
يونس جنوحي
مثل محاكم التفتيش تماما.. الفرق أن الناس كانوا يُساقون إلى حتفهم في الشارع، والآن يترجلون عن دراجاتهم النارية فقط! ويسلمونها إلى «حتفها».
ولولا أن تدخلت وزارة النقل في آخر لحظة لتعليق العمل بقانون فحص الدراجات النارية الصينية التي لا يخلو منها شارع، لاستمرت عملية مصادرة هذا النوع من الدراجات، إلى أن تُسحب آخر دراجة إلى آخر شبر متبق في أصغر محجز بلدي في هذا البلد.
سخط كبير خلفته العملية، خصوصا بعد أن صودرت دراجات نارية لم يجر عليها أصحابها أي تعديل على المحرك. وبعد أن كانوا متأكدين أن «الدابة» التي يقضون بها مشاويرهم اليومية ويكسبون بها لقمة العيش، لا يمكن نهائيا أن تتجاوز سرعتها أربعين كيلومترا في الساعة، فوجئوا عند أول نقطة تفتيش بأن دراجاتهم النارية صارت فجأة تتجاوز السبعين!
لا يحتاج الأمر إلى خبرة كبيرة في مجال الدراجات النارية للانتباه إلى جزئية غاية في الأهمية، تخص هذا الاختبار. الدراجة الهوائية يمكن أيضا أن تصل إلى سرعة تتجاوز الستين في الساعة، بسهولة شديدة، عندما يتعلق الأمر بأداة فحص من هذا النوع.
عامل الرياح، ووزن الراكب، يحدان من قوة المحرك، بالإضافة إلى التضاريس.
التعديل الذي يدخله أصحاب الدراجات على قوة المحركات غير قانوني. لا نقاش نهائيا في هذا الأمر، خصوصا وأنه لا يكون مدرجا في البطاقة الرمادية للدراجة، ويتسبب في وقوع مآس يومية على الطرق.
دراجات نارية بلاستيكية طائشة، يسير أصحابها بسرعة جنونية ويتجاوزون السيارات والراجلين من كل اتجاه، ولا يتوقفون نهائيا عند أي إشارة من إشارات المرور..
كان ضروريا أن تتوقف هذه الفوضى.. لكن هناك دراجات نارية بمحركات قوية، وأصحابها يقودونها برخصة سياقة، ورغم ذلك لا يحترمون القانون، ويساهمون في حالة الفوضى الكبيرة التي تعم الشوارع..
حملة تطهير الشوارع من الدراجات النارية المعدلة، تضرر منها مغاربة يتخذون من تلك الدراجات وسيلة لإعالة أسرهم. ويتنقلون بها بين مناطق سكنية نُقلوا إليها، بعد هدم الأحياء العشوائية، ولم تدخل بعدُ في مخطط النقل الحضري.. لا تصل إليها الحافلات ولا سيارات الأجرة.. وليس هناك حل أمام هؤلاء المواطنين سوى تدبر وسيلة نقل نحو المدن للوصول إلى المعامل والتجمعات السكانية والتجارية الكبرى. وطبعا، الخيار الأنسب هو الدراجات النارية صينية الصنع.
معايير السلامة في الدراجات النارية ترتبط أساسا بطريقة السياقة. تلك الدراجات ليست جاهزة للسرعات الكبرى.. وأي تعديل على محركها، ينقلها إلى الصنف الذي يتطلب رخصة سياقة أولا. وبما أن التعديل غير مذكور في البطاقة الرمادية، فهو غير قانوني في النهاية.
المهلة التي وضعتها وزارة النقل لتسوية هذه الفوضى، خصوصا وأن الدراجات التي لم تُجر عليها أي تعديلات نهائيا فشلت أيضا في هذا الاختبار في النقاط الأمنية، ربما لن تكون كافية لتسوية ملف بكل هذه التداعيات.
الحل يكمن في تدبر شركات أخرى تحترم معايير السلامة، بأثمنة تنافسية، بدل احتكار الدراجات الصينية للسوق. وهذا أمر يصعب تحقيقه في الوقت الراهن، بحكم أن الدول التي طالما اشتهرت هي الأخرى بجودة صنع الدراجات النارية في أوروبا خصوصا، غرقت بدورها في بحر من الدراجات الصينية الرديئة.
هناك جيش كامل من الدراجات النارية تسير في المدن بدون أي وثيقة تأمين.. ويسبب ركابها المتهورون خسائر للمواطنين تكلفهم أرواحهم، وليس ممتلكاتهم فقط. وهؤلاء، حتى لو كانوا يزحفون بهذه الدراجات، فإنهم يعرضون أرواح الناس للخطر، فما بالك لو أنهم تجاوزوا السرعة المسموح بها في المناطق الآهلة بالسكان.
المشكل أعمق من مجرد حملة لسحب الدراجات التي جرى تعديل على أسطواناتها المعدنية.. هناك أسطوانة أخرى يجب أن تُكسر، حتى يسير الناس في الطرقات، دون خوف من المجانين الذين يقودون دراجات كما لو أنهم يؤدون عرضا في السيرك.





