
في مساء رباطي استثنائي، لم تنجح الأمطار المتساقطة في حجب وهج اللحظة، بل منحتها بعدا شاعريا نادرا. هكذا افتتح المغرب كأس أمم إفريقيا لكرة القدم، بحفل حمل أكثر من رسالة: رسالة تنظيم، وهوية، وقدرة على تحويل التحديات المناخية إلى لوحة جمالية مكتملة الأركان.
منذ الساعات الأولى لأول أمس الأحد، بدأ ملعب الأمير مولاي عبد الله بالرباط في استقبال جماهير كفضاء للفرجة الكبرى. المدرجات التي ضمت عشرات الآلاف من الجماهير بدت كبحر بشري متماسك، يواجه زخات المطر بالأعلام والأهازيج، في مشهد اختلط فيه صوت الطبول الإفريقية بنداءات الجماهير، بينما كانت الأضواء الكاشفة تشق عتمة السماء الملبدة بالغيوم.
رغم الأمطار، لم يتراجع الإيقاع. العروض الفنية انطلقت في توقيت مضبوط، حيث امتزجت الموسيقى الإفريقية الحديثة بالإيقاعات المغربية الأصيلة. رقصات فولكلورية، لوحات تعبيرية، ومقاطع موسيقية جسدت وحدة القارة وتنوعها الثقافي، فيما انعكست قطرات المطر على أرضية الملعب لتمنح المشهد لمعانا بصريا إضافيا، بدا وكأنه جزء من السينوغرافيا المعدة سلفا.
ولي العهد يخطف الأضواء
ترأس ولي العهد الأمير مولاي الحسن، حفل افتتاح النسخة 35 لنهائيات كأس أمم إفريقيا «المغرب 2025»، مساء أول أمس الأحد، بالمجمع الرياضي الأمير مولاي عبد الله بالرباط، والذي حضره غزالي هثماني، رئيس جمهورية جزر القمر، إلى جانب السويسري «جياني إنفانتينو»، رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، و«باتريس موتسيبي»، رئيس الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، إلى جانب كل من فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، ومحمد سعد برادة، وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، وفيصل العرايشي، رئيس اللجنة الوطنية الأولمبية المغربية، وسط حضور جماهيري غفير، وتخللت الحفل صور احتفالية بالثقافة المغربية الإفريقية، من خلال عرض فني وثقافي مبهر.
حفل موسيقي مبهر
انطلقت فعاليات بطولة كأس الأمم الإفريقية 2025 في الرباط، بحفل موسيقي متميز، بدأ بالمشاركة فيه ثلاثة من نجوم الموسيقى العالميين، ويتعلق الأمر بكل من «ريد وان»، «فرانش مونتانا»، و«دافيدو»، برعاية الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، وذلك، مساء أول أمس الأحد، بملعب الأمير مولاي عبد الله.
واعتبر العرض الموسيقي الأول، الذي أقيم تحت أمطار غزيرة، من أكثر لحظات الافتتاح إبهارا في تاريخ كأس الأمم الإفريقية، حيث جمع بين الموسيقى والإضاءة والحركة والرمزية، في أداء مُتقن ومصمم خصيصا للجمهور العالمي الذي تجاوز حدود القارة الإفريقية.
كما شارك في الحفل المغنية المغربية جايلان، ومواطنها يوسف أكديك الملقب بـ «لارتيست»، والمغنية «أنجليك كيدجو» من البنين، بأداء الأغنية الرسمية لبطولة «الكان» في عرض موسيقي مباشر، جمع ثلاثة عوالم موسيقية متميزة، ربطت بين موسيقى البوب المغربية الصاعدة، والأصوات العالمية التي تشكلت في أوروبا، والإيقاعات الإفريقية العريقة التي لاقت صدى واسعا في جميع أنحاء العالم لعقود.
وشكل حفل الافتتاح حدثا ثقافيا ورياضيا في آن واحد، سلط الضوء على الإبداع والثقة الإفريقية أمام ملايين المشاهدين حول العالم.
رقم قياس في الحفل
بثت المباراة الافتتاحية للنسخة 35 من نهائيات كأس أمم إفريقيا لكرة القدم «المغرب 2025»، التي جمعت المنتخبين المغربي وجزر القمر، عن أولى جولات دور المجموعات، في أكثر من 180 دولة حول العالم، بما في ذلك أسواق جديدة مثل اليابان وكوريا الجنوبية والمكسيك، بالإضافة إلى 18 دولة أوروبية، وتابعها أكثر من 60 ألف مشجع، أثثوا كل جنبات المجمع الرياضي الأمير مولاي عبد الله بالرباط.
واعتبر البث في أوروبا وآسيا والشرق الأقصى وأجزاء من أمريكا الشمالية والجنوبية، رقما قياسيا تجاوز به الرقم المحقق في نسخة 2023 بكوت ديفوار، التي وصلت إلى 1.5 مليار مشاهد عبر شاشات التلفزيون العالمية، ويرتقب أن تستمر البطولة الأبرز في إفريقيا في جذب جمهور عالمي متزايد باستمرار على مباريات «الكان» المقامة بالمغرب.
وكشف «الكاف» في تقرير نشره على موقعه الرسمي أن العالم سيشهد حدثا كرويا تاريخيا، عندما تبث «دازن» الرياضة الإفريقية لأول مرة في اليابان، بينما تحظى قنوات «زهيبو 8 تي في» و»كي بول» و«دوين تي في» في الصين بجمهور مشترك يتجاوز 500 مليون مشاهد، مضيفا أن عدد مشتركي شبكة «فانكود» في الهند يبلغ أكثر من 160 مليون مشترك، بينما توسع «كلارو وفوكس» نطاق البطولة ليشمل أمريكا الجنوبية والوسطى، بينما ستبث بطولة أمم إفريقيا لكرة القدم في جميع أنحاء إفريقيا على 60 قناة، 49 منها مجانية، مما يضمن وصولا غير مسبوق للجماهير في جميع أنحاء القارة، فضلا عن عدد من شركاء البث التابعين للاتحاد الإفريقي لكرة القدم.
تنظيم سلس ونجاح باهر
على المستوى التنظيمي، برز ولوج الجماهير إلى ملعب الأمير مولاي عبد الله كنقطة قوة لافتة، خاصة في ظل الظروف المناخية الصعبة. منذ الساعات الأولى التي سبقت انطلاق حفل افتتاح «الكان»، جرى اعتماد مخطط محكم لتنظيم الدخول، يقوم على توزيع الجماهير عبر بوابات محددة بحسب الفئات والتذاكر، مع توجيه مستمر من عناصر الأمن والمتطوعين. هذا التنظيم ساهم في تفادي الاكتظاظ، وضمان انسيابية الحركة، رغم الكثافة الجماهيرية وتهاطل الأمطار. كما تم تفعيل ممرات خاصة للشخصيات الرسمية والإعلاميين، إلى جانب تجهيز فضاءات مغطاة نسبيا لحماية الجماهير أثناء التفتيش الأمني. ورغم الضغط الكبير، تم احترام التوقيت، ودخل أغلب المشجعين إلى المدرجات قبل انطلاق العروض، في مشهد عكس جاهزية اللجان المنظمة وقدرتها على تدبير واحدة من أكثر لحظات البطولة حساسية.





