
في منتصف عام 1982، كان من المقرر أن تستضيف المملكة المغربية فعاليات المؤتمر التأسيسي لمجلس وزراء الداخلية العرب، وكان من المقرر أن يتمخض عن هذا الاجتماع حل المنظمة العربية للدفاع الاجتماعي، وهي منظمة عربية سابقة أُنشئت في نطاق جامعة الدول العربية، وتم حلها وتعويضها بمجلس وزراء الداخلية العرب.
نظريا تأسست المنظمة العربية للدفاع الاجتماعي ضد الجريمة لتكون إطارا لتنسيق الجهود والوقاية الاجتماعية ومكافحة الجريمة عربيا. لكن، بعد إقرار النظام الأساسي لمجلس وزراء الداخلية العرب في عام 1982 بواسطة مجلس جامعة الدول العربية، تقرر دمج وتوجيه جهود العمل الأمني المشترك ليحل المجلس محل المنظمة العربية للدفاع الاجتماعي ضد الجريمة، ويصبح أعلى سلطة أمنية عربية مشتركة، ويتخذ من العاصمة التونسية مقرا له. كان الفقيه القانوني المغربي البارز والقاضي رفيع المستوى، المرحوم محمد الشدادي، هو من يرأس هذه المنظمة، بحكم الخبرة التي راكمها. وتم استبدال هذه الهيئة بحقائب وزارية منفصلة: وزراء العدل والداخلية والشؤون الاجتماعية العرب، الذين يرفعون تقاريرهم إلى جامعة الدول العربية، التي كان مقرها في البداية في العاصمة التونسية، قبل أن يعود إلى موقعه الأصلي في القاهرة، حيث نقل منها بعد اعتراف الرئيس المصري الراحل أنور السادات بالجمهورية العربية، عام 1979، وعلى خلفية توقيع مصر اتفاقية السلام مع إسرائيل، قررت جامعة الدول العربية نقل مقرها من القاهرة إلى تونس احتجاجا على هذه الخطوة.
استمرت الجامعة في العمل من تونس لمدة تزيد عن عشر سنوات، حيث كانت تونس موطنا لأنشطتها ومقرها الرئيسي. في عام 1990، وبعد استئناف العلاقات بين مصر والدول العربية، أعيد مقر الجامعة إلى القاهرة.
اتخذ قرار تكليف المغرب بتنظيم المؤتمر التأسيسي لمجلس وزراء الداخلية العرب في المملكة العربية السعودية، حيث تشرفت بتمثيل بلادي في الاجتماع الأخير الذي عقد في الطائف عام 1981، وقبل شهرين من موعد انعقاد المؤتمر.
تاريخيا ترجع فكرة إنشاء المجلس خلال المؤتمر الأول لوزراء الداخلية العرب الذي عقد في القاهرة عام 1977، وتقرر إنشاؤه في المؤتمر الثالث بالطائف عام 1980. كما صادق المؤتمر الاستثنائي لوزراء الداخلية العرب الذي عقد بالرياض عام 1982 على النظام الأساسي للمجلس، الذي عرض على أنظار مجلس جامعة الدول العربية.
تقرر عقد مجلس وزراء الداخلية العرب في شهر مارس من كل عام، وكان أول مؤتمر في الدار البيضاء بالمملكة المغربية في دجنبر 1982، علما أن لمجلس وزراء الداخلية العرب رئيسا فخريا وأمانة عامة مقرها العاصمة التونسية، ويترأسها أمين عام متفرغ يتم اختياره من مرشحي الدول الأعضاء، ويعيَن لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد، ويساعده أمين عام مساعد يرشح بالتناوب من الدول الأعضاء.
قبل شهرين عن انعقاد المؤتمر التأسيسي لمجلس وزراء العرب في المغرب، بدأت الاتصالات بوزراء الداخلية العرب من أجل تأكيد دعوة المشاركة في المؤتمر، وإحاطتهم بكل تفاصيل الحدث.
تم توزيع هذه المهمة على ثلاثة عمال من الإدارة المركزية، حيث تقرر أن يتكلف كل واحد منهم بزيارة إلى منطقة معينة للقيام بالمهمة وتسليم الدعوات الرسمية لوزراء الداخلية، وطبعا كان لي نصيب في هذه المهمة، حيث عهد لي بالسفر إلى المملكة العربية السعودية، والسودان، اليمنان آنذاك بعاصمتيهما: صنعاء وعدن، والصومال وجيبوتي.
كانت رحلاتي في الدول الثلاث الأولى سلسة، بينما كان الوصول إلى عدن عاصمة اليمن الجنوبي ومقديشو عاصمة الصومال وجيبوتي العاصمة، عسيرا إن لم يكن مستحيلا، بسبب ضعف شبكة النقل الجوي.
لم أتمكن من الوصول إلى شمال اليمن أو الصومال. لكن، وبمحض الصدفة، التقيت بنائب وزير الداخلية في عدن بصنعاء، وهو أمر لم أتوقعه، إذ كنت أظن أن الدولتين، اللتين عاشتا انقساما مؤلما، منفصلتان عن بعضهما البعض تماما. لذا كانت دهشتي كبيرة عندما وجدت أن مسؤولي البلدين ليسوا أعداء بالقدر الذي قد يتصوره المرء، إذ كان بإمكان وزرائهما الاجتماع والاحتفال معا في حفلات «القات»، هذه «العشبة» المهلوسة، التي تحظى بتقدير كبير وتستهلك على نطاق واسع في اليمنين.





