
يسرا طارق
لا توجد أسرة ريفية لم تعرف زهو ولوعات وتمزقات الهجرة إلى الخارج، لا توجد أسرة لا تخفق قلوبها لأحد أفرادها الذي استقرّ في مكان بعيد، بعيد جداً، لا توجد أسرة لا تنتظر رسالة أو حوالة أو زيارة.
عرف الريف الهجرة منذ أزمنة بعيدة، وهاجر الناس إلى مدن الداخل ثم إلى الدول الأجنبية هرباً من الحرب، أو المجاعة، أو انعدام فرص الشغل أو لأن الحياة توجد دوماً في مكان آخر.
في ستينيات القرن الماضي، سيكتشف أهلنا في الريف فرصة الهجرة إلى هولندا للعمل في المصانع وقطاع البناء والفلاحة. بدأت بشكل خجول ثم تزايدت بفعل التجمع العائلي، والتضامن الأسري ووجود بيئة حاضنة لكل من فكر في تجريب هذا الخيار الصعب والمؤلم.
بعدها سينتشر أهل الريف في كل بلدان أوروبا الغربية، وخصوصاً بلجيكا وفرنسا وإسبانيا وألمانيا…
كنا في طفولتنا ننتظر مجيء المهاجرين، كما كنا ننتظر الحجاج، لأننا نعرف بأن عودتهم ستكسر رتابة أيامنا المكرورة في زمن متعاظم لا نذهب فيه للمدرسة. نرى السيارات الأولى، ومن ترقيمها والحقائب التي تنوء بحملها، نعرف بأن موسم العودة بدأ. سنرى مشاهد العناق ودموع الفرح، وسنرى تلك الهدايا التي لا تختلف كثيراً من دار لدار: علب القهوة والشاي، أثواباً، ألبسة، قنينات عطور بسيطة، أحذية غريبة (بعضها مناسب لعواصف ثلجية)، معاطف بفرو مثير، حلوى كاراميل تلتصق بالأسنان. وسنسمع لغات لا نفهمها لكننا نُعَظِّمُ من يتكلمها. ننتظر الصيف لأن خالة أو خالاً، عمة أو عمّاً، أخاً أو أختًـا، قريبة أو قريباً سيأتي للدار بأطفاله ولغته الغريبة وتجربته هناك، وقدرته على الإبهار بكونه يعيش في عالم آخر. قيل لنا بأنه عالم ثري وغني ومنظم، عالم يوفر لكل واحد كل ما يحتاجه في هذه الحياة: صحة وتعليم وشغل.
وكنا نلاحظ بالأساس تلك الجرأة والثقة في النفس التي يتصرف بها الأطفال الذين ولدوا هناك. كان لهم صوت ومطالب وقدرة على التعبير عن حاجياتهم، وعن امتعاضهم وغضبهم إن لزم الأمر. كانت لهم مكانة لدى الكبار، وكانوا يحرصون على إرضائهم، وليس كمثلنا نحن، الذين نضرب لأتفه الأسباب، ولا يُطلب رأينا أبداً في ما يخصنا. كنا نلاحظ سذاجة الأطفال الذين ولدوا هناك، وكنا نمكر بهم ونسلبهم أشياءهم، لأننا ولدنا في عالم قاسٍ شحذ قوانا مبكراً من أجل المواجهة وربح المعارك.
هجرة الألم والدموع والشرف والجهد هذه كان فيها -ورغم تمزيقها للعائلات الريفية- شيء شاعري وملحمي. إنها رحلة الريفية والريفي من أجل إثبات الذات، وانتزاع اللقمة من فم الأسد… (يتبع)





