
ميمونة الحاج داهي
منذ صدور قرار الكاف وأنا أحاول فهم ما الذي حدث للمغرب في كأس أمم إفريقيا، لا من زاوية العقوبات ولا من زاوية مباراة انتهت، بل من زاوية أبعد قليلا: لماذا بدا المشهد بأكمله وكأنه تحرك ضده، من دون أن تظهر جهة واحدة تتحمل مسؤولية ما جرى؟
كثيرون قرؤوا ما وقع كهزيمة رياضية، وآخرون وصفوه بانتصار إداري عليه، غير أن القراءة الهادئة تقود إلى نتيجة مختلفة تماما. ما حدث لم يكن لحظة انفعال عابرة، بل مسارا متكاملا اشتغل بمنهج معروف في التاريخ: حين يعجز الخصوم عن المواجهة المباشرة، يوزعون الأدوار، ويفرقون الضربة، حتى يضيع الفاعل ولا تقوم خصومة واضحة.
المغرب لم يواجه خصما واحدا في الكان، بل واجه منظومة ضغط متعددة الاتجاهات.. العقوبات بدأت مع حفل افتتاح الكان.. ابتداء من تغطية صورة «رمز البلاد» بالفندق، إلى جماهير جرى شحنها واستثمار غضبها.. ومدربون شككوا في التنظيم.. وأطراف لوحت بالانسحاب.. وتمزيق عملات وتحقير المرافق.. إضافة إلى إشاعات عن الرشوة والتحكيم غير الحيادي انتشرت في التوقيت نفسه.. مطيتها حملات إعلامية منسّقة سبقت البطولة ورافقتها وتبعتها.
كل طرف أدّى مهمته ثم تراجع خطوة إلى الخلف، حتى بدا المشهد طبيعيا، وكأن ما يجري مجرد فوضى رياضية، بينما كان في عمقه توزيعا محسوبا للأدوار.
وحين انتهت المباراة، جاء القرار منسجما مع المنهج ذاته: عقوبات موزّعة، مسؤوليات متفرقة، لغة متوازنة في ظاهرها، لكنها تخفي مسار ضغط سبق النهائي بزمن طويل.
ولنا في التاريخ عبرة حين نقرؤه بعين الفهم لا بعين التبرير.. فالتاريخ يعلّمنا أن القوى، عندما تخشى صعود طرف واحد، لا تواجهه مباشرة، بل تجتمع، وتتقاسم الفعل، حتى يتوزع الأثر ولا يتحمل أحد مسؤولية الصدام.. منطق «نضربه ضربة رجل واحد حتى يتوزع دمه بين القبائل».. بهذا المنطق تماما يمكن فهم ما وقع في الكان.. ولا يعالج هذا النوع إلا بالهجرة عنه.
المغرب لم يربك محيطه لأنه خالف القواعد، بل لأنه التزم بها أكثر مما اعتادت عليه المنظومة.. بنى نموذجا تنظيميا واضحا، راكم الخبرة، ورفع سقف المعايير، حتى صار حضوره أثقل من مجرد منتخب، وأكبر من أن يمرَّ دون ردّ فعل.
لهذا لم يناقش أحد جوهر التجربة المغربية. لم تُطرح أسئلة التنظيم والاستمرارية والانضباط ووحدة الجماهير والمؤسسات حين يتعلّق الأمر بصورة البلد، لأن الاعتراف بهذه الوقائع يفتح سؤالا محرجا: هل يملك الآخرون ما يملكه المغرب حتى يحاكموا مساره؟
بدل ذلك، جرت شخصنة المشهد، وتحويل النقاش من نموذج إلى أشخاص، ومن مسار طويل إلى لحظة انفعال. وهي ذهنية ما تزال حاضرة في جزء من العقل الإفريقي، لأن الأحداث تُقرأ بعين الموقف بدل النظر إليها بعين البناء، وبمنطق اللحظة عوض منطق التراكم.
وحين تتكامل هذه الذهنية مع منهج توزيع الضربة، يصبح النجاح نفسه عبئا.. لن تتم مكافأته ولا مناقشته بل سيحاصَر ويُفكَّك. ومن يتقدّم وحده يُطلب منه، صراحة أو ضمنا، أن يخفف سرعته حتى لا يفضح الفارق.
التاريخ يخبرنا أيضا أن أقسى اللحظات ليست تلك التي يهاجمك فيها الخصوم، بل اللحظة التي تكتشف فيها أن الطعن جاء من القريب. قيصر صمد أمام خصومه، لكنه انهار حين رأى صديقه يشاركه الطعنة، ففهم أن المعركة انتهت.
غير أن المغرب، في هذه اللحظة، لا ينتظر صديقا داخل هذا المحيط، ولا يراهن على حليف، ولا يُصدم بخذلان. هو يعرف أن النجاح في بيئة غير مستعدة له لا يصنع صداقات، بل يوقظ حساسيات.
لهذا لن يُجبر على نطق عبارة «حتى أنت؟».
فلا صديق هنا يُفاجئه الغدر، ولا حليف يُعلّق عليه الأمل.
المغرب اختار طريقا أوضح: أن يهاجر بنموذجه نحو مصافحة الدول المتقدمة، حيث تُقاس النجاحات بالمعايير بعيدا عن المزاج، وبالمنظومات بدل الأشخاص، وبالاستمرارية بعيدا عن المواقف العابرة.
ما حدث في الكان لم يكن هزيمة رياضية، ولا انتصارا إداريا، بل لحظة كاشفة. لحظة أظهرت كيف تتصرف المنظومات في مواجهة النجاح، وكيف تكون الخصومة حين يخشى أصحابها المواجهة. تلك هي القصة التي استحيت القارة من قولها صراحة، وحدثت للمغرب في الكان..





