
إعداد وتقديم: سعيد الباز
شكّلت الهزائم والنكبات الكبرى جزءا هاما من التاريخ الأدبي. فعلى مستوى الأدب العربي مثلت نكبة 1948 وبعدها نكسة 1967 إحدى مراحل تطوره في كل أبعاده الفنية والتاريخية، وأفضت، بالتالي، إلى إنتاج العديد من الأعمال الأدبية المتنوعة ما بين استشرافها وتوقعها من بعيد أو طرح أسئلة نقدية ومغايرة تبحث عن سبل المقاومة وأشكالها المختلفة.
غسان كنفاني.. الوطن صناعة للمستقبل
صدرت رواية «عائد إلى حيفا» لغسّان كنفاني سنة 1969 عقب النكسة الثانية لما تبقى من أرض فلسطين متأثرة بكل الأحداث المترتبة عنها. تتناول الرواية أطوار ما بعد النكبة الأولى لسنة 1948 وعودة زوجين فلسطينيين (سعيد وصفية) في رحلة إلى الجذور إلى مدينتهما حيفا المحتلة بحثا عن بيتهما وابنهما خلدون، الذي ضاع منهما، والذي كان رضيعا أثناء الهجوم الصهيوني الوحشي على المدينة.
يكتشف سعيد، بعد العثور على بيته، أن أسرة من المستوطنين الصهاينة لم تكتف بالاستيلاء على بيته بل تبنت ابنه خلدون و«سمته دوف». سيتضح، من خلال الحوار الذي سيدور بين الأب وابنه، أن الأب لم يفقد فقط البيت وأرضه بل فقد ابنه، يخاطبه ابنه قائلا: «-أنا لم أعرف أن مريام وإفرات ليسا والدي إلّا قبل ثلاث أو أربع سنوات، منذ صغري وأنا يهودي. أذهب إلى الكنيس وإلى المدرسة اليهودية وآكل الكوشير وأدرس العبرية. وحين قالا لي إنني لست من صلبهما، لم يتغيّر أي شيء، وكذلك حين قالا لي، بعد ذلك، أن والدي الأصليين هما عربيان لم يتغيّر أيّ شيء… ذلك شيء مؤكد أن الإنسان هو في نهاية الأمر قضية… إنني في قوات الاحتياط الآن، لم يقدر لي خوض معركة مباشرة إلى الآن لأصف لك شعوري، ولكن ربما في المستقبل أستطيع أن أؤكد لك مجددا ما سأقوله الآن: إنني أنتمي إلى هنا، وهذه السيدة هي أمي، وأنتما لا أعرفكما ولا أشعر إزاءكما بأيّ شعور خاص». فكان ردّ الأب:
-لا حاجة لتصف لي شعورك في ما بعد، فقد تكون معركتك الأولى مع فدائي اسمه خالد، وخالد هو ابني، أرجو أن تلاحظ أنني لم أقل إنّه أخوك، فالإنسان كما قلت قضية، وفي الأسبوع الماضي التحق خالد بالفدائيين… أتعرف لماذا أسميناه خالد ولم نسمه خلدون؟ لأننا كنا نتوقع العثور عليك، ولو بعد عشرين سنة، ولكن ذلك لم يحدث، لم نعثر عليه… ولا أعتقد أننا سنعثر عليك».
يتّجه تفكيره أخيرا إلى ابنه الثاني خالد الذي كان الأب يرفض أن يلتحق بالحركة الفدائية، فيقول لزوجته صفية متمنيا في آخر جملة من الرواية: «أرجو أن خالد قد ذهب… أثناء غيابنا. تنتهي الرواية إلى تصحيح مفهوم الوطن والعودة، فالوطن قضية ليس استعادة للذكريات بل هو صناعة للمستقبل، أو على حد قول سعيد: «لقد أخطأنا حين اعتبرنا الوطن هو الماضي فقط، أمّا خالد فالوطن عنده هو المستقبل».
في رواية «عائد إلى حيفا» نجد غسان كنفاني يرسم، من خلال أحداثها المأساوية في الفقد والشتات التي يعيشها الفلسطينيون في ظل الاحتلال، وعيا جديدا بدأ يتطور وينمو بعد هزيمة 1967. هذا الوعي الذي تأسس على محاكمة الذات وإعادة النظر كلية في مفهوم العودة ومفهوم الوطن. فبطل الرواية، العائد إلى الرواية الذي ترك فيها ابنه، سيكتشف أن الإنسان في نهاية المطاف قضية، وأنّ فلسطين المحتلة لم تعد أرضا لاستعادة الذكريات، لكنّها تحديدا هي لصناعة المستقبل.
رضوى عاشور.. في معنى النكبة
رواية «الطنطوريّة» للروائية المصرية رضوى عاشور سميت بهذا الاسم نسبة إلى قرية الطنطورة الواقعة على الساحل الفلسطيني جنوب حيفا، تعرضت هذه القرية عام 1948 لمذبحة على يد العصابات الصهيونية. تتناول الرواية هذه المذبحة كمنطلق وحدث من الأحداث الرئيسية، وتتابع الرواية حياة عائلة اقتلعت من القرية وحياتها عبر ما يقرب من نصف قرن إلى الآن مرورًا بتجربة اللجوء في لبنان. بطلة الرواية امرأة من القرية يتابع القارئ حياتها منذ الصبا إلى الشيخوخة. رواية «الطنطورية» تمزج في نسيجها الروائي بين الوقائع التاريخية والإبداع الأدبي.
في مستهل الرواية، وقبل الأحداث المؤلمة التي ستشهدها قرية الطنطورية، تروي الساردة: «… لم أكن أعرف كلّ التفاصيل، ماذا حدث في حيفا يوم كذا، وكم قتيل راح من برميل البارود الذي دحرجه المستوطنون على جبل الكرمل في شارع كذا، وأي قرية داهموا في الليل بيوتها وسكبوا الكيروسين على مونتها من طحين وعدس وزيت وزيتون، وأطلقوا الرشاشات على أهلها، ولكنني كباقي صبايا البلد كنت أعرف أن الوضع خطير، لا لأننا كنّا نسمع بعض ما يتردد على لسان الأهل فحسب، بل لأنّ شيئا ما في الهواء كان مستنفرا وعلى وشك. على وشك ماذا؟ لا نعرف.
تكاد مضافة البلد لا تخلو من لقاءات الرجال، يطيلون السهر فيها إلى ساعات متأخرة من الليل. وأحيانا يوقظنا أبي من النوم ليطلب إعداد لقمة وفراش للضيوف: «تأخر الوقت. سيمضون الليلة عندنا. قدّمن ما قُسم للعشاء، وبكرن في الصبح لإعداد إفطار لأنّهم على سفر». فنعد عشاء سريعا، ونعدّ الفراش، ونبكّر في الصباح لنقدّم إفطارا للرجال المسافرين. لابد أن أبي ورجال القرية علموا بقرار التقسيم في حينه وكانوا في اجتماعاتهم تلك يتدبرون أمرهم في كيفية مواجهاته. (كان خط الساحل من جنوب عكا إلى جنوب يافا بما فيها قريتنا يدخل بعد التقسيم…)، ولكنني لا أذكر أنني سمعت به أو أن الموضوع كان مثارا بين نساء البلد وأقراني من الصبايا. كان الخبر الأول الذي نبّهني هو ما حدث في حيفا في نهاية شهر كانون الأول… قامت أمي مهرولة فتبعتها، قصدت دار المختار وطلبت منّي أن أدخل المضافة وأنادي أبي. جاء.
-خير يا أم الصادق؟
-سمعت بما حدث في حيفا؟
-سمعت.
-ألن تذهب لترى ولديك؟
-ربنا يحميهما، لو كان أيّ منهما أصيب لجاءنا الخبر من مائة جهة. اطمئني، ما حدث كان في مصفاة النفط، وهي بعيدة عن مسكنهما وعن المدرسة والبنك. عودي إلى البيت، النساء لا يأتين المضافة هكذا ليتحدثن ببابها مع الرجال».
عرفت رواية «الطنطورية» إشادة كبيرة من النقاد، يقول عنها الناقد المصري صبري حافظ: «الطنطورية هي من هذا النوع من الروايات النادرة التي تغنيك قراءتها عن قراءة عدد من المراجع الكثيرة والمتنوعة عن فلسطين….: تاريخها، قراها، عذابات أهلها وصمودهم، مأثوراتها الشعبية، لغتها، أغانيها وأهازيجها، أشجارها وزرعها ومحاصيلها، ورموزها، وما جرى لأهلها الذين أجبروا على النزوح منها بالعسف والبطش والتطهير العرقي والتقتيل». بينما تشيد بها المؤرخة اللبنانية بيان نويهض الحوت: «من يقرأ هذا الكتاب يعرف ما معنى النكبة، وما معنى خسارة الوطن». أخيرا تقول الكاتبة كرمة سامي عن الرواية: «رواية تساعدنا على الاكتشاف، تعرفنا تاريخنا ومن نحن، وماذا نريد، لأننا عندما نعرف نستطيع».
إميل حبيبي.. ماهي النهاية؟
اشتهر الروائي الفلسطيني إميل حبيبي في جلّ أعماله، خاصة في روايته «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل»، بتقديمه صورة عن واقع الاحتلال من منظور مختلف حيث يمزج بين حسّ الدعابة المرّة والفكاهة الموازية للأسى العميق مع أسلوب تراثي يزيد من غرائبية الأحداث ومفارقاتها.
«سداسية الأيام الستة» عبارة عن ست قصص: حين سعدَ مسعود بابن عمه، وأخيرًا نوّر اللوز، أم الروبابيكا، العودة، الخرزة الزرقاء وعودة جبينة، الحب في قلبي… وتحكي كلّ قصة منها بُعدًا سياسيًا واجتماعيًا للواقع الفلسطيني المعاش خلال وبعد حرب عام 1967. في «مرثية السلطعون» نقرأ هذا الحوار المثير بين صديقين:
«… كنت أتردد عليه في بيته. فلم أقطع ما تعوّدنا عليه، في زمن الانتداب، من تبادل الرأي والمُسارّة. فجلسنا ننظر حوالينا إلى شعب، بقضّه وقضيته، وقد هام على وجهه في ليلة غبراء. حدّثته عن البيوت التي دخلناها في حيفا فوجدنا القهوة مصبوبة في أكوابها، وما وجد أصحابها وقتا لشربها قبل الرحيل. فحدّثني كيف رحل جيرانه، كأنّما وباء خبيث انتشر في حارته. بدأ بالجار فانتقل إلى جاره. خلا بيت فأخلى ما حوله. وخرجت سيارة محمّلة بمتاع دار، فاكترى الآخرون دواب، وآخرون استدبّوا أرجلهم. وبادرني بالسؤال: ما هي النهاية؟
وأذكر يوما حين عاد من زفاف أحد أقربائه في قرية بيت صفافا، في ضواحي القدس التي شقّتها اتفاقية رودوس بالأسلاك الشائكة إلى شقّين، إسرائيلي وأردني. عاد وقد استبدّ به هذا السؤال. قال إنّهم شرّفوه بأن اختاروه ليتأبّط ذراع العريس، «فلا تزال في هيبة هذا الاسم بقيّة». وكانوا يزفّون العريس في شارع القرية الوحيد. وعلى يسارهم الأسلاك الشائكة التي تحزّ القرية إلى قسمين. وسار العريس وحوله أقرباؤه وأصحابه في القسم الإسرائيلي، بينما سار بقية أقربائه وأصحابه، يهزجون ويزفّونه، إلى جانبهم من وراء الأسلاك الشائكة في القسم الأردني. وقد حافظ كلّ فريق على مقتضيات الامتناع الكلّي عن تبادل الحديث في ما بينهما لما في ذلك من اتّصال ممنوع بالعدو. هذا القريب بعدوّه القريب، وذاك القريب بعدوّه الرقيب، سوى الزغاريد التي تشقّ كل ما خلقه الله من أسلاك شائكة، ولا يفهمها الرقيب على القريب. فصاح: ما هي النهاية؟
في يوم آخر، حين استيقظنا على الخبر الداهم عن اعتقال عائلة الابراهيمي المعروفة، بجميع رجالها ونسائها. وهم جيرانه. فأخبرني همسا بأنّ ابنهم اللاجئ في الأردن عاد متسللا، واختبأ في الدغل، وأرسل في طلب أخيه، فجاءه. ثم جاء والده. ثم جاءت أمّه على رأسها طبق محمّل بالدجاج المحمّر. ثم جاء إخوته وأخواته، وأبناء عمّه، وأخواله. فاعتقلوا جميعا. لقد أتمّ سرد الحكاية همسا، ثم صاح: ما هي النهاية؟ ومطّ عنقه الممطوط: أريد أن أعيش حتى أرى كيف تكون النهاية. والواقع أن سؤاله الدوّام هذا كان يهزّ خواطري. فأبسط أمامه رؤيانا السياسية عن المستقبل الممكن الوقوع، حيث تزول أسباب الكراهية والريبة بين الشعبين فلا تبقى قضية إقليمية أو قومية إلّا وتنفرج عقدتها. ولا شك في أنني كنت أردد على مسامعه حقيقة الفارق ما بين مسلكه ومسلكنا. فبينما هو يريد أن يعيش حتى يرى كيف تكون النهاية، نحن نريد أن نعمل من أجلها. حتى ارتطمنا بحرب حزيران، وما بعدها. وعاد من زيارته الأولى إلى مدينة نابلس وهو أشدّ اقتناعا بحيرته: ما هي النهاية؟
قال: حتّى أصحابك هناك لم تحتو رؤيتهم السياسية ما حدث. فهل حسبتم أنتم له أيّ حساب؟ لقد ناموا على حكم واستيقظوا على حكم آخر، فما هي النهاية؟… وقلت لصاحبي مواسيا: أتدري؟ نحن لا نتساءل عن النهاية منذ سنة 1948 فقط، بل منذ بدأنا نشترك في المظاهرات والإضرابات. فقال: ما أبعد ما قطعنا، ولا نزال نسيره فتتلوّى أمامنا، وفي كل عطفة مفاجأة، وفي كل مفاجأة عثار. فما هي النهاية؟».
نجيب محفوظ.. ثرثرة فوق النيل
نجيب محفوظ من رواد الرواية العربية عرف بإنتاجه الروائي الغزير، إضافة إلى كتابة السيناريو للعديد من الأفلام المصرية التي تعد من الكلاسيكيات. تنقل نجيب محفوظ بين الكثير من الاتجاهات والأساليب الروائية، من الرواية التاريخية والواقعية الاجتماعية والواقعية النفسية إلى التأثر بتيار الوعي وأخيرا الرواية الرمزية. كانت لنجيب محفوظ قدرة على صوغ عبارات وجمل داخل النسيج الروائي ذات كثافة ورمزية عالية تحلق بها إلى سماء الحكمة، وفي العام 1966، وقبل الهزيمة بعام، أصدر نجيب محفوظ روايته الرمزية (ثرثرة فوق النيل) التي حملت نبوءة بهزيمة 1967، بعد أن رسمت معالم حاضر كان فيه من السلبيات ما يشي بوقوع هذه الفجيعة… ولا يزال يشار إليها عند النقاد ومؤرخي الأدب بأنّها (الرواية التي تنبأت بالهزيمة).
في مستهل الرواية نقرأ: «أبريل، شهر الغبار والأكاذيب. الحجرة الطويلة العالية السقف مخزن كئيب لدخان السجائر. الملفَّات تنعم براحة الموت فوق الأرفف. ويا لها من تسلية أن تلاحظ الموظَّف من جدِّية مظهره وهو يؤدِّي عملًا تافهًا! الحفظ في الملفَّات، الصادر والوارد. النمل والصراصير والعنكبوت ورائحة الغبار المتسلِّلة من النوافذ المغلقة. وسأله رئيس القلم: هل أتممتَ البيان المطلوب؟
فأجاب بلسانٍ متراخٍ: نعم، ورفعتُه للمدير العام.
فرماه بنظرة نافذة لاحت كإشعاع بلَّوري من وراء نظَّارته السميكة. هل ضبطه متلبِّسًا بابتسامة بلهاء غير مبرَّرة؟ ولكن هذه السخافات يجب أن تُساغ في أبريل، شهر الغبار والأكاذيب.
ودبَّت حركة عجيبة في رئيس القلم فشملت أعضاءه الظاهرة فوق المكتب. حركة بطيئة ولكنها ذات أثر حاسم. راح ينتفخ رويدًا فيمتد الانتفاخ من الصدر إلى الرقبة، فإلى الوجه، ثم الرأس. حملق أنيس زكي في رئيسه بعينَين جامدتَين. وإذا بالانتفاخ البادئ أصلًا بالصدر يتضخَّم فيزدرد الرقبة والرأس، ماحِيًا جميع القسَمات والملامح، مكوِّنًا من الرجل في النهاية كرةً ضخمةً من اللحم. ويبدو أن وزنه خفَّ بطريقة مذهلة؛ فمضت الكرة تصعد ببطء أول الأمر، ثم بسرعة متدرِّجة حتى طارت كمنطاد والتصقت بالسقف وهي تتأرجح. وسأله رئيس القلم: لماذا تنظر إلى السقف يا أنيس أفندي؟
آه. ها هو يضبطه متلبِّسًا مرةً أخرى. ورمقته الأعين بإشفاق واستهزاء. واهتزَّت الروس في رثاء احتفاءً بملاحظة الرئيس وتأييدًا لها. وإذن فلتشهد النجوم على ذلك. حتى الهاموش والضفادع تعامله معاملةً أكرم وألطف. أمَّا الحية الرقطاء فقد أدَّت خدمةً لا تتكرَّر لملكة مصر القديمة. أنتم وحدكم أيها الزملاء لا خير فيكم. والعزاء عندما نلتمس العزاء في قول ذلك الصديق الذي قال: «فلتُقم أنت في العوامة. لن تتكلَّف ملِّيمًا واحدًا من إيجارها، وعليك أن تُعِد لنا كلَّ شي».
وبتصميم مفاجئ راح يسرِّك مجموعةً من الخطابات. السيد المحترم. إشارةً إلى كتابكم رقم 1911 المؤرَّخ في 2 من فبراير 1964م، وملحقه رقم 2008 المؤرَّخ في 28 من مارس 1964م، أتشرَّف بالإفادة. ومع رائحة الغبار المتسلِّلة ترامت من راديو في الطريق أغنية: «يا امَّا القمر على الباب». فتوقَّفَت يده عن الكتاب وغمغم: «الله!» فقال زميله الأيمن: يا بختك بفراغ البال!
يا أولاد الأقدمية المطلقة! في انتظار حلم لن يتحقَّق تحترفون البهلوانية. وأنا بينكم معجزة تخترق الفضاء الخارجي بغير صاروخ».
ستيغ داغرمان.. خريف ألماني
يعتبر الكاتب ستيغ داغرمان (1923-1954)- Stig Dagerman من ألمع الكتاب في السويد، من أعماله المشهورة رواية «الأفعى» و«جزيرة المدانين» و«الطفل المحترق»… إضافة إلى كتابه الأكثر شهرة «حاجتنا إلى المواساة غير قابلة للإشباع».
بعد تسيّده للمشهد الأدبي، وهو في الثلاثين من عمره، ونجاحه الكبير بدأت معاناة داغرمان من سلسلة من المحطات الفاشلة في حياته عاطفيا وماديا أدّت به إلى الإقدام على الانتحار. قام بإنجاز استطلاعات صحفية في ألمانيا عقب هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية وأخرجها في كتاب عنونه «خريف ألمانيا» صوّر فيه الأوضاع الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية المأساوية التي عاشتها ألمانيا المهزومة ومكسورة الجناح بعد أن كانت قوة لا تقهر. هنا مقاطع من الكتاب:
*******
بينما الطائرة تحلّق في المساء الشتوي عبر سحابة مطر ألماني والنسر الألماني للمطار، ما زال منتصبا، ويتوارى تحتنا في الظلام، وأضواء مدينة فرانكفورت تختنق في عتمة حالكة، كانت الطائرة السويدية ترتفع فوق المعاناة الألمانية بسرعة ثلاثمائة كيلومتر في الساعة. ربما كانت هناك فكرة تفرض نفسها أكثر من أية فكرة أخرى، على ذهن المسافر: ماذا لو كان مجبرا على البقاء، مضطرا إلى الجوع كلّ يوم، والنوم في قبو، وأن يكبح في كلّ لحظة جماح الرغبة في النهب والسرقة، أن يرتجف من البرد في كلّ دقيقة، وأن يبقى على قيد الحياة باستمرار في وجه أسوأ التجارب؟
********
كان يُطلب من أولئك الذين، أثناء عبورهم هذا الخريف الألماني، أن يستخلصوا الدروس من بؤسهم. لكننا كنّا ننسى أنّ الجوع معلم أكثر فقرا وعوزا. إذا كان هو نفسه قد استنفد تماما موارده. الشخص الجائع حقيقة لا يحمّل نفسه مسؤولية جوعه، بل يحمّلها أكثر لأولئك الذين يعتقد أنّه يمكنه أن يتوقّع منهم المساعدة.
********
ثمّة بالفعل، في ألمانيا، عدد لا يستهان به من المخلصين في مناهضة النازية يشعرون بالخيبة، وأكثر من أي وقت مضى لديهم إحساس بعدم الانتماء الوطني وأكثر استسلاما وقناعة بالهزيمة من المتعاطفين مع النازية. محبطون لأنّ التحرير لم يكن بالشكل الكامل كما كانوا يتصورونه، ينعدم لديهم الحسّ الوطني لأنّهم لا يرغبون في التضامن لا مع السخط الألماني لأنّهم يعتقدون من خلال تركيبته التعرّف على قليل من نازية مموهة أكثر من اللازم، ولا مع سياسة الحلفاء حيث ينظرون بجزع إلى تساهلها اتّجاه النازيين السابقين. وأخيرا مهزومون لأنّهم من جهة يتساءلون، باعتبارهم ألمانيين، ما إذا كان بالإمكان أن يكون لهم نصيب في النصر النهائي للحلفاء. ومن جهة أخرى فهم ليسوا مقتنعين مطلقا، بوصفهم مناهضين للنازية، أنّهم يتحمّلون جزءا من المسؤولية في الهزيمة الألمانية. لقد حكموا على أنفسهم بالسلبية التامة لأنّ النشاط المناهض للنازية يتضمن فكرة التعاون مع أفراد مشبوهين، وهذا ما تعلّموا كرهه خلال اثنتي عشرة سنة من الاضطهاد النازي.
هؤلاء الناس هم خرائب ألمانيا الأكثر جمالا، لكنّها خرائب غير مأهولة وصالحة للسكن، مثلها مثل تلك المنازل المهدمة بين «هاسيلبرك» و«لاندفير»، والتي تنبعث منها رائحة نفّاذة وحادّة لحرائق مطفأة في الشفق الرطب لهذا الخريف.
إصدارات
الخيول لا تموت تحت السقف
صدر، عن دار توبقال، كتاب «الخيول لا تموت تحت السقف» في طبعته الثانية، وهو كتاب حواري بين القاص المغربي أحمد بوزفور والشاعر والمترجم عبد القادر وساط حول القصة والفن والحياة. وبين السؤال والجواب يدور حوار عميق يذهب في اتّجاه الكشف عن أسرار الكتابة والقراءة وعوالمهما.
من أجواء الكتاب نقرأ: «في صغري، وأنا تلميذ في الثانوي، حدث لي ما حدث لذلك الفيلسوف الصيني مع الفراشة أو ما حدث للفراشة معه، فقد حلمتُ بأنني أنا المتنبي، ثم لم أعد أعرف بعد ذلك هل أنا أحمد ابن الفلاح الذي يحلم بأنه أحمد ابن السّقاء، أم أنني أحمد ابن السقاء، الذي يحلم بأنه أحمد ابن الفلاح؟ ثم صار ذلك يحدث لي مع كل جمال يفتنني… فحلمت بأنني موزار وبأنني المعري والخَيّام وشيمبوريسكا وطاغور وليرمنتوف وكافكا وبورخيس وفروخزاد… وحلمتُ بأنني راسكولنيكوف وبأنني أوديسيوس… وحلمتُ بأنني بومة عمياء وبأنني بحيرة من البجع…ضعتُ… تَوزَعَ دمي بين القصائد والقصص والموسيقات… قتلتني الكلمات والأنغام فيا صديقي، فيما عشت هل رأيت قتيلا بكى من حب قاتله مثلي؟
لا أحس بأية غرابة أو مفارقة إذا أنا في يوم واحد قرأتُ شعراً سويدياً وشعراً عربياً قديماً ومغربياً حديثاً، وسمعتُ موسيقى فارسية، ورأيتُ صورة ممثلة هندية جميلة، وقرأتُ على الفايسبوك رسالة من صديقة بعيدة، تسألني (كيف بقيت ؟) … كل ذلك يدخل في (الخلاط) ويصنعني. أنا أولد كل يوم… إذا لم أذق جمالاً مت».
إصدارات
الرواية تموت أم تترنّح؟
صدر، عن دار النهضة العربية ببيروت، كتاب «الرواية تموت أم تترنّح؟» للروائي والناقد التونسي كمال الرياحي المقيم بكندا. ينشغل الكتاب بقضايا فن الرواية شكلا ومتنا ويسلط الضوء على القضايا الحساسة التي يعيشها هذا الفن في ظل الفوضى التي تعرفها الساحة الثقافية وواقع النشر في العالم العربي. فينطلق من فرضية موت الرواية أو وضعها في خطر، مدللا على ما يجعلها اليوم في وضعية حرجة من الاستسهال إلى انعدام الأصالة في النصوص إلى تراجع حركة التجريب والمراهنة على الفني حتى السقوط في السطحية والأسلوب المباشر… ليكون الفصل الأول دق ناقوس خطر لهذا الفن المهيمن منذ سنين ولكنه يعيش، حسب الكاتب، حالة من المرض نتيجة الترهل والتسطيح والتسرع ودور النشر الطفيلية التي تروج للرديء منه، ثم يتوغل الكتاب في عالم الكتابة الروائية ويقلب مواضيع فنية معقدة متعلقة باللغة الروائية وخصوصيتها.
«الرواية تموت أم تترنح؟» كتاب نقدي يطوف بالقارئ في عوالم روائية مختلفة من الثورات إلى العالم المنافي والانتكاسات والحروب والهويات العابرة والمهاجر العربية هنا وهناك، يشده خيط ملاحقة الفكرة ومساءلة المعنى واستشراف مستقبل هذا الفن الذي يظل، كما يقول الكاتب، يفشل انتظارات من تنبأ بموته لينتفض كل مرة من رماده. الكتاب عمل جديد لناقد ومراجع كتب يعرف من أين يدخل إلى النصوص لاستنطاقها عبر التفكيك والإصغاء إليها طويلا.
متوجون
الجائزة العالمية للرواية العربية 2026
فازت رواية «أغالب مجرى النهر»، للروائي سعيد خطيبي، بالجائزة العالمية للرواية العربية لسنة 2026. وسبق أن أعلنت لجنة تحكيم الجائزة العالمية للرواية العربية عن قائمتها القصيرة في دورتها التاسعة عشرة، برئاسة محمد القاضي وعضوية شاكر نوري، كاتب ومترجم عراقي، وضياء الكعبي، أكاديمية وناقدة بحرينية، وليلى هي وون بيك، أكاديمية من كوريا الجنوبية، ومايا أبو الحيات، كاتبة ومترجمة فلسطينية، إضافة إلى ياسر سليمان، رئيس أمناء الجائزة، وفلور مونتانارو منسقة اللجنة. تضمنت القائمة الروايات التالية: «أصل الأنواع»، صادرة عن منشورات حياة، للروائي أحمد عبد اللطيف من مصر، و«منام القيلولة»، صادرة عن دار العين، للروائي أمين الزاوي من الجزائر، و«فوق رأسي سحابة»، صادرة عن دار العين، للروائية دعاء إبراهيم من مصر، و«أغالب مجرى النهر»، صادرة عن هاشيت أنطوان للروائي سعيد خطيبي من الجزائر، و«الرائي»، صادرة عن دار رشم للنشر والتوزيع للروائي ضياء جبيلي من العراق، و«غيبة مي»، صادرة عن دار الآداب للروائية نجوى بركات من لبنان. جدير بالذكر أنّ الجائزة العالمية للرواية العربية تهدف إلى مكافأة التميّز في الأدب العربي المعاصر ورصد تحولاته الكبرى وأشكاله المختلفة، إضافة إلى رفع مستوى الإقبال على قراءة هذا الأدب عالمياً من خلال ترجمة الروايات الفائزة والتي وصلت إلى القائمة القصيرة والطويلة إلى لغات رئيسية أخرى والسعي إلى نشرها.





