
استمرت مسيرتي داخل الشباب وصادفت خلالها كل عناوين التألق والإبداع. كان الفريق جيدا وممتازا ويضم لاعبين يحملون كل المهارات الفنية. كان يمتلك المواصفات التي بوأته احتلال المراتب الأولى على الصعيد الوطني أمام منافسة شرسة من طرف أندية قوية من حجم الوداد، الرجاء، مولودية وجدة، المغرب الفاسي، الراك وغيرها. لكن، رغم كل ذلك التألق، كان الشباب يفتقد للقب البطولة الوطنية. كان إحراز ذلك اللقب مطمحا لازمنا نحن لاعبي الفريق في تلك الفترة، وظل تشبثنا بالظفر به قائما ولم ننجح في تحقيقه إلا في موسم 1980.
خلال ذلك الموسم، كان الشباب عرف تعديلا على تركيبته البشرية باحتضانه لمجموعة من اللاعبين الجدد والموهوبين. وبفضل التجانس الذي حققناه نحن (القدماء) مع القادمين الجدد، أضحى الفريق أقوى وأفضل تنظيما وفعالية.
خلال موسم 1980 سنفوز بلقب البطولة الوطنية أمام منافسة شديدة من طرف الوداد واتحاد المحمدية الفريق الجار، وسننجح في الوصول إلى مباراة نهاية كأس العرش حيث واجهنا الوداد في لقاء مازال المحللون والمتخصصون يعتبرونه من أحسن اللقاءات التي عرفتها كرة القدم الوطنية عبر تاريخها.
أتذكر أنه قبل حلول موعد مباراة النهاية تلك، كان مقررا أن يحتضنها الملعب البلدي لسطات، والمدرب عبد القادر الخميري لم يرقه اختيار ذلك الملعب لاحتضان اللقاء على اعتبار أنه صغير الحجم، ما سيؤثر على مردودية الفريقين. فكان لابد من إيجاد حل وبديل لذلك، خصوصا أن الملعب الشرفي بالدار البيضاء كان يخضع لإصلاحات. كان من الصعب اتخاذ أي قرار في تلك الظرفية، سيما أن تحديد تاريخ إجراء مقابلة نهاية كأس العرش لم تكن لأي أحد، لا جامعة ولا فرق، أية سلطة فيه. كنا، نحن اللاعبين، نتداول تلك الأخبار حول الموضوع ونكتفي بمواصلة استعداداتنا بدون التفكير في شيء، إلى أن أخبرنا بدخولنا معسكرا مغلقا بإفران لمواصلة الاستعدادات. فاجأنا ذلك الخبر في الواقع، فلم يكن فريق الشباب يحتاج فعلا لمثل ذلك المعسكر وتحديدا في إفران. انتقلنا إلى تلك المدينة وواصلنا استعدادات كانت جد عادية، حيث لم يكن من الضروري خوضها في تلك المدينة. مرت بعض الأيام لنكتشف سبب اختيار إفران لخوض الاستعدادات، الأمر كان من اقتراح المرحوم عبد القادر الخميري، الذي كان يريد المكوث بالمدينة للبحث عن فرصة لقاء أحد المقربين من جلالة الملك لطلب تغيير مكان إجراء لقاء النهاية من سطات إلى الملعب الشرفي بالدار البيضاء. كان للخميري ما أراد، حيث وصل النبأ للملك الذي قام في أحد الأيام، وكنا مجتمعين في بهو الفندق، بالاتصال مباشرة بالمرحوم الخميري مؤكدا له أن التعليمات أعطيت لإجراء لقاء النهاية بالدار البيضاء. عند سماعه للخبر، لم ينتظر الخميري طويلا ليقرر رجوعنا إلى المحمدية لاستكمال الاستعداد.
كان التفاؤل يسود كل محيط الشباب بإمكانية إحراز الكأس أمام الوداد نظرا لتلك القوة التي كانت تميز كل صفوف الفريق. كنت متخوفا، بالرغم من ذلك، بسبب الإصابة التي كنت أعاني منها والتي عاودتني آلامها وفرضت علي التغيب عن كثير من مباريات البطولة الوطنية. وعندما حل يوم لقاء النهاية، اكتشفت أني لن أكون في كامل استعدادي البدني بسبب تلك الإصابة لخوض اللقاء. ومثل ما هي عادتي دائما، فضلت تجرع مرارة كل ذلك الألم الذي كانت تسببه لي تلك الإصابة في سبيل المشاركة في ذلك الحدث الكبير الذي يحضره الملك.
خلال تلك المباراة، أهم ما ستظل الذاكرة الرياضية تسجله وتحتفظ به هو ذلك العرض الكبير الذي قدمه الفريقان، وتلك اللوحات الفنية التي منحت للجميع الدليل على أن كرة القدم الوطنية يمكن أن تضاهي كل المستويات العالمية. كان لقاء كبيرا استمتع خلاله الجمهور الذي عاينه رغم انهزامنا بهدفين لهدف كنت سجلته برأسية جميلة لم تترك أي حظ للحارس بادو الزاكي.
خرج الفريقان بارتياح ملحوظ لما قدماه من عروض في المستوى. ولن أنسى أبدا تلك الكلمات الغالية التي رددها جلالة الملك، المرحوم الحسن الثاني، على مسامعي، بعد نهاية المقابلة، حين همس في أذني: «لا عليك يا فرس.. كون لعبتو بحال الربع ساعة الأخيرة كون ربحتو.. كنسمعو عليك غير الأخبار المزيانة.. الله يوفقك».
كان لتلك الكلمات المولوية وقع كبير على نفسيتي. لم تكن مجرد كلمات واستني وخففت من آثار ضياع الكأس فحسب، بل رأيت فيها كلمات تتويج.
ومباركة واعترافا من ملك البلاد بما قدمه مواطن عادي من خدمات لصالح الوطن، كانت تلك الكلمات عبارة عن وسام ملكي من نظير الوسام الذي يقدم عادة لمحارب استبسل في ساحة المعركة، وقدم حياته وروحه قربانا لبلده، لقد شكلت تلك الكلمات، بالنسبة لي، تتويجا حقيقيا أعظم من أي تتويج أو لقب آخر..لقد جعلتني أحس، بعد كل تلك المسيرة الكروية الطويلة التي عشتها، بأنني أديت مهمتي بنجاح. لن أنسى، في الحقيقة، تلك اللحظات المؤثرة وأنا أتسلق درجات المنصة الشرفية متجها نحو جلالته، كنت، مع كل خطوة أخطوها، أحس بأن الجماهير المغربية تكاد تخطف قلبي من بين أضلعي.. كنت أرمقها بنظراتي لأكتشف أن الجميع وقف تقديرا واحتراما للاعب من أبناء هذا الشعب العظيم.
لقد أكدت تلك الجماهير، وهي توجه إلي تحياتها بحرارة مطلقة، وأنا أتجه صوب المنصة الملكية، أن الجمهور المغربي يعرف كيف يبادل الوفاء بالوفاء والإخلاص بالإخلاص، والحب بالحب والتقدير بالتقدير.. لقد منحني الجمهور في تلك اللحظات وسام استحقاق وشهادة تؤكد نجاحي في أداء مهمتي عبر مسيرتي الكروية. كانت مجرد لحظات قصيرة، لكني عشت خلالها عمرا طويلا استحضرت فيه كل تفاصيل مسيرتي الرياضية بكل عناوينها ومحطاتها.
استرجعت فيه ذكريات طفل كان يلقب بـ«الكوشي ولد العاليا»، كان مطمحه أن يكون لاعبا متميزا في فريق حيه وهدافا موهوبا في فريق مدينته.. ثم قائدا ونجما في منتخب بلاده. عادت بي الذاكرة، حينها، إلى كل تلك المحطات المتنوعة والمختلفة والرائعة التي عشتها في مشواري مع الفريق الوطني.. في التصفيات الإفريقية وفي أدغال القارة وصعوبة مسالكها.. تذكرت كل الأهداف التي سجلتها.. تذكرت زملائي اللاعبين والمدربين والمسؤولين.. تذكرت ما رسمناه من سعادة وفرح.. وتذكرت المشاق والألم وحالات المرض والإصابات.. تذكرت وفاء زوجتي وأسرتي وتضحياتهم وسهرهم الليالي بكل انتظاراتها الصعبة..
تذكرت ما كان يردده أحد أساتذتي في أيام الدراسة، حين كان يقول: «سيكون لهذا الطفل، في يوم من الأيام، شأن عظيم بدون شك».
هذا التقدير، ومعه مثل تلك الكلمات المولوية الشريفة، يكفيني بل ويشرفني ويؤكد لي أني عشت، حقا، مشوارا كرويا ناجحا بكل المواصفات.. يحق لي الآن أن أرفع رأسي عاليا وأقف شامخا، لقد أديت مهمتي بنجاح.. وما تقدير الجمهور ووقوفه إجلالا لي، وما كلمات جلالته.. إلا برهان وتأكيد على نجاحي.




