
حاوره : النعمان اليعلاوي
في كتابه الجديد “حرب المصاحف”، يقتحم الكاتب والأنثروبولوجي المغربي محمد الناجي واحدة من أكثر القضايا حساسية وإثارة للجدل في الفكر الإسلامي، متناولاً تاريخ النص القرآني ومسار جمعه وتثبيته في صيغته الرسمية، من خلال مقاربة تاريخية وأنثروبولوجية تسعى إلى فهم العلاقة المعقدة بين المقدس والسلطة، وبين النص الديني والتحولات السياسية والاجتماعية التي رافقت نشأة الدولة الإسلامية.
الناجي، المعروف بأعماله التي اشتغلت على قضايا الدين والسلطة والعبودية والبنيات الاجتماعية في التاريخ الإسلامي، لا يقدم في هذا العمل قراءة وعظية أو سجالية، كما لا يطرح نفسه في موقع التشكيك في الأصل الإلهي للنص القرآني، بل يعلن منذ البداية أن هدفه الأساسي هو الفهم التاريخي لمسار تشكل المصحف، والبحث في الظروف الاجتماعية والسياسية التي أحاطت بعملية جمعه وتوحيده، وما رافق ذلك من صراعات وتوترات بين مختلف الفاعلين في المجال الديني والسياسي خلال القرون الإسلامية الأولى.
في هذا الحوار مع “الأخبار”، يتحدث محمد الناجي عن الدوافع الفكرية والشخصية التي قادته إلى تأليف هذا الكتاب، ويفسر اختياره لعنوان “حرب المصاحف” بما يحمله من حمولة تاريخية ورمزية، كما يتوقف عند إشكالية تعدد المصاحف والقراءات، والصراع بين جماعة القراء والسلطة السياسية الناشئة، والدور الذي لعبه توحيد المصحف في بناء الدولة الإسلامية وترسيخ مشروعها السياسي.
كما يناقش الناجي قضايا شائكة من قبيل النسخ والنسيان، وموقع عبد الله بن مسعود في تاريخ المصحف، وعلاقة النص المقدس بإنتاج السلطة، فضلاً عن ردود الفعل التي أثارها الكتاب بعد صدوره، والجدل الذي رافق بعض أطروحاته داخل الأوساط الأكاديمية والثقافية.
1ـ ما الذي دفعك إلى كتابة كتاب “حرب المصاحف” في هذا التوقيت بالذات؟
ـ يضطلع الدين اليوم بدور بالغ الأهمية، أو بالأحرى بدور محوري في الحياة السياسية في البلدان الإسلامية. وليس من قبيل الصدفة، أن يتم الحديث عن “عودة الدين”. ومعلوم أن القرآن يمثل صلب الدين، مما يجعله موضوعا أساسيا ومشروعا للبحث والتساؤل. لكن بعيدا عن هذه الاعتبارات الموضوعية، يرتبط هذا الكتاب بمساري الفكري والشخصي. اشتغلت في أعمال سابقة على قضية الإسلام والرق، والعبودية وتموضعها في العلاقات السلطوية، وركزت على تجلياتها في النص القرآني، كما حاولت تسليط الضوء على آليات الهيمنة على المرأة، ووصلت لمرحلة مساءلة النص المقدس ذاته في هذا العمل، وكشف كيفية تطوره عبر الزمن، ومعرفة الصراعات التي أحاطت به.
2ـ اخترت عنوانا صادما نسبيا هو “حرب المصاحف” ماذا تقصد تحديدا بكلمة حرب؟
ـ يرجع هذا العنوان الذي قد يبدو للوهلة الأولى أنه مستفز، إلى كلمة “قرآن” التي لا جمع لها في اللغة العربية من الناحية الصرفية اللغوية. وفي الوقت نفسه، للحقائق التاريخية التي تبين أن العنف كان عنصرا ملازما لمسار تشكل النص القرآني وتطوره؛ فقد كان في البداية عدة نسخ وقراءات للنص، قبل أن تفرض صيغة رسمية واحدة تحت مسمى المصحف العثماني في عهد الخليفة عثمان بن عفان. والقراء أنفسهم لم يكونوا مجرد رواة وحفظة للنص القرآني فحسب، بل كانوا محاربين وشاركوا في عدة معارك. وما ينبغي استلهامه من هذا العنوان هو حضور العنف بشكل كبير على امتداد المراحل التاريخية لجمع النص القرآني إلى حدود القرن الرابع الهجري بعد صدور كتاب ابن مجتهد حول القراءات السبع.
3ـ تؤكد في الكتاب أنك لا تنطلق من موقف وعظي ولا من موقف استفزازي، فما المنهج الذي اعتمدته في مقاربة هذا الموضوع الحساس؟
ـ لم تكن تساؤلاتي نتيجة مؤثرات خارجية، بل كانت نابعة من الداخل، ومن علاقتي بالمجال الديني ـ كمسلم ثقافياـ ويشاركني في هذه العلاقة العديد من المسلمين. هذا الكتاب يهدف إلى الفهم لا إلى الازدراء والنقد. كما أنني لا أسائل الأصل الإلهي للنص، لأني أعتبر هذا السؤال دون جدوى حاليا، لكن ما يبدو لي ذا أهمية أكبر هو تسليط الضوء على تطور هذا النص وبيان التصور السائد حوله. عرف النص القرآني مسارا تطوريا تخللته مجموعة من التحولات الجوهرية في المضمون والبنية، وبعبارة أخرى، الصيغة القرآنية الحالية هي نتاج بشري، أو بتعبير أدق هي نتاج اجتماعي تاريخي. وأعيد القول إن التركيز على هذا الإشكال ليس من أجل التنقيص ولكن من أجل تقديم مقاربة من وجهة نظر شخص مسلم منشغل بإشكالات مجتمعه وتحولاته.
هل تعتبر أن تاريخ المصحف ما زال مجالا يحتاج إلى مزيد من البحث الأكاديمي في العالم العربي؟
ـ لا شك أن القرآن يمثل جوهر تصورنا للعالم، فهو النص المركزي الذي تشكلت حوله الثقافة الإسلامية وبُنيت انطلاقا منه منظومات فكرية وقيمية واجتماعية وسياسية امتدت لقرون طويلة. ومع ذلك، فإن جزءا كبيرا من النقاشات الفكرية والنقدية التي عرفها التراث الإسلامي أو الدراسات المعاصرة ظل موجها في الغالب نحو الحديث النبوي ومنظومة الرواية، باعتبارها المجال الذي يُنظر إليه عادة باعتباره أكثر قابلية للمساءلة التاريخية والنقدية.
غير أن الموقع الأساسي للإيديولوجيا الدينية، إذا جاز التعبير، يوجد في النص المقدس نفسه، لأنه المصدر المرجعي الأعلى الذي تستمد منه مختلف التأويلات والقراءات شرعيتها. لذلك أعتقد أن البحث العلمي الجاد لا ينبغي أن يتوقف عند الهوامش أو النصوص التفسيرية المحيطة بالقرآن، بل ينبغي أن يتوجه أيضا إلى دراسة النص القرآني ذاته، وفهم الظروف التاريخية والاجتماعية والثقافية التي أحاطت بتشكله وتلقيه وتداوله عبر مختلف المراحل.
وأرى أن العالم العربي والإسلامي ما زال في بدايات هذا المسار المعرفي. فرغم وجود جهود مهمة قام بها باحثون ومؤرخون ومفسرون قديما وحديثا، فإن الكثير من الأسئلة المرتبطة بتاريخ المصحف ومسار تطور النص القرآني لا تزال تحتاج إلى المزيد من البحث والتدقيق والمقارنة بين المصادر والروايات المختلفة. كما أن عددا من القضايا ما زال يُتناول بحذر شديد بسبب حساسيتها الدينية والرمزية داخل المجتمعات الإسلامية.
ومن وجهة نظري، فإن دراسة تاريخ المصحف لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها تشكيكا في الدين أو انتقاصا من مكانة القرآن، بل باعتبارها سعيا إلى فهم أعمق لكيفية تشكل وعينا الديني والتاريخي. فكل نص مؤسس لحضارة ما يستدعي البحث في ظروف نشأته ومسارات تلقيه وتأويله عبر الزمن، وهذا ما يحدث في مختلف التقاليد الدينية والفكرية الكبرى في العالم.
إننا ما زلنا بحاجة إلى تراكم معرفي أكبر وإلى أبحاث أكاديمية أكثر جرأة ورصانة في الوقت نفسه، تعتمد أدوات التاريخ والأنثروبولوجيا واللسانيات وعلم الاجتماع، حتى نتمكن من بناء فهم أكثر دقة لمسار النص القرآني وتطوره التاريخي. فإعادة النظر هنا لا تعني الهدم أو النفي، بل تعني توسيع دائرة المعرفة وتعميق الفهم، لأن فهم النص نفسه وفهم تاريخه يظل شرطا أساسيا لفهم التحولات التي عرفتها المجتمعات الإسلامية، ولإدراك الكيفية التي تشكلت بها تصوراتنا الدينية والثقافية إلى اليوم.
ـ تطرح سؤالا مركزيا في الكتاب: من يملك النص؟ لماذا ترى أن هذا السؤال أهم من سؤال جمع القرآن نفسه؟
ـ لأن سؤال جمع القرآن، على أهميته، يبقى في نظري جزءا من سؤال أوسع وأعمق يتعلق بمن امتلك سلطة تحديد النص الرسمي ومنحه الشرعية وفرضه على الجماعة. فعملية الجمع لم تكن مجرد عمل تقني يهدف إلى حفظ الوحي من الضياع، بل كانت أيضا عملية سياسية ومؤسساتية ترتبط ببناء السلطة وتنظيم المجال الديني داخل الدولة الإسلامية الناشئة.
لقد كان الهدف الأسمى من جمع القرآن هو التملك المؤسسي للنص وإعادة ضبطه داخل إطار سلطة موحدة تحتكر حق تعريف المقدس وتحديد صيغته المعتمدة. لذلك فإن السؤال الحقيقي لا يقتصر على معرفة كيف جُمع القرآن، بل يتجاوز ذلك إلى التساؤل حول الجهة التي امتلكت حق الاختيار بين الصيغ المختلفة الموجودة آنذاك، والآليات التي مكنتها من تحويل إحدى هذه الصيغ إلى المرجع الوحيد الملزم للجميع.
ففي تلك المرحلة كانت هناك مصاحف متعددة مرتبطة بعدد من كبار القراء، مثل عبد الله بن مسعود وأبيّ بن كعب وغيرهما. ولم تكن هذه المصاحف مجرد نسخ متطابقة، بل كانت تعكس تقاليد قرائية ونصية مختلفة نشأت في سياقات متنوعة. ومن هنا تبرز أهمية السؤال السياسي؛ إذ لم يكن من الممكن اعتماد مصحف أحد هؤلاء القراء باعتباره النص الرسمي للدولة، لأن ذلك كان سيؤدي إلى نشوء موازين قوى مختلفة وإلى منح شرعية رمزية ودينية لدوائر اجتماعية وسياسية معينة على حساب أخرى، وهو ما لم تكن النخبة القرشية الحاكمة مستعدة لقبوله.
ومن هذا المنطلق، فإن عملية جمع القرآن لم تكن منفصلة عن مشروع بناء الدولة وتوحيد مرجعيتها الدينية. لقد جرى الانتقال من وضع كانت فيه السلطة على النص موزعة نسبيا بين جماعات القراء وحملة الوحي، إلى وضع أصبحت فيه الدولة هي الجهة التي تمتلك النص وتحدد حدوده وصيغته المقبولة. ولهذا أقول إن جوهر المسألة لا يكمن فقط في جمع القرآن، بل في الكيفية التي انتقل بها النص من فضاء تعددي إلى فضاء مركزي خاضع لسلطة سياسية موحدة.
وتشير المصادر التراثية نفسها إلى أن الخلفاء تحدثوا عن النص بوصفه غير موحد في الأصل، وهو ما استدعى، بحسب تصورهم، تدخلا حاسما لتجميعه وإعادة ترتيبه في صيغة واحدة. وقد قُدِّمت هذه العملية باعتبارها عملا غير مسبوق، لكن أهميتها الحقيقية تكمن في أنها أسست لأول مرة لاحتكار مؤسساتي للمقدس، بحيث أصبحت السلطة السياسية هي المرجع النهائي في تحديد النص الشرعي الذي يجب أن يُتلى ويُعلَّم ويُنقل للأجيال اللاحقة.
لذلك فإن سؤال “من يملك النص؟” يسمح لنا بفهم العلاقة العميقة بين الدين والسلطة، وبين إنتاج الشرعية السياسية وإنتاج الشرعية الدينية. وهو، في تقديري، أكثر قدرة على تفسير التحولات التي عرفها تاريخ المصحف من الاكتفاء بالسؤال التقني المرتبط بعملية الجمع وحدها.
6ـ إلى أي حد كان توحيد المصحف في نظرك قرارا سياسيا إلى جانب كونه قرارا دينيا؟
في المرحلة الفضة الأولى للمقدس، أي خلال المرحلة النبوية التي شهدت نزول النص القرآني، كانت هناك عدة مصاحف، ولم يكن من الممكن أن يوجد مصحف واحد فقط بحكم طبيعة ظروف الوحي نفسها. فقد كانت تلك المرحلة الانتقالية محكومة بانتقال الكلمة الإلهية الموحى بها إلى تجلياتها الإنسانية، وهي تجليات بالضرورة متحركة، ومتغيرة. ولم يكن بإمكان مرحلة تعدّد هذه التجليات الإنسانية للوحي أن تستمر إلا في حياة النبي. ومع وفاته، تقدم البعد السياسي مدعيا الشرعية بوصفه الناطق باسم المقدس، فتولى زمام الأمور وامتلك النص عبر فرض نسخة واحدة للمصحف دون غيرها. وبعبارة أخرى، إن الكلمة الإلهية حين تجلت في بعدها الإنساني ظهرت متعددة الصيغ، بينما كلمة السلطة السياسية لا تقبل الشراكة أو المنافسة؛ إذ إن النص القرآني الرسمي الذي تبنته السلطة لا يتيح وجود بدائل أو منافسين له.
7ـ هل يمكن الحديث عن علاقة جدلية بين بناء الدولة الإسلامية الناشئة وتثبيت المصحف الرسمي؟
ـ بالتأكيد، فمن الصعب، في تقديري، الفصل بين مسار تثبيت المصحف الرسمي وبين عملية بناء الدولة الإسلامية في مراحلها الأولى. فالدول، خصوصا في لحظات التأسيس، تحتاج إلى مرجعيات موحدة تؤطر المجال السياسي والاجتماعي وتمنح السلطة شرعيتها، والدولة الإسلامية الناشئة لم تكن استثناء من هذه القاعدة التاريخية.
كما ذكرت سابقا، فإن توحيد النص القرآني وإقراره بصيغته الرسمية يعد فعلا سياسيا بامتياز، ارتبط ارتباطا وثيقا بمشروع بناء الدولة وتكريس سلطتها المركزية. فالقرآن لم يكن مجرد نص ديني يُتلى في الشعائر، بل كان يمثل المرجعية العليا التي تستند إليها الجماعة الجديدة في تنظيم شؤونها وتحديد قيمها ومبادئها العامة. ومن هذه الزاوية يمكن اعتباره بمثابة الدستور الرمزي والسياسي للدولة الإسلامية في طور التشكّل.
لقد كانت مرحلة ما بعد وفاة النبي مرحلة انتقالية دقيقة، اتسمت بتوسع المجال الإسلامي جغرافيا وبروز تحديات سياسية واجتماعية جديدة. وفي ظل هذا التوسع، لم يعد ممكنا ترك المجال مفتوحا أمام تعدد المصاحف والصيغ المختلفة للنص، لأن ذلك كان من شأنه أن ينعكس على وحدة الجماعة نفسها وعلى استقرار السلطة المركزية. ولهذا أصبح توحيد المصحف جزءا من عملية أوسع تهدف إلى توحيد المجال السياسي والديني في آن واحد.
ومن هنا يمكن الحديث عن علاقة جدلية بين النص والدولة؛ فالدولة احتاجت إلى نص موحد يمنحها الشرعية ويضمن وحدة المرجعية الدينية داخل المجال الذي تحكمه، وفي المقابل ساهمت الدولة نفسها في تثبيت هذا النص وإضفاء الطابع الرسمي عليه ونشره وفرضه باعتباره المرجع الوحيد المشروع. أي أن كلا الطرفين عزز الآخر: النص منح الدولة شرعيتها الرمزية، والدولة منحت النص سلطته المؤسسية وهيمنته داخل المجتمع.
كما أن اعتماد مصحف رسمي واحد لم يكن مجرد قرار ديني أو فقهي، بل كان يحمل أبعادا سياسية واضحة تتعلق بإدارة الاختلاف وضبط المجال العام ومنع ظهور مراكز دينية متنافسة قد تستند إلى مصاحف أو روايات مختلفة. فوجود نص موحد كان يعني، في الوقت نفسه، وجود سلطة موحدة تتحدث باسمه وتدّعي تمثيله.
لذلك أرى أن تاريخ المصحف لا يمكن فهمه بمعزل عن تاريخ الدولة الإسلامية المبكرة. فعملية بناء السلطة السياسية وعملية تثبيت النص الرسمي كانتا تسيران جنبا إلى جنب، وتشكلان جزءا من مشروع واحد هدفه إنشاء جماعة سياسية ودينية موحدة، تمتلك مرجعية واحدة وتخضع لسلطة مركزية واحدة. ومن هذا المنظور يصبح توحيد المصحف أحد أبرز التعبيرات عن انتقال الوحي من مرحلة التعدد المرتبطة بسياق نزوله وتلقيه الأول إلى مرحلة التنظيم السياسي والمؤسساتي التي رافقت نشأة الدولة الإسلامية.
8ـ كيف تفسر الصراع الذي عرضته بين السلطة السياسية وسلطة القراء وحفاظ القرآن؟
ـ كانت جماعة القراء موجودة بالفعل في عهد النبي، وهذه هي التسمية التي كانت تطلق عليهم، ونشأت بفعل الوحي ذاته بوصفها حافظة للنص المقدس وضامنة لاستمراره. وكانت الاختلافات في صيغ النص موجودة داخل هذه الجماعة وتمثلت في شكل مصاحف متعددة. وتشير الروايات إلى أن عددا محدودا جدا من “الصحابة السياسيين”، من بينهم خلفاء، كانوا يحفظون القرآن عن ظهر قلب (عثمان بن عفان، والمأمون). وقد أعاد هؤلاء لاحقا امتلاك النص عبر امتلاكهم للسلطة. ومن هنا ينبع الصراع بينهم وبين القراء، كتعبير عن تعارض بين مقدس متعدد التجليات في صيغ نصية مختلفة، وبين سلطة سياسية تسعى إلى احتكار الوحي وتوجيهه لصالحها عن طريق العنف.
9ـ ما أبرز الفروق التي تتحدث عنها المصادر التاريخية بين المصاحف الأولى؟
ـ تشير المصادر التاريخية الإسلامية إلى وجود اختلافات بين المصاحف الأولى، لكن ينبغي فهم هذه الاختلافات في سياقها التاريخي وظروف نشأة الوحي وتبليغه. فالنبي كان يؤدي مهمة شديدة التعقيد تتمثل في نقل الوحي الإلهي إلى لغة بشرية مفهومة وقابلة للتلقي من طرف جماعة بشرية محددة، لها ثقافتها وأعرافها وطرائقها الخاصة في الفهم والتعبير. ولذلك فإن عملية تلقي النص في بداياتها لم تكن عملية جامدة أو ميكانيكية، بل كانت عملية حية ومتحركة ارتبطت بظروف التبليغ والتعليم والحفظ الشفهي.
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم عدد من الاختلافات التي تتحدث عنها المصادر القديمة بين المصاحف الأولى. فبعضها يرتبط باختلافات في الصياغة أو الترتيب أو في بعض المفردات التي كانت تعبر عن المعنى نفسه بطرق متقاربة، فيما يرتبط بعضها الآخر بظروف التلقي الشفهي للنص وانتشاره بين جماعات مختلفة من المسلمين الأوائل. وينبغي التذكير هنا بأن الثقافة العربية في تلك المرحلة كانت ثقافة يغلب عليها الطابع الشفهي، وكان الحفظ والرواية الشفوية يشكلان الوسيلة الأساسية لتداول النصوص ونقلها.
وأعني هنا ما يمكن تسميته بمرحلة التلقي الأولي للوحي، وهي المرحلة التي وصفها الحسن البصري بما يشبه “القراءة الأولى”، أي القراءة التي كانت أقرب إلى روح الرسالة ومعانيها الأساسية قبل أن تخضع لاحقا لعمليات الضبط والتقنين والتوحيد التي عرفها النص في المراحل اللاحقة. ففي تلك المرحلة المبكرة لم يكن النص قد استقر بعد في شكل نهائي ومغلق، بل كان يعيش ضمن سياق اجتماعي وتواصلي متحرك.
كما أن المصادر التراثية تتحدث عن مصاحف ارتبطت بأسماء عدد من كبار القراء والصحابة، مثل عبد الله بن مسعود وأبيّ بن كعب وغيرهما، وهو ما يعكس وجود تقاليد قرائية مختلفة داخل المجتمع الإسلامي الأول. ولم تكن هذه الاختلافات تعني بالضرورة وجود نصوص متناقضة أو متعارضة جذريا، بقدر ما كانت تعكس تعدد أشكال تلقي الوحي وتناقله في مرحلة سابقة على توحيد المصحف الرسمي.
ومن وجهة نظري، فإن أهمية هذه الاختلافات لا تكمن فقط في طبيعتها اللغوية أو النصية، بل في ما تكشفه عن تاريخ تشكل النص القرآني نفسه. فهي تتيح لنا فهم الكيفية التي انتقل بها القرآن من مرحلة التعدد المرتبطة بظروف النزول والتبليغ الأولى إلى مرحلة التوحيد والتقنين التي قادتها السلطة السياسية لاحقا. لذلك فإن دراسة هذه الفروق لا تهدف إلى التشكيك في النص، وإنما إلى فهم مساره التاريخي وتحولاته والظروف الاجتماعية والسياسية التي أحاطت بتطوره عبر الزمن.
10ـ لماذا انتقل المسلمون، بحسب أطروحتك، من مرحلة تعدد المصاحف إلى مرحلة تعدد القراءات؟
ببساطة، قبل مصحف عثمان بن عفان كانت توجد بالفعل صيغ متعددة عُرفت باسم المصاحف. ثم، عندما تمّ إقرار هذا المصحف وتثبيته وفرضه من طرف الدولة، لم يُسمح بعد ذلك إلا بالاختلافات في مستوى النطق أو الأداء القرائي للصيغة الرسمية المعتمدة. أمّا القراءات التي كانت تتضمن مفردات مختلفة عن نصّ المصحف فقد اعتُبرت قراءات شاذة.
11ـ هل اختفى التعدد فعلا بعد المصحف العثماني أم جرى فقط تأطيره وتنظيمه؟
لم تختف هذه الاختلافات، لكنها وُضعت في موقع الإدانة، وتعرض القرّاء الذين يتمسّكون بها في كثير من الأحيان للتهديد ولأشكال من العنف، بل وأحيانًا لتهديدات بالقتل. كما تمّ إحراق المصاحف القديمة.
12ـ كيف تحدد السلطة الدينية أو السياسية ما قراءة صحيحة وما هي القراءة الشاذة؟
كتلخيص، القراءة الشاذة هي التي لا تتوافق مع ألفاظ المصحف الرسمي المعتمد. ومع مرور الزمن، تضاءل نطاق القراءات المقبولة والشرعية تدريجيًا، إلى أن حُصرت في عدد محدّد يُشار إليه بالقراءات السبع. وهكذا أصبح هناك مصحف واحد، في مقابل قراءات مختلفة لا تتعدّى اختلافات في النطق والأداء، دون أن تمسّ نصّ المصحف نفسه.
13ـ حول الشخصيات التاريخية. خصصت حيزا مهما لعبد الله بن مسعود لماذا اعتبرت شخصيته مفتاحا لفهم تاريخ المصحف؟
ـ يُمثّل عبد الله بن مسعود نموذج القارئ الذي أنتجه المجال المقدّس. وهو، إضافة إلى ذلك، ذو أصول اجتماعية متواضعة، وقد ارتبط نجاحه بقربه من النبي وبوفائه للوحي النبوي. ويُظهر الفصل الأول، نقيض شخصيته الأرستقراطي القرشي الوليد بن عقبة والي الكوفة وأخو عثمان، مما يعكس الصراعَ الاجتماعي الطبقي الذي كان القرآن ذاته موضوعًا له.
ـ 14ـ هل كان الخلاف بين عبد الله بن مسعود وعثمان بن عفان خلافا نصيا أم صراعا حول الشرعية والسلطة؟
ـ اختلافات حول النص وآليات امتلاكه، ومن ثمّ اختلافات ذات طابع سياسي، إذ كان منصب الخلافة في مواجهة مع جماعة القُرّاء. وقد أشرتُ في هذا السياق إلى نماذج مثل أبي ذرّ الغفاري والأعمش.
15ـ لماذا اخترت مدينة الكوفة كنقطة انطلاق لسرد هذه الحكاية التاريخية؟
ـ لأن هذه المدينة هي نتاجُ التوسّع الإسلامي الذي نشأ عن الوحي، وعن أساليب نقله وتبليغه، وعن دوره في الفتوحات. وفي هذه المدينة واجه القُرّاءُ أسياد قريش كالوليد وسعيد بن العاص الذي لعب دورا أساسيا في لجنة جمع القرآن التي عينها عثمان.
16ـ كيف تقرأ مفاهيم النسخ والنسيان في القرآن من منظور تاريخي واجتماعي؟
لقد شكّل سياقُ الوحي، وما رافق عملية نقل النصّ المقدس من صعوبات، وما نشأ عنه من توترات وتناقضات وصراعات اجتماعية، أرضيةً لظهور اختلافات في صيغ التعبير عن الوحي. وفي هذا السياق، تبلور مفهوم «النسخ» بوصفه آليةً تفسيرية لتبرير هذه التعديلات النصّية وتعدّد صيغها، ثم ما لبث أن غدا، مع تدوين المصحف الرسمي، أداةً لإضفاء الشرعية على التحوّلات التي استُدعي إدخالها على النص لأسباب مختلفة.
17ـ تستعمل مفهوم “تعدد الأصوات” في الحديث عن الوحي. ماذا تقصد بهذا المفهوم تحديدا؟
ـ لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال في جملة واحدة، وقد تحدثت عنه بشكل مفصل في الكتاب. غير أن هذه العبارة تعني أن النص القرآني يمثل بيانا يعكس التطلعات الحضارية للمجتمع العربي في تلك الحقبة.
18ـ حول الجدل والاستقبال. هل تخشى أن تُفهم بعض أطروحات الكتاب على أنها تشكيك في قدسية القرآن، رغم تأكيدك العكس؟
هذه المسألة لا أطرحها على نفسي كليا، ونعرف أن اليوم، في العالم الإسلامي المعاصر يعد التشكيك في الطبيعة الإلهية للنص أمرًا غير مقبول بتاتا. في الواقع لم أقل شيئًا يتجاوز ما أورده كبار المفسّرين المسلمين للنص القرآني، فهم يتحدثون عن «المصاحف» دون أي حرج أو تحفظ.
19ـ بعد صدور حرب المصاحف، ما أبرز ردود الفعل أو الانتقادات التي فاجأتك، وما النقاش الذي كنت تأمل أن يفتحه الكتاب داخل المجتمع والجامعة؟
ـ تنشأ ردود الفعل الدوغمائية غالبا عن الجهل، حتى قبل الاطلاع على محتوى الكتاب. أما المؤمنون المتوازنون الواثقون، الذين يطلعون ويقرؤون، يدركون أهمية اختلاف الآراء وتقبل النقاش، وهؤلاء هم الذين أهتم بالحوار معهم.
20ـ هل ترى أن الخوف من طرح أسئلة تاريخية حول القرآن يضر بالمعرفة أكثر مما يحمي الإيمان؟
ـ لا شكّ في ذلك، غير أن الأمر يُعدّ طبيعيًا في سياقٍ تُحدث فيه التحوّلات الاجتماعية زعزعةً للمنظومة الدينية وتعاليمها. كما أن إعادة النظر في المبادئ والقواعد الدينية تُعدّ من العوامل التي تفسّر ردود الفعل الرافضة للنقاش، والامتناع عن مساءلة النص المقدس.
22ـ ما الذي يمكن أن يتعلمه المسلم المعاصر من “حرب المصاحف” لفهم علاقة الدين بالسلطة اليوم؟
ـ ببساطة، أنه حينما يتم التحكم في المقدس يصبح مُسخرا لخدمة السلطة، ويغدو أحد أسس شرعيتها. وهو ما سعيتُ إلى بيانه سابقا في كتاب ” العبد والرعية”.
+++++
الناجي في أسطر
محمد الناجي كاتب وأنثروبولوجي مغربي، يُعد من الأسماء البارزة في حقل الأنثروبولوجيا السياسية ودراسة المجتمعات الإسلامية من منظور تاريخي ونقدي. اشتغل على قضايا الدين والسلطة وبناء الدولة في السياق الإسلامي، مع اهتمام خاص بآليات إنتاج الشرعية وتداخل المقدس مع البنيات الاجتماعية والسياسية. يتميز مساره الأكاديمي بجرأة بحثية لافتة في مقاربة موضوعات حساسة، تجمع بين التحليل الأنثروبولوجي والقراءة التاريخية للنصوص والمؤسسات.
أصدر الناجي عددا من الأعمال الفكرية التي رسخت حضوره في النقاش الأكاديمي، من بينها كتاب “الإسلام والرق” الذي تناول فيه علاقات العبودية بالبنيات الاجتماعية في التاريخ الإسلامي، وكتاب “العبد والرعية” الذي بحث في تشكل علاقات السلطة والهيمنة في المجتمعات الإسلامية التقليدية. كما عرف بكتابه الجديد “حرب المصاحف” الذي يطرح فيه أسئلة حول تاريخ تشكل النص القرآني وعلاقته بمسارات السلطة السياسية في الدولة الإسلامية الناشئة، من خلال مقاربة أنثروبولوجية تسعى إلى تفكيك البنى التاريخية المحيطة بالمقدس.
ويواصل محمد الناجي من خلال أعماله فتح نقاشات فكرية واسعة حول علاقة الدين بالتاريخ والسياسة، معتمدا على أدوات العلوم الاجتماعية في قراءة التراث الإسلامي. وقد أثارت كتاباته نقاشا واسعا داخل الأوساط الأكاديمية والثقافية، نظرا لاقترابها من مناطق حساسة في التفكير الديني، في محاولة لإعادة طرح أسئلة التاريخ والسلطة والمعنى ضمن سياق بحثي مفتوح على التأويل والنقاش العلمي.





