
زينب بنموسى
يجد المتصفح للفضاء الرقمي اليوم نفسه غارقا في تدفق مريب لأخبار متواترة، تتأرجح بين تضارب المصالح، واتهامات الفساد التي تلاحق المسؤولين، والشائعات المتناثرة عن قرب اعتقال آخرين، وصولا إلى النبش في النعرات العنصرية وممارسات التشهير والسب و«المعاطية».
التزامن الواضح للمنشورات وتطابق مضامينها عبر حسابات متعددة، ينقل الظاهرة من خانة العفوية الرقمية إلى الفعل المنظم المدار من غرف توجيه تسعى لهندسة سردية فوضى خلاقة تحول الشائعة الظرفية إلى سردية ثابتة، عبر الدفع بفواعل افتراضية جديدة تصنع لنفسها موقعا وسط الضجيج.
ولأجل رفع كل لبس، فإن هذا الطرح لا ينطلق أبدا من خلفية الدفاع عن الفساد، أو محاولة حجب نقائص التدبير العمومي، وتراجع النقاش البناء، بل غايته الانتصار لمنطق التدافع الشريف الذي يحفظ كرامة البلاد والعباد، إذ لا يمكن لمواجهة الانحراف أن تتم باستيراد أدوات أكثر فسادا. فخطورة هذه الحملات تكمن في اتخاذها من البوز والتشهير واجهة لها لإقناع الرأي العام بأن كلفة الديمقراطية باهظة ومفسدة، وهي، إذ تبشر بارتداد نكوصي يغازل زمن الارتجال، تحمل في طياتها-وأحيانا تعلن ذلك- دعوة مبطنة للاستقواء بالأساليب التسلطية والتخلي عن المكتسبات الدستورية، في خروج فج عن منطق دولة الحق والقانون، مستفيدة من صمت النخبة وتراجعها، وهذا هو العنوان الحقيقي للأزمة.
ففي الأحوال السياسية السوية، يُجابه هذا الضجيج الرقمي الموجه بما يُعرف في أدبيات الإعلام بنظرية التدفق عبر خطوتين، حيث تلعب النخبة المثقفة والسياسية الفاعلة دور «قادة رأي» يمتلكون ما يكفي من ميكانزمات التحليل والتأثير لفلترة وتفكيك الروايات المشحونة والتهويل الممنهج. غير أن تواري النخب المؤثرة، اليوم، أدى إلى ارتداد سوسيولوجي مشوه يتجاوز الأنموذج الذي صاغه غرامشي حول «المثقف العضوي»، ليفرز لنا عبر الهامش الافتراضي – في إطار الاستثناء المغربي دائما – «مسوخا عضوية» تضر بوعي أو دونه بالمجتمع ومؤسساته ومكوناته.
هذه الأزمة الهيكلية تفرض إعادة تدبير للرأسمال البشري، وإعادة رص صفوف النخبة، ونستحضر هنا تجربة المستشار الملكي الراحل، عبد العزيز مزيان بلفقيه، كنموذج من العصر الحديث في استقطاب الأطر الوازنة وصناعة الكفاءات وبناء عصب حركي صلب داخل الدولة، استطاع الثبات، وتشكيل خط وساطة أولي امتد أثره لعقدين من الزمن من خلال المؤسسات، ولا زال لحد الان! وهي الآلية نفسها التي يمكن اعتمادها فلسفة عامة ومستدامة لإنتاج النخب وتأهيلها، دون حصرها في المربع التكنوقراطي وحده، ومدها لتشمل الفواعل السياسية والفكرية كقاعدة صلبة يُبنى عليها لتحصين التدبير العمومي والمشهد السياسي، إذ لا سبيل لرأب الصدع، وإعادة التوازن المفقود بين رصانة المؤسسات وعشوائية الواجهة الافتراضية في رأيي، إلا عبر هذه الخطوة الاستباقية.
وكان من المفترض أن تكون محطة 2011، بزخمها السياسي والدستوري ومناخ حرياتها، فرصة مواتية لتسييل هذا النهج الاستقطابي، ونقله من المربع التكنوقراطي الضيق، إلى الفضاء الديمقراطي والسياسي الأرحب الذي أتاحه الدستور الجديد، قبل أن تفقد الممارسة السياسية جاذبيتها لصالح الصخب الافتراضي، ويزوغ الطريق فجأة، لأسباب يطول شرحها هنا.
ونتيجة لكل ما سبق، وبعد أن أوشك هؤلاء أن ينادوا صراحة بإلغاء الديمقراطية، تصبح مؤسسات الوساطة التقليدية، وفي مقدمتها الأحزاب السياسية، أول المعنيين بالتقاط هذه الإشارة الحيوية المتعلقة بضرورة تثمين الكفاءات ولعب دور مدير موارد بشرية، من أجل فضاء سياسي أفضل.
فالخيارات أمامنا باتت واضحة: إما الاستسلام للابتذال، والقبول بهذا الانحدار في النقاش والفعل على حد سواء، أو الانتصار لمنطق دولة الحق والقانون عبر صناعة وتمكين نخب وازنة قادرة على المواجهة والتأثير وأهم شيء… التفكير!
في انتظار هذا، أو أي حل آخر يفرز الغث من السمين، فإن «بطولة الإنسان في هذه المرحلة، أن يبقى حيا، وشريفا، وألا يفقد عقله» كما قال عبد الرحمن منيف، وإذا زاد عليها الابتعاد عن لغو المنصات وعشوائيتها التي تنتهي، سينجح على الأقل في تغيير نفسه، وهذه خطوة كبرى.. فالله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.




