
إنجاز: سفيان أندجار
في قلب الولايات المتحدة تتقاطع قصص النجاح مع جذور الهجرة المغربية، تتشكل شبكة غير مرئية من النفوذ تمتد من «وول ستريت» إلى «هوليوود»، ومن المختبرات العلمية إلى قاعات الأدب. هذا النص يحاول رسم صورة بانورامية لهذه القوة الناعمة التي صنعها المغاربة الأمريكيون، الذين يقدر عددهم بحوالي 140 ألف شخص، وفق أحدث التقديرات.
ما يميز هذه الشبكة ليس فقط حجمها، بل تنوعها المدهش بين مليارديرات يقودون استثمارات بمليارات الدولارات، فنانين يسيطرون على قوائم «البيلبورد»، علماء يطورون لقاحات أنقذت ملايين الأرواح، ومنتجين موسيقيين يضعون بصمتهم على الأغاني الأكثر شهرة في العالم، وأدباء يكتبون عن الهوية والهجرة بلغة تخترق جدران الثقافة الأمريكية.
مارك لاسري.. مراكشي يتربع على قمة «وول ستريت»
قصة مارك لاسري تجسيد حي لفكرة «الحلم الأمريكي». ولد في مراكش عام 1959 لعائلة يهودية مغربية، وهاجر إلى الولايات المتحدة وهو في السابعة من عمره. نشأ في ظروف متواضعة في كونيتيكت، حيث تقاسم غرفة نوم صغيرة مع أشقائه.
بداياته كانت بعيدة كل البعد عن عالم المال، إذ عمل سائق شاحنة في شركة «UPS»، قبل أن يدرس القانون ويتخصص في قضايا الإفلاس. هذا التخصص كان بوابته إلى عالم الاستثمار، حيث أسس مع شقيقته سونيا غاردنر شركة « Avenue Capital Group » عام 1995 برأسمال أولي لم يتجاوز سبعة ملايين دولار جمعها من العائلة والأصدقاء.
اليوم يدير لاسري أصولا تقدر بـ13 مليار دولار، وتبلغ ثروته الشخصية 2.2 مليار دولار حسب «فوربس 2026».
اشترى مع شركائه «ميلووكي باكس» عام 2014 مقابل 550 مليون دولار، وباع حصته بعد أن قاد الفريق إلى الفوز ببطولة «NBA» عام 2021. سر نجاحه يكمن في قدرته على الاستثمار في الديون المتعثرة، إضافة إلى شبكة علاقاته الواسعة في «وول ستريت»، ما جعله أحد أبرز الممولين المغاربة الأمريكيين.
«فرنش مونتانا».. من البيضاء إلى شوارع «برونكس» ومنها إلى العالمية
ولد كريم خربوش، المعروف باسم «فرنش مونتانا»، بالدار البيضاء عام 1984 وهاجر إلى نيويورك في سن الثالثة عشرة. بداياته كانت صعبة، حيث عاش في برونكس وسط أحياء فقيرة، واضطر، في سنواته الأولى، إلى العمل في مجموعة من المهن قبل أن يجد طريقه إلى الموسيقى. تحت اسم «فرنش مونتانا» أسس مجموعة «Coke Boys» وبدأ في التعاون مع كبار نجوم «الهيب هوب».
أغنيته الشهيرة «Unforgettable» تجاوزت مليار مشاهدة على «يوتيوب»، وثروته اليوم تقدر بنحو 50 مليون دولار. ما يميز «فرنش مونتانا» قدرته على المزج بين الثقافة المغربية و«الهيب هوب» الأمريكي، ليخلق هوية موسيقية فريدة. ورغم تعرضه لمحاولة اغتيال عام 2013 أصيب خلالها بطلق ناري في الرأس، واصل مسيرته بإصرار، ليصبح اليوم أشهر مغربي في عالم الترفيه الأمريكي.
منصف السلاوي.. ابن أكادير الذي أنقذ العالم
منصف السلاوي، المولود في أكادير عام 1959، هو أحد أبرز العلماء المغاربة الذين تركوا بصمة عالمية. بعد حصوله على دكتوراه في علم المناعة من جامعة بروكسل، عمل لأكثر من ثلاثة عقود في شركة «غلاكسو سميث كلاين»، حيث أشرف على تطوير 14 لقاحا، من بينها لقاح الملاريا (Mosquirix) والهربس النطاقي.. لكن لحظة المجد الكبرى جاءت عام 2020، حين عُيّن رئيساً علمياً لبرنامج «Operation Warp Speed» تحت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وقاد جهود تطوير لقاحات كوفيد-19 في أقل من 11 شهراً، وهو إنجاز تاريخي أنقذ ملايين الأرواح. اليوم يجلس السلاوي في مجالس إدارات شركات «بيوتيك» ويُعتبر رمزاً للعلم المغربي الذي يخترق الحدود.
«ريدوان».. تطواني مهندس «الإيقاع» العالمي
وُلد نادر خياط، المعروف باسم «ريدوان»، في تطوان عام 1972 وهاجر إلى السويد وهو في سن التاسعة عشرة. بدأ حياته الفنية عازف قيثارة بالدار البيضاء، قبل أن يتحول إلى منتج موسيقي عالمي. تعاون مع أسماء، مثل ليدي غاغا، جينيفر لوبيز ونيكي ميناج، وكان وراء نجاح أغان مثل، «Poker» «Face» وJust Dance» ».
فاز بثلاث جوائز «غرامي» وكان المنتج الأول في «بيلبورد» عام 2009، ولم يقتصر تأثيره على الموسيقى التجارية، بل أنتج أيضاً أغاني للاتحاد الدولي لكرة القدم ولنادي ريال مدريد، وأسس علامته الخاصة « RedOne Records». ريدوان مثال حي على كيف يمكن لموهبة مغربية أن تتحول إلى قوة مؤثرة في صناعة الموسيقى العالمية.
اللعمي.. من أزقة الرباط إلى قمة المشهد الأدبي
من الرباط إلى الولايات المتحدة، شقت الكاتبة المغربية الأمريكية Laila Lalami طريقها لتصبح أحد أبرز الأصوات الأدبية المعاصرة في العالم الناطق بالإنجليزية. وُلدت سنة 1968 بالعاصمة الرباط، حيث نشأت في بيئة شجعتها على القراءة والمعرفة، قبل أن تتابع دراستها في الأدب الإنجليزي بجامعة محمد الخامس، ثم تنتقل إلى بريطانيا ومنها إلى الولايات المتحدة لمواصلة مسارها الأكاديمي.
استقرت ليلى اللعمي في الولايات المتحدة منذ أوائل التسعينيات، وحصلت على الدكتوراه في اللسانيات، لكنها اختارت أن تجعل من الكتابة الأدبية مجالها الأبرز. تميزت أعمالها بتناول قضايا الهجرة والهوية والانتماء والعلاقة المعقدة بين الشرق والغرب، مستلهمة، في كثير من الأحيان، تجارب المهاجرين المغاربة والعرب في المجتمع الأمريكي.
برز اسمها عالمياً مع رواية « The Moor’s Account » التي أعادت من خلالها إحياء قصة المستكشف المغربي مصطفى الزموري، ووصلت إلى القائمة النهائية لجائزة «بوليتزر». فيما لاقت روايتها « «The Other Americans» إشادة واسعة لما قدمته من صورة عميقة عن حياة أسرة مغربية مهاجرة في الولايات المتحدة.
اليوم تُعد ليلى اللعمي من أكثر المثقفين المغاربة تأثيراً في أمريكا، إذ تجمع بين العمل الأكاديمي والكتابة الروائية، وتواصل الدفاع عن قيم التنوع والانفتاح والحوار الثقافي من خلال أعمالها ومقالاتها ومحاضراتها.





