رحلة الجزائر، وبعد العرض الجيد الذي وفقني الله في إفرازه في ذلك اللقاء، تأكد لي أني كنت أسلك الطريق الصحيح الذي سيقودني نحو عالم التألق من بابه الواسع. لم أشعر أبدا بأي شكل من أشكال الغرور، بقدر ما امتلكتني ثقة كبيرة في النفس، خاصة أني كنت أحمل طموحا كبيرا واستعدادا هائلا نحو رسم طريق النجاح في مسيرتي الرياضية.
رجعت إلى بيت العائلة مزهوا وفرحا، أحمل صفة اللاعب الدولي، زملائي في فريق الشباب أحاطوني بالعناية، وبدأت أشعر بأن مهمتي أصبحت أكبر حجما من ذي قبل. واصلت على هذا الأساس جهدي ومثابرتي في التدريب والانضباط، ولم يمر أكثر من قرابة أسبوعين فقط على مرافقتي للفريق الوطني للأمل إلى الجزائر، حتى تم استدعائي مجددا للانضمام للفريق الوطني.. لكن هذه المرة لم تكن من أجل فريق الأمل، وإنما من أجل الانضمام لصفوف المنتخب الوطني للكبار.
في كل مرة أسترجع فيها ذكرياتي مع الفريق الوطني وأتذكر فيها أول مناداة علي للفريق الأول، أستحضر أيام الصبا والطفولة، وممارستي الكرة في الدرب وفي المدرسة كما أستحضر يوم كنا مجموعة من رفاق الطفولة.
في إحدى مباريات الفريق الوطني وكان ذلك في بداية الستينات، عاهدت أصدقائي ونفسي على أن أكون في يوم من الأيام لاعبا أساسيا وذا شأن في المنتخب الوطني الأول. مرت على ذلك سنون عديدة، وها قد جاء اليوم الذي كسبت فيه الرهان، أو على الأصح، البداية نحو تحقيق ذلك الرهان. كان الاختيار وقع على لاعبين اثنين من الفريق الوطني للأمل، اللاعب سعيد غاندي (جناح أيمن) وأحمد فرس (جناح أيسر). توصلت بدعوة للالتحاق بالفريق الوطني الأول عن طريق مسؤولي فريق الشباب، خصوصا المدرب ماسون الذي كان في الوقت نفسه مدربا للمنتخب الوطني. وعلى عكس المرة الأولى التي نودي علي فيها للفريق الوطني للأمل، وحالة التردد التي كانت انتابتني حينها، فالمناداة علي للفريق الوطني الأول لقيت عندي ترحابا كبيرا مغلفا بشعور بالفخر والاعتزاز.. رغم شعور التخوف الذي كان ينتصب أمامي والذي تولد عندي من إدراكي بأني كنت مقبلا على خوض تجربة مغايرة على أكثر من مستوى، خاصة مع معرفتي التامة بمحيط المنتخب الوطني الذي كان يتشكل، آنذاك، من لاعبين كنت أعتبرهم عمالقة في كرة القدم الوطنية.. ومن الصعب بالتالي أن ينجح شاب في مقتبل عمره، ومازال في بدايات مشواره الكروي، أن يضمن لنفسه مكانة بين أقوياء تلك الفترة.
يجب أن أعترف بأني وجدت صعوبات بالغة في الاندماج داخل تشكيلة الفريق الوطني، كنت صغير السن خجولا ومرتبكا بعض الشيء، ولحسن الحظ وجدت في الفريق الوطني لاعبا ينحدر من مدينة المحمدية وكانت تربطني به وبإخوانه صداقة حقيقية دامت لحدود اليوم، إنه لاعب الجيش الملكي السابق الجيلالي الفاضيلي كنت فعلا محظوظا بتواجد الفاضيلي في الفريق الوطني، فبالإضافة إلى مساعدته لي في سرعة انسجامي مع المجموعة الوطنية، كان في كل المباريات يساندني ويمدني بكل التمريرات.




