حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسيةمجتمع

المهنة: متقاعد

يونس جنوحي

 

في كل مكان في المغرب، توجد ساحة خاصة بالمتقاعدين. بل وتوجد كراس خاصة بهم لا يجلس فيها غيرهم، رغم أنها لم تُبن من أجلهم أساسا. فالجلوس في المغرب يبقى هواية مفضلة بعد التقاعد.

لم يعد يفصلنا عن شهر شتنبر سوى أيام قليلة، وخلاله، سوف تبدأ حياة التقاعد بالنسبة لآلاف الموظفين وحتى أصحاب المهن الحرة، وسوف يعيشون لأول مرة في حياتهم ذلك الإحساس الذي يجعلهم يُدركون أنهم طووا فترة من حياتهم وفتحوا أخرى غير واضحة المعالم.

صاحب محل حلويات في مدينة طنجة علّق لافتة هذا الأسبوع كتب فيها أنه أغلق محله نهائيا لأنه أحال نفسه على التقاعد وشكر زبناءه على ثقة مدتها 45 سنة باع خلالها “حلويات بلجيكا”.

سلوك راق غير مألوف في المغرب. فأصحاب المحلات المعروفة في الأسواق الشعبية على وجه الخصوص يظهرون ويختفون في صمت. وهناك محلات سمعتها تسبقها ولا تكتمل زيارات الناس إلى تلك المدن دون التردد على محلاتهم لتناول الأطباق والحلويات الشعبية، وهناك من وصل صيتهم إلى خارج الحدود، وأحالوا تدبير محلاتهم إلى ورثتهم.

لذلك يبقى أمر الإعلان عن الإغلاق النهائي وتوديع الناس وشُكرهم على ثقة عمرها قرابة نصف قرن، أمرا غير مألوف.

ساحات المتقاعدين تستحق فعلا الزيارة، ولا تختلف في شيء عن قراءة الكتب لاستخلاص العبر.

في المقاهي الخاصة بهؤلاء الناس يتوقف الوقت ويفقد معناه. لا داع للسرعة، والأيام تتكرر برتابة. هناك جمعيات هدفها محاربة الملل لكنها نجحت في تغيير حياة المتقاعدين من خلال تنظيم أنشطة مهمة لصالحهم تبدأ بترتيب رحلات الحج والعمرة وتنتهي بتنظيم خرجات خلال أيام الأسبوع ما دامت كلها صارت بالنسبة لهم تشبه أيام الأحد.

وهناك شريحة أخرى من المتقاعدين لا يتحدث عنها أحد. وتتعلق بالذين لامسوا النجاح لأول مرة في حياتهم، لكن بعد التقاعد. هؤلاء كانوا في السابق موظفين يمارسون مهنا لم يكونوا مرتاحين فيها، أو راكموا خلال مزاولتهم لها خبرات لم تستفد منها الإدارات التي عملوا لصالحها، ولم يكتشفوا قدراتهم إلا بعد الإحالة على التقاعد، ففتحوا مكاتب خدمات وأصبحوا يبيعون خبراتهم، أو وظفوها في المشاريع الخاصة وراكموا في ظرف سنوات قليلة أرباح توازي في بعض الحالات مجموع الأجور التي حصلوا عليها خلال أزيد من نصف مدة عملهم السابق.

هناك فعلا قصص نجاح، لكن لم يُسلط عليها الضوء بما يكفي لتغيير الصورة النمطية عن التقاعد.

المتقاعدون يوجدون في كل مكان، ولديهم أماكنهم الخاصة بهم، إلا في القرى النائية، إذ يصبح كل السكان متقاعدين. بل إن بعض القرى يجلس فيها المتقاعدون مع الشباب الذين بلغوا العشرين، على دكة واحدة في انتظار المجهول، خصوصا مع ازدياد حدة موجة الجفاف.

وفي الأحياء الهامشية على هوامش المدن، يُعتبر المتقاعدون مواطنين انتهت صلاحيتهم، ومنهم من يستمر في العمل لضمان لقمة عيش أسرة كثيرة الأفواه جل أفرادها في سن العمل، لكنهم في حالة بطالة.

هناك متقاعدون من المعامل، قضوا سنوات طويلة في العمل، ومباشرة بعد إحالتهم على التقاعد أصبحوا يشتغلون في حراسة السيارات. لا تتوفر الحكومة على أرقام رسمية بأعدادهم، لكنهم يوجدون في كل مكان تقريبا.

أناس يطلون على السبعين أو تجاوزوها بقليل، يحرسون السيارات ليلا في شوارع المملكة، ويلوحون بهراواتهم في الهواء ويقضون الليل في سماع الراديو، ومنهم من يعاني من أمراض مزمنة مثل الروماتيزم، ورغم ذلك يمارسون مهنة محفوفة بالمخاطر وتضع صاحبها في مواقف يومية تتطلب يقظة وقوة بدنية لمواجهة المخاطر.. ففي الأخير “الحافظ الله”.

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى