
لا تقاس قوة الدول فقط بمؤشرات النمو الاقتصادي، بل تُقاس أيضا بقدرتها على حماية أرواح مواطنيها عندما تداهمها الكوارث الطبيعية دون سابق إنذار. وفي هذا الامتحان القاسي، راكم المغرب، خلال السنوات الأخيرة، تجربة لافتة في احتواء الكوارث الطبيعية بمختلف أصنافها، الفيضانات، الزلازل، الحرائق وموجات البرد القارس، ونجح في الحد من الخسائر البشرية رغم قساوة الظروف الطبيعية.
وأثبتت التجارب أن الكارثة، حين تقع، لا تمنح ترف الوقت ولا فرصة الخطأ، لذلك فإن المقاربة الاستباقية تكون ناجعة لاحتواء الوضع وتفادي الخسائر وسقوط ضحايا في الأرواح البشرية. وباعتماد هذه المقاربة، تمكن المغرب من تسجيل تطور ملحوظ في منظومة اليقظة والتدخل، سواء عبر تحديث أجهزة الإنذار، أو من خلال جاهزية السلطات المحلية، والقوات المسلحة الملكية ومختلف القوات العمومية، من درك ملكي وأمن وطني، وقوات مساعدة ووقاية مدنية، التي باتت تتحرك بتنسيق محكم كلما وقعت كارثة في أي منطقة جغرافية بالمغرب، ولاحظنا ذلك أثناء فاجعة زلزال الحوز وفي الفيضانات الأخيرة التي ضربت منطقة الغرب والقصر الكبير.
ما يلفت الانتباه، في هذه الحالات، ليس فقط حجم التدخل، بل سرعته ودقته، حيث تمكنت السلطات من إجلاء ساكنة مناطق مهددة بالفيضانات قبل أن تداهمها المياه، مع توفير أماكن الإقامة والتغذية للمواطنين، بالإضافة إلى تعبئة معدات لوجستية متطورة من أجل الوصول إلى مناطق وعرة، ما ساهم في تقليص عدد الضحايا، وعدم تسجيل ضحايا في الأرواح، طبقا للتعليمات الملكية، وهو معيار لا يقبل الجدل عند تقييم نجاعة السياسات العمومية في مجال تدبير المخاطر.
لكن، رغم النجاح النسبي في تقليل المخاطر والضحايا، فإن ذلك لا يعني اكتمال منظومة الوقاية من الكوارث الطبيعية، ما يستدعي الوقوف على نقاط القوة ومكامن الهشاشة، خاصة أن بعض المناطق القروية مازالت تعاني من هشاشة البنيات التحتية، فضلا عن أن خروقات التعمير مازالت متفشية بشكل خطير، ولاحظنا أن بنايات تم الترخيص لها فوق وديان ومجار مائية بالعديد من المدن، تعرضت للفيضانات، كما وقع بمدن بنسليمان والقنيطرة وآسفي.
هنا لا يمكن تحميل الطبيعة وحدها مسؤولية الخسائر، بل يتحملها أيضًا المسؤولون عن سوء التخطيط، والذين تساهلوا في منح رخص التعمير والبناء فوق مناطق مهددة بالكوارث الطبيعية، ولذلك حان الوقت من أجل الصرامة في تطبيق القانون.
لقد أبان المغرب عن قدرة متزايدة على الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق الاستباق، لكن الرهان الحقيقي اليوم هو ترسيخ ثقافة الوقاية كسياسة عمومية دائمة، لا كإجراء ظرفي مرتبط بلحظة الخطر، لأن في زمن التغيرات المناخية، لم تعد الكوارث استثناءً، بل احتمالًا دائمًا. والدول التي تنجح ليست تلك التي تمنع وقوع الكارثة، بل تلك التي تمنع تحوّلها إلى فاجعة إنسانية، والمغرب، بما راكمه من تجربة، يسير في هذا الاتجاه.
هذا النجاح يجب أن يكون دافعا إيجابيا نحو المزيد من اليقظة، وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.





