حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف


الرئيسيةتقاريرسياسية

المرتكزات الديمغرافية والاجتماعية والثقافية في المشروع الإيراني 2.2

موجة جديدة من محاولات تفتيت الوحدة الثقافية للمسلمين



الدكتور غازي التوبة كاتب وسياسي ومفكر إسلامي:

مقالات ذات صلة

ليس من شك في أن الأمة الإسلامية أمة واحدة، ولعب العامل الثقافي دوراً رئيسياً في إظهار وحدتها بعد أن ضعفت العوامل الأخرى وبخاصة العامل السياسي إثر سقوط الخلافة، وإلغاء رمزية الخلافة العثمانية عام 1926 في إقامة وحدة المسلمين.

وقد وصف القرآن الكريم الأمة الإسلامية بأنها واحدة مرتين، فقال تعالى: «إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ» (الأنبياء، 92) وقال تعالى أيضاً: «وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ» (المؤمنون، 52). وقد وعى الصحابة أهمية عامل الوحدة في تحقيق استمرارية وجود الأمة الإسلامية، لذلك كانت إشارة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، على أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، بجمع القرآن الكريم بين دفتي مصحف واحد، بعد أن فقدت الأمة عدداً من القراء في المعارك مع المرتدين، فاستجاب أبو بكر الصديق رضي الله عنه لاقتراح عمر رضي الله عنه، وشكل لجنة جمعت المصحف، ثم نسخ عثمان رضي الله عنه عدة نسخ من المصحف، فأرسل نسخة إلى كل من الشام والكوفة ومصر، ثم كان الاهتمام بتنقيط كلمات المصحف وتشكيله من أجل ضبط قراءته، واستهدفت هذه الجهود المحافظة على النص القرآني كما أنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم.

ثم قامت جهود أخرى من أجل ضبط المعنى، فتولدت علوم متعددة من أجل المساعدة في ضبط المعنى منها: علوم المكي والمدني، وعلوم القرآن، والتفسير، والنحو والصرف، ومعاجم اللغة… ثم قامت جهود من أجل ضبط أحاديث وأقوال الرسول صلى الله عليه وسلم فتولدت علوم الحديث ومصطلحه، وتم تدوين كتب الصحاح والمسانيد والمعاجم..

 

في مواجهة التفرقة والتشكيك

نستعرض استعراضا سريعا بعض الجهود التي قامت بها الأمة من أجل خدمة القرآن والسنة اللذين هما عماد الوحدة الثقافية. إذ قامت عشرات الدول، على مدار التاريخ الإسلامي، وسقطت من أمثال: دولة الأمويين والسلجوقيين والزنكيين والأيوبيين والطولونيين والإخشيديين والمرابطين والموحدين الخ… وقامت صراعات متعددة بين هذه الدول، لكن الأمة بقيت موحدة، لأنها ذات ثقافة واحدة، وذات لغة واحدة وذات تاريخ واحد.. وكان العلماء هم الذين يرعون هذه الوحدة ويقودونها.

هذه الوحدة الثقافية تعرضت لمحاولة التفتيت في العصر الحاضر، بعد سقوط الخلافة العثمانية عام 1926، فقد اتهمت اللغة العربية (وهي من أهم عوامل الوحدة الثقافية) بأنها لغة لا تناسب العصر، وأنها صعبة الإملاء والنحو، لذلك دعا بعض الكتاب إلى الكتابة باللغة العامية وعلى رأسهم سلامة موسى في مصر، كما دعا بعضهم إلى استبدال الحرف اللاتيني بالحرف العربي كما فعل سعيد عقل وأصدر ديواناً شعرياً بالحرف اللاتيني سماه ديوان (يارا)…

بدورها، اتهمت الحضارة الإسلامية بأنها حضارة نقل لا إبداع فيها وبأن دور المسلمين الحضاري كان نقل علوم اليونان إلى الغرب، ولا شك أن هذا القول فيه ظلم كبير لحضارتنا التي أضافت وطورت وأبدعت في كل مجالات الطب والفلك والرياضيات والفيزياء والكيمياء الخ.. كما شكك بعض الباحثين بمصداقية القرآن الكريم، ومنهم طه حسين الذي قال في كتاب «في الشعر الجاهلي»: «للتوراة أن يحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضاً ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن، لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي، فضلاً عن إثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة إسماعيل ابن إبراهيم إلى مكة».

وشكك باحثون آخرون بالسنة النبوية وبأن الأحاديث النبوية وضعت من أجل مصلحة الفرق واتهم آخرون تاريخنا بأنه تاريخ استبداد الخ..

هذا ما حدث بين الحربين العالميتين، لكن موجة جديدة جاءت بعد الحرب العالمية الثانية تحمل صبغة «اشتراكية شيوعية» كانت أشد عداء لعامل الوحدة الثقافية، فقامت دول وأحزاب ذات نظام اشتراكي شيوعي في سورية ومصر والعراق والجزائر وليبيا والسودان والصومال الخ..، تعتبر الدين عامل تأخر وانحطاط، لذلك يجب استئصاله من حياة الأمة، وأن كل الغيوب التي يتحدث عنها الدين من جنة ونار هي أفيون للشعوب يستعملها الأغنياء من أجل استغلال الفقراء، وأن المتدينين رجعيون مرتبطون بالرأسمالية لذلك يجب استئصالهم.

وبالفعل نشرت الأنظمة العربية هذه الثقافة المعادية للدين في مختلف أجهزتها الإعلامية وبرامجها الدراسية، ومارست العنف والاضطهاد نحو المتدينين، وسجنت الكثير منهم، وطاردت بعضهم الآخر.. لكنها خسرت هذه المعركة في النهاية، لأن الدين الذي حاربته، وهو الدين الإسلامي، ليس كالدين المسيحي، فهو ليس دين خرافة وخزعبلات وأوهام… بل دين عقل وعلم، لذلك كانت الصحوة الإسلامية التي بدأت بعد نكسة عام 1967، وعاد الدين ليأخذ وضعه في حياة الناس، فعادت النساء المسلمات للحجاب، وامتلأت المساجد، ونشأت البنوك الإسلامية، وراج الكتاب الإسلامي ونشطت الجمعيات الخيرية الإسلامية في كل أصقاع الدنيا الخ…

لكننا فوجئنا بموجة جديدة من محاولة تفتيت الوحدة الثقافية، بدأت من دولة إيران التي حكمها الخميني بعد ثورة 1979 التي أسقط فيها حكم الشاه، ليعتلي الحكم في 11-2-1979، ومن المؤسف أن قيادة الثورة أصرت على أن تضع في الدستور، الذي صاغته بعد قيام الثورة، مادة تعتبر أن المذهب الجعفري هو المذهب الرسمي لإيران إلى الأبد، وجاءت المادة الثانية عشرة كما يلي: «الدين الرسمي لإيران هو الإسلام، والمذهب الجعفري الاثنا عشري يبقى إلى الأبد المذهب الرسمي لإيران وغير قابل للتغيير». وحاولت بعض القيادات الإسلامية مع الخميني وغيره ألا تكون هذه المادة بتلك الصيغة لأجل إبعاد الصبغة الطائفية عن إيران، لكنه أصر على ذلك، مما يدل على تصميم الخميني ومن حوله على البعد الطائفي.

من الواضح أن المذهب الجعفري يقوم على قواعد وأصول وفقه يختلف عن مذهب أهل السنة والجماعة، إن لم يتناقض في بعض الجوانب، ونحن سنوضح الجوانب الثقافية التي يقوم عليها والتي تتناقض مع الجوانب الثقافية لأهل السنة.

 

أصول قامت عليها فرقة الشيعة

1- في مجال السياسة:

اعتبر أهل السنة أن الرسول صلى الله عليه وسلم ترك اختيار الإمام للمسلمين، لذلك اجتمع المسلمون بعد وفاته في سقيفة بني ساعدة واختاروا أبا بكر رضي الله عنه، لكن الشيعة ترى أن الرسول صلى الله عليه وسلم نصّ على إمامة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ويرْوُون في ذلك عدة أحاديث أبرزها حديث غدير خم الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله وأدر الحق حيث دار، ألا هل بَلَّغت؟» قالها ثلاثاً حسب الرواية.

وتُنظر فرقة الشيعة لقضية الإمامة فتقول: «ليست الإمامة قضية مصلحة تُناط باختيار العامة وينتصب الإمام بتنصيبهم، بل هي قضية أصولية وهي ركن من أركان الدين لا يجوز للرسول صلى الله عليه وسلم إغفاله وإهماله وتفويضه إلى العامة وإرساله. ويجمع الشيعة القول بوجوب التعيين والتنصيص وثبوت عصمة الأنبياء والأئمة وجوباً عن الكبائر والصغائر، وما كان في الدين الإسلامي أمر أهم من الإمام حتى تكون مفارقة الدنيا على فراغ قلب من أمر الأمة، وإنما بعث لرفع الخلاف وتقرير الوفاق. فلا يجوز أن يفارق الأمة ويتركهم هملاً يرى كل واحد منهم رأياً ويسلك كل واحد منهم طريقاً ولا يواقع في ذلك غيره، بل يجب أن يعين شخصاً هو المرجوع إليه وينصّ على واحد هو الموثوق به والمعول عليه. وقد عيّن علياً في مواضع تعريضاً وفي مواضع تصريحاً».

 

2- في مجال أركان الدين:

اعتبرت الشيعة أن قضية الإمامة من أركان الدين بل أهمها، ويروون حديثاً يقول: «بني الإسلام على خمس: الصلاة والزكاة والصوم والحج والولاية»، وتضيف الرواية نفسها: «وما نُوديَ بشيء مثل ما نودي بالولاية». ويروون حديثاً آخر عن الإمام الباقر يقول فيه: «بني الإسلام على سبع دعائم: الولاية، والطهارة، والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج والجهاد».

والولاية في التصور الشيعي سلطة «إلهية» خصّ الله بها الأنبياء والأولياء سواء بسواء. ذلك أن كل الفرق بين النبي والولي، حسب ما يَرْوُونه عن جعفر الصادق، هو أن النبي يحلّ له من النساء أكثر من أربع فيما لا يحل ذلك للولي.

 

3- في مجال التشريع والفقه:

تلتقي فرقة الشيعة مع أهل السنة في القرآن الكريم، لكنها تختلف معها بعد ذلك في بقية الأصول كالسنة والإجماع والقياس، والمصادر الأخرى كالاستحسان والمصالح المرسلة… فقد ألّف هشام بن الحكم رسالة تحت عنوان «نقض رسالة الشافعي»، فهم لا يأخذون بالقياس، ويستنكرون القياس ويشنّعون عليه فيقولون: «أول من قاس إبليس عندما قال: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾»، أما بالنسبة لمصادر السنة الأخرى فإن الشيعة لا تعترف بمراجع الحديث السنيّة كالبخاري ومسلم… ولها مصادرها الحديثية كالكافي للكليني، وتشترط أن يكون الحديث مروياً عن واحد من أهل البيت، وتعتبر روايات الأئمة الإثني عشر في مرتبة الحديث الشريف، لأنها تأتي إلهاماً من الله، وتأتي من معصومين، وهي تكمل ما بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم. ويعتقد بعض الشيعة أن الإمام الثاني عشر الغائب يظهر في بعض الأحيان لأتباعه، ويفتي لهم في بعض القضايا والمعضلات، ويوجههم إلى الصواب في هذه الفتوى، فمن الطبيعي أن تختلف الأحكام الفقهية في مجالات الطهارة والصلاة والصيام والزكاة…

وتبدأ المشكلة مع إيران عندما تصر على نشر مذهبها الشيعي في البلاد العربية والإسلامية ذات المذهب السني، وهنا تبدأ عملية التصادم والتفتيت للعامل الثقافي الذي هو العامل الأهم في المحافظة على وجود الأمة في الوقت الحاضر.

ومن الجدير بالذكر أن بعض الحركات الإسلامية السنية، وكثيراً من علماء أهل السنة، وبعض المؤسسات العلمية السنية رحبت بانقلاب الخميني ومدت يدها إلى قيادات إيران من أجل التعاون في مواجهة الأخطار التي تحيط بالمسلمين وبالذات الخطر الصهيوني والغربي.

لكن القيادات السنية تفاجأت بإصرار قيادات إيران على نشر المذهب الشيعي في البلدان العربية والإسلامية ذات الأغلبية السنية من مثل: مصر والمغرب والجزائر وتونس وسورية…

وكان الشيخ يوسف القرضاوي أبرز المشايخ الذين مدوا يد التعاون لهم، وأعطى آراء معتدلة في مذهبهم، ووضع ممثلين منهم في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ولم يسمع في البداية لبعض الآراء التي تتهمهم باستغلال الموقف الطيب، والعلاقة الطيبة من أهل السنة باتجاه ترويج مذهبهم، وظن أن هؤلاء الناس الذين يحدثونه عن ذلك يبالغون، ثم تحقق من صحة دعواهم في مصر التي هي بلده، ومن هنا وجد أن هذا العمل ضار بالأمة، ويؤدي إلى الاختلاف والتفتيت الثقافي، في حين أن اجتماعنا ولقاءنا في الأصل من أجل عكس ذلك، ومن هنا دعاهم إلى إيقاف الدعوة إلى التشيع في البلدان ذات الغالبية السنية، على أن لا يدعو أهل السنة إلى التسنن في المناطق ذات الأغلبية الشيعية فرفضوا ذلك، ومن هنا غير الشيخ القرضاوي موقفه منهم. كما انقلب عليهم شيخ الأزهر أحمد الطيب عندما طلب من ملاليهم وقياداتهم الدينية أن يكتبوا كلمة وفتوى تحرم على أتباعهم سب الصحابة فرفضوا ذلك.

ومن الواقعتين السابقتين يتضح أن إيران مصرة على نشر مذهبها الشيعي في بلاد أهل السنة بمختلف الوسائل، وهي عندما تفعل ذلك فإنما تقوم بأضخم عملية تفتيت للعامل الثقافي في الأمة، وبذلك تتعرّى دعاوى إيران وحزب الله في لبنان إلى إقامة الوحدة الإسلامية، فهم يعملون على تدمير الوحدة الإسلامية وتفتيت كيان الأمة عندما يصرون على نشر مذهبهم الشيعي في بلدان متمسكة بالمذهب السني.

واتبعت القيادات الإيرانية منذ عهد الخميني أسلوباً تدليسياً، فأظهرت حرصاً على القضية الفلسطينية من أجل أن تكسب قلوب المسلمين، وتستدر عواطفهم نحوها، لكي يساعدها ذلك على نشر مذهبها، وقال الخميني لبعض المحيطين به بعد وصوله إلى طهران عام 1979: «لا قيمة لكل سياساتنا، إذا لم تكن لنا يد في القضية الفلسطينية»، وعملوا على ذلك منذ اللحظة الأولى لذلك أقامت إيران علاقات مع كل المنظمات الفلسطينية، وفتحت لها أبوابها وأغدقت الأموال من أجل تحقيق الهدف الذي وضعه الخميني.

لكن الله فضحها وأوضح زيف دعواها في الحرص على القضية الفلسطينية، وأوضح انحراف سياستها في موقفين:

الأول: تعاونها مع المحتل الأمريكي، في احتلال العراق، فمن يحرص على قضية فلسطين لا يقبل بتفكيك الجيش العراقي الذي هو أساس الجبهة الشرقية في مواجهة إسرائيل، ولأن المستفيد الأول من احتلال أمريكا للعراق هو إسرائيل، وقد اتضح ذلك في خطط المحافظين الجدد الذين هم صهاينة أكثر من صهاينة إسرائيل.

الثاني: تعاونها مع النظام السوري المجرم، ودعمها له بكل الوسائل المالية والعسكرية واللوجستية والسياسية… وهو النظام العلماني الطائفي الذي يذبح المسلمين ويدمر وجودهم، فأين حملة الرسالة الإسلامية كما يدعون!!!

 

 

نافذتان

تبدأ المشكلة مع إيران عندما تصر على نشر مذهبها الشيعي في البلاد العربية والإسلامية ذات المذهب السني، وهنا تبدأ عملية التصادم والتفتيت للعامل الثقافي.

 

اتبعت القيادات الإيرانية منذ عهد الخميني أسلوباً تدليسياً، فأظهرت حرصاً على القضية الفلسطينية من أجل أن تكسب قلوب المسلمين وتستدر عواطفهم نحوها

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى