
يونس جنوحي
المثال الذي قدمه السفير محمد التازي عن «ضريبة» تعقيدات الإدارة، داخل دواليب وزارة الخارجية المغربية قبل 41 عاما من اليوم، كاد أن ينهي مساره الدبلوماسي. ولم يخف التازي التأكيد على رفض الملك الراحل لواقع تعقيدات المراسلات الإدارية.
إذ أن عدم استجابة الرباط لمراسلات التازي، قبل أبريل 1985، كاد أن يتسبب في أزمة كبرى بين الدول العربية. فقد كان القذافي يخطط لإحراج المغرب بالسماح لوفد من البوليساريو بالتسلل إلى اجتماع وزراء الخارجية العرب، ولو أن موافقة المغرب على حضور الاجتماع صدرت في ذلك الوقت بشكل رسمي، كان الأمر سيصبح انتصارا للانفصاليين.. إذ أن المغرب سيكون وقتها قد وافق رسميا على حضور اجتماع يعترف بوفد البوليساريو!
هنا يواصل السفير محمد التازي سرد الوقائع، حسب ترتيبها التاريخي. فبعد مغادرة الوزير المغربي عبد اللطيف الفيلالي، وكان وقتها -في أبريل 1985- تسلم مفاتيح وزارة الخارجية حديثا، لطرابلس.. عاد التازي إلى «معمعة» الترتيب للقمة المرتقبة، وكلمات الحسن الثاني لا تزال ترن في أذنه، خصوصا وأن الملك أخبره بشكل مباشر أنه يتعين عليه تحمل المسؤولية المعنوية والسياسية لعواقب عدم مراسلة الديوان الملكي مباشرة وإخبار الملك بمخطط إقحام البوليساريو في الاجتماع المرتقب.
يقول:
«غادر الوزير تونس بعد لقائه مع الرئيس الحبيب بورقيبة، وعدت إلى الفندق حيث يعقد مجلس الجامعة اجتماعه لإقرار توصيات اللجان المنبثقة عنه، وكنت طلبت من السيد الطيب الحباني، رئيس وفد تونس، أن يطلب اكتفاء المجلس بالمصادقة على توصيات اللجنة الاقتصادية والقانونية، وأن ترفع الجلسة لمدة أسبوع، نعود بعدها لدراسة توصيات اللجنة السياسية، وكانت نتيجة الموافقة على الاقتراح التونسي، عدم النظر في القرار الخاص باجتماع طرابلس، وكان ذلك يعتبر نصف انتصار لي بعدم صدور قرار المشاركة في اجتماع طرابلس، إلا أن الاقتراح التونسي لم يوافق عليه المجلس، فقد عارضه مندوب السعودية، وكان قد وعدني بتأييده فانضم إليه وفد الأردن، وليبيا، والجزائر وسوريا، ووجد مندوب تونس نفسه في حرج، فبعث لي يطلب أن أتدخل لأن سكوتي شجع المتكلمين، فبعثتُ أشكره على موقفه، وأبلغه أني أرى أن يستمر المجلس في عمله، ويناقش جميع القرارات، وكان الأمين العام غادر القاعة، فطلبت من مدير مكتبه، المنجي الفقيه، أن يطلبه للحضور ليتابع المناقشات.
وقال رئيس الدورة: بين أيديكم مشروع قرار اللجنة السياسية الخاص بالتعاون العربي الإفريقي، والاجتماع المشترك المقرر عقده في الجماهرية الليبية، أعطى الكلمة للسيد الأمين العام المساعد ليقدم المشروع للمصادقة عليه، وتحدث عدنان عمران، الأمين العام المساعد، وللتأثير على المجلس قال: إن اللجنة السياسية على مستوى وزراء الخارجية صادقت على هذه الصيغة المعروضة على المجلس الموقر، لإقرارها.
وكنت أول من طلب التدخل لمحاولة تخطي جميع الأعراف الإجرائية التي سار عليها في كل دوراته منذ تأسيس الجامعة عام 1945 حتى اليوم، فقد استقر في هذه الأعراف أن توصيات اللجنة السياسية لا تناقش في مجلس الجامعة، بل يصادق عليها تلقائيا».
كان تفكير التازي منصبا، إذن، على محاولة تجنب «الكارثة»، وتعين عليه الوفاء للوعد الذي قدمه للملك الحسن الثاني هاتفيا بأن يعالج الموضوع بمعرفته، وعلاقاته مع السفراء العرب في كل من طرابلس وتونس، بالإضافة إلى محاولة استثمار علاقاته مع مسؤولي إدارة الجامعة العربية التي كان لديه مقعد بها.





