
يونس جنوحي
بوفاة الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال، قبل أيام، لم يعد هناك أي شاهد من المكتب الرئاسي الجزائري على ما مرت به العلاقات المغربية الجزائرية من تطورات وتحولات. توفي جميع الرؤساء السابقين للجزائر، من أحمد بن بلة وصولا إلى عبد العزيز بوتفليقة. حتى رئيسا المرحلتين الانتقاليتين في تاريخ البلاد، رحلا بدورهما عن الحياة.
غاب إذن كل الشهود المعنيين بالمراحل التي مرت منها العلاقات المغربية الجزائرية، سواء قبل استقلال الجزائر، أو بعد ذلك. والحمد لله أن الخارجية الأمريكية وثقت من خلال سفرائها في كل من الرباط والجزائر العاصمة، لما نقله هؤلاء الرؤساء السابقون معهم إلى قبورهم.
أحمد بن بلة مثلا، أول رئيس للجزائر المستقلة، أبان في تسعينيات القرن الماضي عن موقف غير متوقع، يخص المغرب. فقد أظهر بعضا من «التواطؤ» مع الرئاسة الجزائرية، رغم أنه كان مدركا أكثر من غيره أن سلسلة من الأخطاء الرئاسية، منذ عهده، كانت وراء تأزم العلاقات مع المغرب. ورغم ذلك، فإن الجانب المغربي لم يعر الأمر اهتماما، وفُسر حينها بأن الرجل يعاني في بلاده من ضغوط، وأنه يحفظ التوازنات مع رفاق الأمس، ليس إلا.
وعند وفاته في أبريل 2012، تحولت جنازة أحمد بن بلة إلى «تمرين في الأعراف الدبلوماسية»، وكرس الجزائريون لعادة الركوب على أي حدث لتوسيع الهوة. وبدل أن تصبح جنازة أحمد بن بلة فرصة لتحقيق تقارب بين البلدين، أصبحت مصدر توتر في العلاقات، بسبب إصرار البروتوكول الجزائري على وضع زعيم البوليساريو في الصف الأول مع رئيس الحكومة المغربي وقتها، عبد الإله بنكيران.
انسحب الوفد المغربي الرسمي من الجنازة، وبقي نعش بن بلة شاهدا على آخر المهازل التي غابت فيها الأخلاق واللياقة، وحتى ما يقتضيه الموقف من ترفع عن الخوض في نزاع كل الذين أذكوا ناره قد انتقلوا إلى دار الحق.
مع علي كافي، ثم اليامين زروال، عاد بعض الدفء إلى العلاقات المغربية الجزائرية في ثمانينيات القرن الماضي، لكنه لم يعمر طويلا. فرغم مبادرات الصداقة التي أظهرها الرجلان تجاه المغرب، إلا أن القرار النهائي اتُخذ خارج المكتب الرئاسي، في مقر آخر له علاقة بمكتب الدفاع.. وصارت العلاقات أسوأ مما كانت عليه سابقا، و«تُوجت» سنة 1994 بإغلاق الحدود ردا على قرار التأشيرة.
عبد العزيز بوتفليقة، الذي كان مغربيا ولم يتمالك نفسه كلما حضر إلى المغرب، وتصرف مثل المغاربة تماما كلما التقى بالملك، مات رمزيا أكثر من مرة، قبل أن تصدر وكالة الأنباء الجزائرية خبر وفاته رسميا.
بوتفليقة الذي لم يُظهر أي حركة ولم يوجه أي خطاب للجزائريين لسنوات متواصلة، لم يُحمل خارج القصر الرئاسي، إلا بعدما اشتعلت الشوارع قبل خمس سنوات مطالبة برحيله. ورغم النهاية المأساوية التي انتهى إليها سياسيا، يبقى بوتفليقة أقوى الشهود المحرجين للموقف الجزائري. حضر قبل استقلال بلاده، مع هواري بومدين، بن بلة، وبوضياف، وكلهم رؤساء سابقون للجزائر إلى اجتماعات قيادة الثورة الجزائرية في وجدة والناظور، وحتى في تطوان، معقل جيش التحرير المغربي في الشمال.
وبعد استقلال بلاده، حضر كواليس أول زيارة للملك الحسن الثاني وكان شاهدا على بداية الصداقة بين البلدين، قبل انفجار أزمة 1963 الحدودية.
حضر اجتماع 1966 المغلق للتداول في ترسيم الحدود، بصفته وزيرا للخارجية، وحضر سنة 1972، بالصفة نفسها، لترسيم الحدود الشرقية. وواكب جميع تطورات ملف الحدود مع المغرب.. رغم ذلك اضطر إلى مسايرة من أعادوه إلى الجزائر، بعد قرابة عشرين سنة قضاها «متجولا» و«غير مرغوب فيه» داخل الجزائر، بعد وفاة بومدين سنة 1979.
في سنوات سابقة، بالأبيض والأسود، كان أحد مسؤولي السفارة الأمريكية في الرباط، يكتب تقريرا عن زيارة رئيس جزائري سابق لدولة مغاربية في عز القطيعة مع المغرب.. واحتار الموظف الدبلوماسي في ترجمة عبارة قيلت خلال حوار يهم «تسوية» الخلاف.. فبعد أن سُئل الجزائري عن الهدف من زيارته؟ وهل من شأنها أن تساهم في «تسوية الخلاف»؟ أجاب: «نعم.. أنا هنا لتسوية الخلاف أرضا».
دار الزمن دورته، ولم يعش أولئك ليروا كيف أن ركائز الخلاف تبخرت إلى السماء، ولم تُتح لها فرصة ملامسة الأرض أصلا.





