
في ظل استمرار التوتر بمنطقة الشرق الأوسط باعتبارها من المراكز الرئيسية لإنتاج النفط، وأخذ العالم رهينة من طرف إيران عبر إغلاق مضيق هرمز أمام جزء مهم من الحركة التجارية، يدخل الاقتصاد العالمي ومعه الاقتصاد الوطني طبعا مرحلة جديدة، تتجلى أبرز ملامحها في الارتفاع الصاروخي لأسعار المحروقات، وما يترتب عليه من انعكاسات مباشرة وغير مباشرة على أسعار المواد الأساسية وسلاسل التموين.
إن أي اضطراب في إمدادات النفط باعتباره عصب الحركة الاقتصادية، يؤدي مباشرة إلى ارتفاع الأسعار، ومع تجاوز سعر البرميل عتبة 115 دولارا، واحتمال بلوغه مستويات قياسية قد تصل إلى 150 دولارا، خلال الأيام القليلة المقبلة، تصبح كل القطاعات الاقتصادية بالمملكة عرضة للتأثر، بدءا من النقل والإنتاج، وصولا إلى التوزيع والاستهلاك.
ومن المعلوم أنه في المغرب يتضاعف أثر الأزمة، لكون المملكة تعتمد بشكل كبير على استيراد المنتجات البترولية المكررة، وليس النفط الخام، ما يجعلها أكثر حساسية لتقلبات السوق الدولية، وهنا تتجلى العلاقة المباشرة بين ارتفاع أسعار المحروقات وغلاء المعيشة، حيث ترتفع تكاليف النقل، فتنعكس على أسعار المواد الغذائية والخدمات بشتى أنواعها، ما يشكل ضغطا على القدرة الشرائية، خاصة لدى الفئات الهشة والفقيرة.
إن ارتفاع أسعار الطاقة لا يقتصر أثره على المستهلك فقط، بل يمتد إلى النسيج الإنتاجي، حيث يؤدي إلى زيادة كلفة الإنتاج، وبالتالي تراجع تنافسية المقاولات، خاصة الصغرى والمتوسطة، ومع تراجع الطلب بفعل الغلاء، يدخل الاقتصاد في مرحلة الانكماش التي تتسبب في ارتفاع معدلات البطالة وتفاقم الأوضاع الاجتماعية.
وإذا كان لكل داء دواء، فإن لكل أزمة حلولا، وبالتالي فإن الأمر استدعى تدخلا حازما من مجلس المنافسة لضبط السوق وحماية المستهلك، فضلا عن ضرورة استمرار مواكبة الحكومة للأزمة وفق اليقظة اللازمة، وتدخلها من خلال إجراءات استثنائية وإمكانية تخفيض الضرائب مؤقتا، ووضع مقاربة شمولية للحفاظ على استقرار الأسعار وارتباطها المباشر بالحفاظ على السلم الاجتماعي.
إن أزمات الحروب مهما بدت للبعض بعيدة جغرافيا، إلا أن تأثيرها يبقى عميقا على الحياة اليومية للمواطنين، لذلك فإن التعامل معها لا يجب أن يكون ظرفيا فقط، بل ينبغي أن يشكل الأمر منطلقا لإعادة التفكير في تعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على الصمود أمام الصدمات الخارجية، والبحث في تعزيز الاحتياط الاستراتيجي من الطاقة، وحماية الاستقرار الاجتماعي في ظل تقلبات اقتصادية عالمية مجنونة لا تكاد تستقر على حال.





