
كانت العلاقة الثقافية والفكرية بين المشرق والمغرب يشوبها الكثير من سوء الفهم، وظلت تختلف في الرؤى والتصور وأحكام القيمة التي يصدرها الواحد اتجاه الآخر. وكانت أهم القضايا الشائكة في الحوار بينهما، تجاهل خصوصية الثقافة المغربية والنظر إليها من نظرة مركزية مشرقية، والدفاع دون فواصل جغرافية أو تاريخية عن وحدة الثقافة العربية الإسلامية باعتبار المشرق أصلا والمغرب فرعا.
هذا الحوار استمر منذ القديم حتى العصر الحديث من خلال الحوار الشهير بين محمد عابد الجابري وحسن حنفي في كتاب “حوار المشرق والمغرب” حول صورة المغرب:
حسن حنفي.. من أجل الحوار الفكري
“من محامد جيلنا أن يبدأ الحوار هذه المرة بين مفكرين، واحد من مصر، والثاني من المغرب، ولا أقول بين مشرق ومغرب نظرا لأن هذه القسمة نشأت في حضن الاستعمار، تقطيعا للعالم الإسلامي إلى إسلامي وعربي أولا ثم تقسيما للعالم العربي إلى مشرق ومغرب ثانيا.
وجاء جيلنا، وغالى البعض منا في القطيعة، ودعا إلى خصوصية مغربية، عقلانية علمية طبيعية، في مقابل مشرق صوفي إشراقي ديني، مما يجعل المغرب أقرب إلى الغرب، والمشرق أقرب إلى الشرق. وبالتالي تضيع وحدة العالم العربي واستقلاله باعتباره مركز الثقل في العالم الإسلامي، ويضيع استقلال المنطقة بعد أن يذهب نصفها إلى الغرب ونصفها الآخر إلى الشرق.
والحوار الفكري مقدمة للحوار السياسي، والحوار بين المفكرين إنما يمهد الطريق للحوار بين القادة والزعماء. فالفكر يسبق الفعل، والتصور يأتي قبل الممارسة. هذه ليست مثالية تعطي الأولوية للفكر على الواقع بل إنها عين الواقعية في المجتمعات التراثية التي مازال فكرها بديلا عن واقعها، وماضيها ممتدا فوق حاضرها.
وقد تميز جيلنا بأن صفوة مفكريه استطاعوا تقديم مشاريع فكرية عامة يعبرون فيها عن اللحظة التاريخية الراهنة وما يتضمنه الواقع العربي من تطلع نحو التحرر والاستقلال، والتغيير الاجتماعي والثورة. وقد ازدهرت المشاريع في المغرب والمشرق على السواء…
وإذا كان صلاح الدين الأيوبي قد استطاع توحيد مصر والشام لرد العدوان الصليبي الاستعماري الأول على المنطقة العربية قلب العالم الإسلامي فربما يستطيع حوار المفكرين بين مصر والمغرب تكوين جبهة وطنية واحدة تجمع بين المشرق والمغرب وتوحد العالم العربي حفاظا على هويته، وحماية استقلاله. وإن موقع مصر الفريد بين أفريقيا وآسيا، يجعل إحدى يديها ممتدة إلى أفريقيا والأخرى إلى آسيا”.
محمد عابد الجابري.. هل عندكم ماء في المغرب؟
“… هنا أحسست بأذني تستعيد بسرعة خاطفة ما سمعته مرارا في المشرق من كلام يبالغ كثيرا في تصوره لما يعرفه المغرب اليوم من “نهضة ثقافية”. وأنا أحكم على ذلك التصور بأنه “مبالغ فيه كثيرا” لسببين، يقفان في الغالب وراء كل مبالغة: أما أحدهما فهو النقص بالمعرفة بالشيء، فنحن نبالغ في تقدير أمر ما، حينما نكتشف أننا كنا نجهل عنه كثيرا. فالقول إن في المغرب اليوم نهضة ثقافية متميزة ينطوي على قول آخر هو أن المغرب لم تكن فيه من قبل ثقافة متميزة…
ومن الحاضر قفز بي ذلك الشريط إلى ماضٍ ليس ببعيد، سمعت هاتفا يهتف في داخلي قائلا: كيف يمكن أن يتحدث المشرقي باسم المغرب وأنت تذكر أنه في سنة 1958، عندما كنت طالبا لمدة سنة في دمشق، كان مما أثار اندهاشك سؤال بعض الطلبة إياك: “هل عندكم ماء في المغرب؟” وقد فهمت في ما بعد الدافع الذي دفع بهم إلى هذا السؤال “الغريب”.
لقد وجدت أن الطلبة العرب الآخرين الذين كانوا يدرسون في دمشق كانوا في أقطار مشرقية تغلب فيها الصحراء ويقل فيها الماء. فعلمت أن صورة المغرب في وعي أهل المشرق منتزعة من صورة بعض مظاهر الواقع في المشرق نفسه وأن الحكم الضمني الذي صدر عنه ذلك السؤال حكم مبني على “القياس”: قياس “فرع” هو المغرب على “أصل” هو المشرق… وأضاف الهاتف نفسه يقول: ألا تتذكر أن أبرز شيء أثار اندهاشك عندما حللت آنذاك بدمشق، ولأول مرة، هو تحية الناس بعضهم لبعض بكلمة “مرحبا” ومصدر هذا الاندهاش أنك كنت قد اعتدت في المغرب استعمال هذه الكلمة في مقام الترحيب فقط، أما مقام التحية فالعبارة المستعملة هي “السلام عليكم”.
ولم أفهم “السر” في اختلاف عبارة التحية في المشرق عنها في المغرب إلا عندما مر وقت كاف لأكتشف أن في الشام طوائف غير مسلمة وأنه بالتالي كان لابد من كلمة “محايدة” تتبادل بها التحية. أما في المغرب حيث السكان كلهم مسلمون فالعبارة الإسلامية في التحية بقيت سائدة لا تثير أي إشكال.
… وبعد، فحديث المغرب والمشرق ذو شجون، وتداعي المعاني يجر إلى الاستطراد. وهذا الحديث ليس معناه الفصل بين المشرق والمغرب، بل بالعكس إن معناه وغايته، عندي على الأقل، هو ربط ثمرات الثقافة العربية الإسلامية بعضها ببعض، هو جعل آخرها زمنا، لا ذيلا لبدايتها، بل تجاوزا لها وتدشينا لبداية جديدة تمنح للأولى تاريخا بأن تجعلها تدخل التاريخ.
هذا من ناحية التاريخ. أما من الناحية الجغرافية فالمشرق والمغرب نسبيان، هناك مشارق وهناك مغارب، في كل مشرق ومغرب. كما أن هناك في الثقافة الواحدة خصوصيات محلية هي التي تعطيها خصوصيتها التي تميزها عن الثقافات الأجنبية”.





