
نعيمة لحروري
ثمة شيء محزن، بل ومسيء، في ما يجري داخل الزاوية القادرية البودشيشية منذ وفاة شيخها جمال الدين القادري بودشيش.
ولست معنية هنا بالانتصار لهذا الطرف أو ذاك، ولا بالبحث في صحة وصية وبطلان أخرى، ولا في من يملك «الإذن» ومن لا يملكه. كما أن موقفي من الزوايا، ومن أدوارها في المجتمع المغربي، موضوع آخر تماما.
ما يعنيني هو المشهد نفسه، مشهد صراع على مشيخة زاوية صوفية، خرج من دائرة البيت والمريدين إلى الفضاء العام، وأصبحت له بيانات وروايات متعارضة واصطفافات، وكل طرف يستدعي ما يعتبره حجته في أحقية هذا أو ذاك بقيادة الطريق.
وكلما طال هذا الصراع، بدا السؤال أكثر إلحاحا: من قال أصلا إن المشيخة تركة؟
يمكن للابن أن يرث عن أبيه بيتا وأرضا ومالا. ويمكن للورثة أن يختلفوا في الأنصبة، وأن يحتكموا إلى الوصايا والقوانين والمحاكم. أما أن يرث إنسان عن أبيه القدرة على تربية أرواح الناس، فهذه مسألة أخرى تماما.
المشيخة، إذا أخذنا التصوف بمنطقه هو، ليست عقارا عائليا ولا أصلا تجاريا ولا كرسيا ينتقل داخل الأسرة بمجرد وفاة صاحبه.
فالنسب قد يمنح صاحبه اسما محترما، لكنه لا يمنحه بالضرورة مقاما روحيا.
والبنوة تثبتها سجلات الحالة المدنية، أما الأهلية لتربية الناس فلا تثبتها شجرة النسب.
ولهذا فإن أكثر ما يسيء إلى الزاوية اليوم ليس أن يختلف أبناؤها. فالاختلاف طبيعي، وأهل التصوف بشر كغيرهم. ما يسيء إليها هو أن يبدو للناس أن مقاما ظل يقدم باعتباره تكليفا روحيا ثقيلا تحول، في لحظة انتقال، إلى موضوع تنازع عائلي حول من هو الأحق به.
والأسوأ أن الجميع يخسر في هذا المشهد.
يخسر من يتمسك بحقه لأنه، مهما كانت حجته، يجد نفسه جزءا من معركة على مقام يفترض أن صاحبه أزهد الناس في طلبه. ويخسر خصمه للسبب نفسه. وتخسر الأسرة حين تنتقل خلافاتها إلى المجال العام. وتخسر الزاوية هيبتها. ويخسر المريد جزءا من الصورة التي بناها سنوات عن أهل الطريق.
بل إن المنتصر نفسه قد يخرج من هذه المعركة خاسرا.
لأنه قد يربح المشيخة، لكنه لن يستطيع بسهولة ترميم ما تكسر حولها.
والمفارقة أكبر من أن نتجاوزها بسهولة.
ماذا يقول التصوف للمريد؟
يقول له: جاهد نفسك. تخلص من الأنا. ازهد في حظوظ الدنيا. سامح. تجاوز الضغائن. لا تجعل حب المكانة يتسلل إلى قلبك.
ثم يفتح هذا المريد هاتفه، فيجد نفسه أمام أخبار صراع داخل البيت الذي يفترض أنه تعلم فيه كل ذلك.
فأي صورة تبقى في ذهنه؟
لا يتعلق الأمر هنا بمنير أو معاذ القادري بودشيش تحديدا. وربما كان لأحدهما من الحجج ما يجعل مريديه مقتنعين تماما بأحقيته. المسألة أكبر من الرجلين.
إنها تتعلق بفكرة المشيخة نفسها.
فإذا كانت المشيخة مجرد امتداد للنسب، فلنقل إنها مؤسسة عائلية تتوارث قيادتها الأجيال، وينتهي النقاش.
أما إذا كانت مقاما روحيا، كما يقول أهل التصوف، فإن السؤال ينبغي ألا يكون: من ابن الشيخ؟ ومن أخوه؟ ولمن أوصى الأب؟ بل: من بلغ من التربية والعلم والحكمة والتجرد ما يجعله أهلا لأن يأتمنه الناس على أرواحهم؟
وهنا تحديدا يصبح الصراع الحالي شديد الإساءة إلى الجميع.
لأن التنافس على منصب دنيوي مفهوم. الناس يتنافسون على السياسة والمال والمناصب، ولا يدعي أحد أن تلك المجالات قائمة على الزهد فيها.
أما التنافس على مقام يقوم أصل خطابه على التجرد، فهو تناقض يصعب على الناس ألا يروه.
وإذا كان أهل الطريق أنفسهم عاجزين عن إدارة اختلافهم بمنطق الصفح والحكمة والتجرد الذي يعلمونه لمريديهم، فمن حق هؤلاء المريدين أن يسألوا: أين تنتهي الموعظة وأين يبدأ الامتحان الحقيقي؟
ربما لهذا السبب كان الأجدر بكل من يعنيه إرث الزاوية البودشيشية أن يخاف على هذا الإرث أكثر مما يخاف على موقعه داخله.
فالشيخ حمزة، ثم الشيخ جمال، لم يتركا مجرد مقعد فارغ ينبغي أن يجلس عليه أحد. تركا اسما ومريدين وتاريخا ورصيدا رمزيا وروحيا تراكم على مدى عقود.
وهذا الرصيد يمكن تبديده.
والتاريخ مليء بمؤسسات عظيمة لم يهدمها خصومها، بل هدمتها صراعات الورثة عليها.
ولذلك، فإن القضية لم تعد في نظري: من سينتصر؟
لأن السؤال الأكثر قسوة هو: ماذا سيبقى لينتصر عليه أحد؟؟





