
لابد أن أشير إلى أن المنتخب التونسي كان يعتبر، في نظري، من أفضل المنتخبات الإفريقية في تلك الحقبة إلى جانب منتخب الجزائر. وكانت مواجهة الفريق الوطني لنظيره التونسي تتسم دائما بالندية والحماس، وتحضر فيها الفرجة والمهارة التقنية العالية.
من تعدد تلك المواجهات التي جمعتنا بالفريق التونسي، كنا (كلاعبين) نسجنا بيننا علاقات صداقة ومودة وتعارف لم تكن تؤثر فيها حرارة اللقاءات الكروية بيننا. وأظن أن الاحترام الذي كنا نكنه للكرة التونسية كان متبادلا من طرف الأشقاء التونسيين تجاه كرة القدم الوطنية.
أذكر هنا أنه بقدر ما كنا نسر لملاقاة الفريق التونسي في مثل تلك الإقصائيات، نظرا للتقنية التي كانت تميز أداء لاعبيه ونظافة طريقة لعبهم غير الخشنة، كنا نتأسف لكون أحد المنتخبين كان محكوما عليه بمغادرة الإقصائيات.
في هذا السياق جاء الدور الثاني حاملا مواجهة ساخنة بين الفريقين. أجرينا لقاء الذهاب بتونس يوم 27 أبريل من سنة 1969، بالمواصفات نفسها التي كانت تحملها عادة لقاءات الفريقين. لكن، هذه المرة، كانت الحرارة عالية جدا، فالأمر يتعلق بسباق نهائي نحو كسب بطاقة التأهل إلى كأس العالم.
انتهى اللقاء بدون أهداف، وفي لقاء الإياب، الذي احتضنه الملعب الشرفي بالدار البيضاء في ماي من السنة نفسها، لم يتمكن المنتخبان من التسجيل وخرجا بنتيجة الذهاب ذاتها.. بالرغم من المحاولات العديدة التي أتيحت لنا والحظ العاثر الذي وقف في وجهنا، فتقرر، مرة أخرى، إجراء لقاء فاصل بتاريخ 13 يونيو بمارسيليا الفرنسية. لا أعلم ما سبب اختيار بلد أوربي، لكن يبدو أن «الفيفا» كان هو متعهد مباريات تصفيات مونديال 1970.
في إطار التحضير للمباراة الفاصلة، باشر الاتحاد الدولي لكرة القدم مشاوراته مع الاتحادين المغربي والتونسي، اقترح مسؤولو الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم تاريخي 15 و18 يونيو، ومن باب العناد اعترض التونسيون وقدموا تاريخين مغايرين، غير أن الاتحاد الدولي حدد يوم الجمعة 13 يونيو 1969 موعدا للمباراة الحاسمة والفاصلة بفرنسا، ولقيادة المباراة تم تعيين الحكم الفرنسي كينا بدجان أحد أبرز الحكام في أوروبا آنذاك.
عرفت تشكيلة المنتخب الوطني المغربي بعض الغيابات المؤثرة، أبرزها غياب اللاعبين محمد الفيلالي وعلال بنقصو بسبب الإصابة، وكذا اللاعب إدريس باموس نتيجة الإرهاق، في وقت كثف المسؤولون بالجامعة التحضير تحت إشراف الكاتب العام المقتدر والذكي أحمد النتيفي والمدربين الفرنسي كليزو وعبد الله السطاتي، إضافة إلى الناخب الوطني قاسم القاسمي.
التشكيلة التي خاضت المواجهة كانت تضم: حميد الهزاز، عبد الله العمراني، مولاي إدريس الخنوسي، قاسم السليماني، بوجمعة أخريف، محمد المعروفي، جرير حمان، محمد مغفور، عبد الله التازي، سعيد غاندي وأحمد فرس.
وفي المقابل اختار التونسيون فريقهم ويتكون من: عتوكة، المغيربي، الدويري، حباشا، بنزرتي، توفيق، الجديدي، بلغيث، شمام، ديوا، الشايبي..
أجري اللقاء في أجواء متوترة على غرار منافسات السد، وبحضور جمهور جله من الجالية العربية في فرنسا، وتعاطف الجزائريون مع المنتخب المغربي لكون منتخب تونس أقصى فريقهم في المسار، وشجعوا منتخب بلادنا بحرارة وحماس.
انتهى اللقاء في عمره القانوني بالتعادل (2-2) سجل لمنتخب تونس الشايبي في الدقيقة الثانية وسجل مولاي إدريس هدف التعادل في الدقيقة 23، وأضاف حمان الهدف الثاني موقعا التفوق في الدقيقة 60، ولم يدرك التونسيون التعادل إلا في آخر أنفاس المباراة، بعدما حاول المدافع بوجمعة مراوغة مهاجم تونسي فأخذ منه هذا الأخير الكرة وأودعها في مرمى الهزاز.
وتنفيذا لقانون المسابقات آنذاك لم يحتكم الطرفان للشوطين الإضافيين بل انتقلا مباشرة إلى القرعة، حيث اعتمد الحكم الفرنسي قطعة نقدية وطلب اختيار عميدي الفريقين حبشا (تونس) وحمان (المغرب)، وقام بالعملية أمامهما في حضور مسؤولين عن الفريقين ضمنهم أحمد النتيفي، ولما سقطت القطعة أرضا وضع الحكم قدمه عليها، وتناولها محروسا من طرف الأمن الفرنسي.
وأمام هتاف وأفراح عناصر منتخب تونس الذين اتفقوا على ذلك عند إجراء القرعة لإثارة حماس الجمهور التونسي والضغط على الحكم الفرنسي، كان الأخير هادئا، إذ حمل القطعة النقدية والتحق بمستودع الملابس وبقي اللاعبون ومؤطروهم ينتظرون، ثم خرج معلنا فوز المغرب، ما خلف تأثيرا سلبيا على صحة المدرب الفرنسي كليزو الذي سقط مغشيا عليه، حيث خضع لتدخل طبي عاجل.
بعد تجاوز عقبة تونس، كان على المنتخب الوطني المغربي مواجهة منتخبي نيجيريا والسودان في دوري ثلاثي تقام مبارياته بنظام الذهاب والإياب، ما فرض على أحمد النتيفي ومن معه التحضير لمسار آخر، من أجل كسب الرهان ومواجهة المسالك الوعرة لضمان مقعد في مونديال المكسيك 1970.
في فاتح يوليوز 1969، عقدت «الكاف» اجتماعا بالقاهرة مثل المغرب فيه الكاتب العام للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، أحمد النتيفي، وكانت الغاية من الاجتماع برمجة مباريات الدوري الثلاثي الذي سيجمع المغرب والسودان ونيجيريا من أجل بطاقة واحدة للمونديال.
طلب ممثلا السودان ونيجيريا من «الكاف» تنظيم دوري مصغر في بلد محايد، على أساس مباراة واحدة، لكن النتيفي طالب بإجراء دوري ثلاثي ذهابا وإيابا في ملاعب المنتخبات المشاركة، وبرر طرحه بالاستناد إلى الجمهور وتساءل عن جدوى مباريات هامة في ملاعب محايدة يحرم منها الجمهور ويخسر فيها اتحاد الكرة مبالغ مالية عبارة عن مداخيل مباراتين.
واجه المنتخب المغربي نظيره النيجيري في الدار البيضاء وفاز بهدفين لواحد، وقعهما كل من الفيلالي وحمان، وبعد أسبوع انتقلت البعثة المغربية في اتجاه السودان بقيادة أحمد النتيفي ومدرب المنتخب المغربي الفرنسي الجنسية كي كليزو، الذي استعاد عافيته، وانتهت المباراة بالتعادل.
انهزم المنتخب المغربي ضد نيجيريا في الإياب بهدفين دون رد، قبل أن يفوز على السودان في الدار البيضاء بثلاثية نظيفة، جعلت المغرب يتصدر مجموعته بخمس نقاط وخلفه نيجيريا بأربع نقاط ثم السودان في المركز الثالث والأخير بثلاث نقاط، ليضمن المغرب تأهله للمونديال لأول مرة في تاريخه.
كان الاستعداد لهذا الحدث العالمي، في مرتفعات مدينة إفران، بتشكيلة ضمت خيرة لاعبي البطولة الوطنية، كان منتخبا محليا. سافرت بعثة منتخبنا الوطني، أواخر شهر مايو من سنة 1970، إلى ليون بالمكسيك، وهي مدينة داخلية تصل فيها درجات الحرارة إلى مستويات قصوى خلال فصل الصيف، وأقامت في الفندق نفسه الذي نزل فيه مشجعو منتخب ألمانيا الغربية. ظروف الإقامة كانت صعبة، لكن في تلك الفترة لم تكن اللجنة المنظمة توفر فندقا لكل منتخب، كنت تواجه إقامة يتقاسمها معك الجمهور أو أي شخص آخر حتى إذا تعلق الأمر بمشجعين قد تواجههم في اليوم الموالي.
اعتذر المدرب كليزو للملك الحسن الثاني مباشرة بعد تأهل المنتخب المغربي إلى نهائيات كأس العالم بالمكسيك سنة 1972، وبرر الاعتذار بنوبة قلبية داهمته فجأة، معززا ملتمس الاستقالة بشواهد طبية. قد نفهم هذا المطلب، لكن ما ذنب مساعده على مدار التصفيات عبد الله السطاتي، لا أحد فهم سر إبعاده عن المنتخب الذي كان يستعد للنهائيات في إفران قبل أن ينتقل إلى مارسيليا.. في وقت كان الفريق الوطني يقوم بتحضيراته في إفران على يد المدرب اليوغوسلافي فيدينيك.
كليزو هو أول مدرب أجنبي تعاقدت معه الجامعة لتدريب المنتخب المغربي، تولى مساعدته في مهامه المدرب عبدالله السطاتي، وهما من وضعا حجر الأساس لبناء منتخب مغربي مثل إفريقيا عبر التصفيات بمونديال المكسيك سنة 1970، حيث تم تعيين المدرب اليوغسلافي فيدينيك لتولي مهمة قيادة منتخب «الأسود» في المونديال المكسيكي. هو المدرب الذي قاد المنتخب الوطني المغربي خلال مونديال المكسيك 1970 وقاد أيضا منتخب الزايير خلال مونديال ألمانيا 1974 بعد إقصاء المغرب. الفرق بينهما أن كليزو كان يعتمد على الجانب البدني، فاللياقة البدنية، بالنسبة إليه، تصنع الانتصارات، أما فيدينيك فكان يحاول الجمع بين البدني والفني.
النتائج المحصل عليها في مونديال المكسيك مقبولة نسبيا إذا وضعناها في سياقها التاريخي، أي أنها أول مشاركة للفريق الوطني المغربي في نهائيات كأس العالم، وثانيا لأننا لعبنا مبارياتنا في مدينة ليون المكسيكية التي ترتفع عن سطح البحر بأزيد من 1800 متر. ولمن لا يعرف قصة رحيل المدرب اليوغوسلافي فإن الأمر لا يتعلق بإقالة بل باستقالة غير معلنة.





