
النعمان اليعلاوي
وجهت المحكمة الدستورية ضربة قوية لمشروع القانون رقم 16.22 المتعلق بتنظيم مهنة العدول، بعدما أقرت بعدم مطابقة عدد من مقتضياته للدستور، معتبرة أن بعضها يشوبه قصور تشريعي وغموض في الصياغة من شأنه المساس بالأمن القانوني وحقوق المرتفقين، فيما أكدت مطابقة مواد أخرى للدستور شريطة التقيد بتأويلات وضوابط محددة.
وجاء قرار المحكمة الدستورية على إثر إحالة تقدم بها 93 عضوا بمجلس النواب، طالبوا من خلالها بمراقبة دستورية عدد من مقتضيات القانون الجديد الذي يندرج ضمن ورش تحديث مهن العدالة وتطوير منظومة التوثيق العدلي بالمغرب.
وقضت المحكمة بعدم دستورية المادة الثامنة المتعلقة بحالات التنافي بين مهنة العدول وبعض المهن والوظائف الأخرى، معتبرة أن المشرع أغفل تحديد الإجراءات والآجال القانونية اللازمة لتسوية وضعية العدول الذين قد يجدون أنفسهم في حالة تنافٍ. وأكدت المحكمة أن غياب هذه الضوابط يفتح الباب أمام تأويلات متضاربة ويجعل النص غير قابل للتطبيق بشكل متوازن ومنصف.
واعتبرت المحكمة أن الفقرتين الأولى والثانية من المادة 53 غير مطابقتين للدستور، بسبب ما تضمنته من مقتضيات تسمح بتلقي العقود من الأشخاص ذوي الإعاقة السمعية أو الكلامية بواسطة “الإشارة المفهومة” أو بمساعدة “كل شخص مؤهل”. ورأت المحكمة أن هذه المفاهيم تفتقر إلى الدقة القانونية، ولا توفر الضمانات الكافية لحماية إرادة الأشخاص المعنيين أو الحفاظ على حجية المحررات العدلية، خاصة في غياب إلزامية الاستعانة بخبراء أو مترجمين متخصصين.
ومن بين أبرز المقتضيات التي أثارت ملاحظات المحكمة أيضا، المادة 67 المتعلقة بشهود اللفيف، والتي تشترط ألا يقل عددهم عن اثني عشر شاهدا “ذكورا وإناثا”. واعتبرت المحكمة أن هذه العبارة تفتقر إلى الوضوح وتفتح المجال أمام تفسيرات واجتهادات متباينة، مما قد يؤدي إلى عدم استقرار المراكز القانونية للمتقاضين ويهدد مبدأ الأمن القانوني.
ولم يتوقف الأمر عند هذه المواد، إذ سجلت المحكمة ملاحظات جوهرية بشأن المقتضيات المنظمة للهيئة الوطنية للعدول والمجالس الجهوية للعدول، الواردة ضمن البابين الثاني عشر والثالث عشر من القانون. واعتبرت أن المشرع لم ينص على آليات تضمن استمرارية المرفق العام التوثيقي في حال تعذر انعقاد الأجهزة المنتخبة أو عجزها عن أداء مهامها، وهو ما يشكل، بحسب المحكمة، إغفالا تشريعيا يمس أحد المبادئ الدستورية الأساسية المرتبطة باستمرارية المرافق العمومية.
وأكد القرار أن الهيئة الوطنية للعدول والمجالس الجهوية لا تقتصر مهامها على التمثيل المهني فقط، بل تضطلع بأدوار مرتبطة مباشرة بتدبير مرفق عمومي ذي طبيعة قضائية وتوثيقية، ما يفرض على المشرع توفير ضمانات قانونية تحول دون تعطيل خدماتها أو المساس بحقوق المرتفقين.
وفي المقابل، صرحت المحكمة الدستورية بمطابقة عدد من المواد الأخرى للدستور، من بينها المواد 37 و50 و51 و55 و63 و77، كما أقرت بدستورية المادة 120 شريطة أن يتم تأويلها على أساس أن وزير العدل لا يملك صلاحية إعادة النظر في قرارات اللجنة التأديبية، وإنما يقتصر دوره على تنفيذها وترتيب آثارها القانونية والإدارية.
ويرى متابعون أن قرار المحكمة الدستورية سيعيد مشروع القانون إلى نقطة المراجعة بالنسبة للمقتضيات التي تم التصريح بعدم دستوريتها، بما يفرض على المشرع إعادة صياغتها بشكل يضمن الوضوح القانوني ويحمي حقوق المتقاضين والمرتفقين، كما ينسجم مع المبادئ الدستورية المرتبطة بالأمن القانوني والحكامة الجيدة واستمرارية المرفق العام.
ويؤكد القرار مرة أخرى الدور المحوري للمحكمة الدستورية في مراقبة جودة التشريع وضمان احترام النصوص القانونية للمقتضيات الدستورية، خاصة في القوانين المنظمة للمهن المرتبطة مباشرة بحقوق المواطنين والمعاملات المدنية والعقارية.





