
في لحظة تتقاطع فيها حسابات الحرب مع ضغوط الداخل واضطراب الأسواق العالمية، جاء خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليعكس أكثر مما يوضح، ويكشف حجم التعقيد الذي يطبع المواجهة المفتوحة مع إيران. فبين تصعيد عسكري متواصل، ورسائل متناقضة تجمع بين التهديد والدعوة إلى التفاوض، يجد البيت الأبيض نفسه أمام معادلة دقيقة: تحقيق مكاسب ميدانية دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة طويلة، واحتواء تداعيات اقتصادية بدأت تضغط على الداخل الأمريكي مع ارتفاع أسعار النفط وتراجع الشعبية. وفي خضم هذا المشهد المتشابك، يطرح الخطاب تساؤلات جوهرية حول مدى وضوح الاستراتيجية الأمريكية، وحدود أهدافها الحقيقية، في وقت تتزايد المخاوف الدولية من اتساع رقعة الصراع وتهديد أمن الطاقة العالمي.
إعداد: سهيلة التاور
ألقى ترامب خطابا استمر 19 دقيقة من قاعة كروس في البيت الأبيض، وضح خلاله سبب اندفاعه في الحرب على إيران على وقع ارتفاع عالمي لأسعار النفط العالمية وتدن محلي في شعبيته.
ودافع الرئيس الأمريكي بقوة عن طريقة تعامله مع الحرب التي أطلقها قبل أكثر من شهر بالتعاون مع إسرائيل ضد إيران، وذلك في خطاب ألقاه متوعِّدا بمزيد من الهجمات القوية عليها.
وقال ترامب إن الجيش الأمريكي يقترب من إنجاز مهمته التي أطلق عليها اسم «الغضب الملحمي»، وأكد مجددا تهديداته بقصف الجمهورية الإسلامية وإعادتها إلى العصر الحجري.
وأتاح خطاب ترامب فرصة ثمينة لجذب المشاهدين في وقت الذروة واستعادة ثقة الناخبين، ودخل بشكل مثير عبر باب مزدوج في مقر إقامته بالبيت الأبيض متجها نحو المنصة.. لكنه، خلال الدقائق التسع عشرة التالية، تحدث بنبرة هادئة في غرفة ذات إضاءة خافتة ملتزما بنقاط مكررة بدلا من توضيح أسباب خوض الولايات المتحدة للحرب.
كان ذلك مختلفا تماما عن الظهور العلني المعتاد لنجم تلفزيون الواقع السابق، الذي كان أمام جمهور ربما يكون الأكبر منذ خطابه عن حالة الاتحاد في فبراير.
تبرير بلا استراتيجية واضحة
قال ترامب، الذي يواجه رأيا عاما أمريكيا متخوفا من الحرب وتراجعا في معدلات شعبيته في استطلاعات الرأي، إن الولايات المتحدة دمرت القوات البحرية والجوية الإيرانية، وشلّت برنامج إيران للصواريخ الباليستية وبرنامجها النووي، وأنها ستواصل ضربها «بقوة شديدة» خلال الأسبوعين أو الأسابيع الثلاثة المقبلة.
ورغم حديثه عن أن الجيش الأمريكي سيكمل أهدافه «قريبا جدا»، لم يقدم ترامب جدولا زمنيا محددا لإنهاء الأعمال القتالية، مشيرا إلى أن الحرب قد تتصاعد إذا لم يرضخ القادة الإيرانيون للشروط الأمريكية خلال المفاوضات، مع إمكانية شن ضربات على البنية التحتية للطاقة والنفط في إيران.
وربما لا يقدم استغلال ترامب لخطابه لتكرار التهديدات والرسائل المتضاربة، أي مساهمة لتقليص اضطراب الأسواق المالية وتهدئة مخاوف الرأي العام الأمريكي الذي لم يبد دعما يذكر لأكبر عملية عسكرية للبلاد منذ غزو العراق عام 2003. فيما فاقمت إشارات ترامب، التي جاءت متضاربة في كثير من الأحيان طوال فترة الصراع، حدة الارتباك، إذ دعا في
لحظة ما إلى تسوية دبلوماسية ثم هدد، في اللحظة التالية، بإلحاق المزيد من الدمار بإيران، وسط استمرار تعزيزات الجيش الأمريكي في المنطقة.
ورقة ضغط تهدد أمن الطاقة العالمي
لم تكن تعليقات ترامب واضحة بشأن ما إذا كانت العمليات العسكرية الأمريكية ستنتهي حتى قبل أن تعيد إيران فتح مضيق هرمز، الممر المائي الحيوي الذي تحكم إيران الخناق عليه، ما تسبب في إحدى أسوأ أزمات الطاقة العالمية في التاريخ.
وبدلا من ذلك كرر ترامب دعواته للدول التي تعتمد على نفط الخليج إلى تحمل عبء إعادة فتح الممر المائي وتأمينه، بدل الولايات المتحدة التي قال إنها لا تحتاج إلى إمدادات الطاقة من المنطقة.
ويرفض الحلفاء الغربيون الانضمام إلى حرب بدأها ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو دون استشارتهم.
ولم يتطرق ترامب في خطابه، كما فعل في مقابلات إعلامية في الآونة الأخيرة، إلى القول إنه يدرس الانسحاب من حلف شمال الأطلسي (ناتو) بسبب ما يعتبره فشلا من جانب الحلف في دعم الولايات المتحدة في الصراع مع إيران.
ويقول المحللون إن الخطر يكمن في أن إيران ستحتفظ بشكل جوهري بنفوذ كبير على المضيق الذي يوفر ممرا لخُمس شحنات النفط والغاز الطبيعي في العالم.
هل تحقق الهدف الأمريكي؟
تفاخر ترامب بنجاحات الجيش الأمريكي في الصراع، لكن لا تزال هناك تساؤلات حول ما إذا كان حقق بالفعل الهدف الرئيسي الذي حدده في بداية الحرب: إغلاق الطريق أمام إيران للحصول على سلاح نووي.
فبعد أكثر من شهر، لا تزال إيران تمتلك مخزونا من اليورانيوم عالي التخصيب تمكن معالجته ليصبح صالحا لصنع القنابل، لكن يُعتقد أن معظمه مدفون تحت الأرض جراء القصف الأمريكي- الإسرائيلي في يونيو الماضي.
وفي تحول مفاجئ عن مطالباته بأن تسلم إيران اليورانيوم المخصب، قال ترامب لـ«رويترز»، في وقت سابق، إنه لم يعد يهتم بهذه المادة لأنها «في أعماق الأرض» ويمكن للأقمار الصناعية الأمريكية مراقبة المنطقة، علما أن إيران تنفي سعيها لامتلاك قنبلة نووية.
وبينما هدد بشن غارات جوية جديدة إذا حاولت إيران نقل المخزون، لم يشر ترامب إلى إرسال قوات خاصة في مهمة محفوفة بالمخاطر للسيطرة عليه، وهو ما سبق أن ذكر مسؤولون أمريكيون أنه أحد الخيارات المطروحة، ومن المرجح أن يثير أي نشر لقوات برية غضب معظم الأمريكيين.
ورغم حديث ترامب عن تدمير القدرات العسكرية التقليدية لإيران، أثبتت الأخيرة أن صواريخها وطائراتها المسيرة المتبقية لا تزال قادرة على استهداف إسرائيل ودول الخليج والمنشآت العسكرية الأمريكية في المنطقة.
ولم تتحقق كذلك دعوات ترامب السابقة للإطاحة بالحكام من رجال الدين في إيران. فقد قتلت الغارات الجوية الأمريكية الإسرائيلية عددا من كبار القادة، بينهم الزعيم الأعلى علي خامنئي، لكنهم استُبدلوا بمن هم أكثر تشددا، منهم نجل خامنئي.
واعتبرت المخابرات الأمريكية أن الحكومة الإيرانية لا تزال صامدة إلى حد كبير.
تراجع الشعبية وضغط اقتصادي متصاعد
كان يُنظر في الأصل إلى خطاب ترامب، وهو أول خطاب له في وقت الذروة منذ بدء الحرب في 28 فبراير، على أنه يهدف إلى تهدئة مخاوف الأمريكيين بشأن نزعات التدخل في شؤون الدول الأخرى لرئيس خاض حملته الانتخابية للولاية الثانية بوعد بإبقاء الولايات المتحدة بعيدة عن التدخلات العسكرية «الغبية».
لكن ترامب، الذي ضغط عليه مستشاروه لإظهار أنه يعتبر القضايا المعيشية أولوية، لم يولِ اهتماما كافيا لمخاوف الأمريكيين وبدا أنه يستخف بمعاناتهم الاقتصادية باعتبارها مؤقتة ومن المؤكد أنها ستخف بمجرد انتهاء الحرب.
وقال: «يشعر كثير من الأمريكيين بالقلق إزاء ارتفاع أسعار البنزين هنا في الداخل في الآونة الأخيرة. وقد نتج هذا الارتفاع القصير الأجل بالكامل عن شن النظام الإيراني هجمات إرهابية ضد ناقلات النفط التجارية التابعة لدول مجاورة لا علاقة لها بالصراع».
وأظهر استطلاع رأي لرويترز/إبسوس، استمر حتى يوم الاثنين، انخفاضا في شعبية ترامب إلى 36 بالمائة، وهو أدنى مستوى لها منذ عودته إلى البيت الأبيض.
وبعد ظهوره التلفزيوني، تراجعت الأسهم وارتفع الدولار وزادت أسعار النفط، إذ لم يقدم ترامب أي خطة واضحة لإنهاء الحرب.
مؤشرات على احتمال تصعيد بري
أفادت تقارير صحفية، نقلا عن مسؤولين أمريكيين، ببدء تحرك آلاف الجنود من الولايات المتحدة باتجاه منطقة الشرق الأوسط، في خطوة تأتي رغم تأكيدات إدارة الرئيس دونالد ترامب إحراز تقدم في المحادثات مع طهران، مع التلويح بخيار الحسم العسكري في حال تعثر الوصول إلى اتفاق قريب.
وذكر مسؤولون في واشنطن أن حاملة الطائرات «جورج إتش دبليو بوش» غادرت مرساها الثلاثاء، متوجهة إلى المنطقة برفقة ثلاث مدمرات، في مهمة تضم مجموعة قتالية متكاملة يتجاوز قوامها 6 آلاف بحّار.
وفي سياق متصل، ذكرت وكالة أسوشيتد برس أن آلاف الجنود من «الفرقة 82» المحمولة جوا بدأوا بالوصول بالفعل إلى الشرق الأوسط. وبحسب مصادر عسكرية، تحدثت بشرط عدم الكشف عن هويتها، فإن هذه التحركات تشمل نحو 1500 جندي مظلي قررت الإدارة إرسالهم بشكل عاجل الأسبوع الماضي، إلى جانب قوات أخرى تأتي ضمن عملية تناوب دورية كانت مقررة قبل الحرب الحالية.
وعلى الرغم من ضبابية المهام المعلنة لهذه القوات، فإن طبيعة تدريبات «الفرقة 82» تشير إلى جاهزيتها لتنفيذ عمليات إنزال مظلي في «أراضٍ معادية» أو متنازَع عليها، بهدف السيطرة على مواقع استراتيجية ومطارات حيوية.
وكانت سفينة تابعة للبحرية الأمريكية تحمل نحو 2500 من أفراد مشاة البحرية وصلت أخيرا إلى الشرق الأوسط، في حين يجري أيضا نشر 2500 فرد إضافي من مشاة البحرية انطلاقا من ولاية كاليفورنيا.
وتأتي هذه التطورات الميدانية في وقت يتجنب وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث ومسؤولون في الإدارة تقديم إجابات واضحة عن احتمال دفع الجيش الأمريكي بقوات برية داخل الأراضي الإيرانية، ما يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن مدى اتساق هذه الحشود مع تصريحات الرئيس ترامب المتكررة بشأن إنهاء الحرب في المنطقة قريبا.
تحذير الصين من تداعيات الحرب
في أول رد دولي على خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن إيران، حثت الصين كل الأطراف في حرب إيران على وقف العمليات العسكرية والإحجام عن إلحاق تبعات خطرة بالاقتصاد العالمي وأمن الطاقة.
وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية، ماو نينيغ، الخميس، عندما طلب منها التعليق على خطاب ترامب بشأن إيران، إن الوسائل العسكرية لا تحل أي مشكلة ويجب خفض حدة الصراع.
وطالبت الصين بإنهاء «فوري» للحرب في الشرق الأوسط، داعية إلى تجنب المزيد من التبعات الخطيرة على الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة.
وأضافت: «يجب على الأطراف العمل معا لمنع التصعيد للحفاظ على سلامة الممر الملاحي».





