حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

رياضة الغش

في المغرب، لا يكاد يوجد إجماع وطني أوسع من الإجماع الذي يتشكل كل سنة حول امتحانات الباكالوريا. فجأة تتحول شبكات التواصل إلى محاكم أخلاقية، وتصبح قاعات الامتحان موضوعاً للنقاش العمومي، وينقسم الناس بين من يطالب بتشديد المراقبة ومن يعتبر التساهل واجباً إنسانياً.. لكن المثير في هذا النقاش ليس الغش في حد ذاته، بل ذلك التناقض العجيب الذي يجعل أشخاصاً يرفعون راية النزاهة في كل المجالات يطالبون، ولو بشكل مؤقت، بتعليقها داخل قاعة الامتحان. هنا لا يعود الغش مجرد سلوك فردي، بل يصبح نافذة صغيرة نطل منها على منظومة كاملة من التناقضات الأخلاقية والاجتماعية التي تحكم علاقتنا بالقانون والنجاح والاستحقاق.

مقالات ذات صلة

الأكثر إثارة للاهتمام ليس الغش نفسه، بل المنظومة الأخلاقية التي تنشأ حوله. فبعض أولياء الأمور لا يطالبون فقط بغض الطرف عن الغش، بل يعتبرون منع الغش نوعاً من القسوة غير المبررة.. وكأن الامتحان تحول من اختبار للمعرفة إلى معركة وجودية تبرر تعليق القواعد الأخلاقية مؤقتاً حتى إشعار آخر.

فجأة يصبح التلميذ، الذي لم يفتح كتاباً طوال السنة، ضحية لنظام تعليمي قاسٍ، ويصبح المراقب الصارم تجسيداً للشر المطلق، بينما يتحول المراقب المتساهل إلى شخصية أسطورية تستحق التكريم وربما إدراجها ضمن قوائم المحسنين.

بل إن بعض الروايات الشعبية الموسمية تذهب أبعد من ذلك، فالمراقب، الذي يساعد المترشحين على تجاوز الامتحان، يتحول إلى صاحب عمل خيري، وكأن توزيع الأجوبة على التلاميذ أصبح شكلاً من أشكال الصدقة الجارية. أما من يصر على تطبيق القانون، فيعامل أحياناً كما لو أنه ارتكب خطيئة أخلاقية لا مجرد قيامه بواجبه المهني.

المفارقة تبدأ عندما يغادر هؤلاء الأشخاص أبواب المؤسسات التعليمية ويعودون إلى حياتهم اليومية. هناك يشتكون بحماس من تفشي الرشوة والفساد والمحسوبية وتزوير الانتخابات ورداءة الخدمات العمومية وضعف كفاءة بعض الموظفين والمسؤولين. الجميع يريد دولة قوية ومؤسسات فعالة وأطباء أكفاء ومهندسين محترفين وقضاة نزهاء.. لكن الطريق إلى كل ذلك يجب أن يمر، لسبب غامض، عبر السماح بالغش في امتحان الباكالوريا.

إنها معادلة فكرية تستحق الدراسة. نرفض الفساد عندما يمارسه الآخرون، ونبرره عندما يخدم أبناءنا. نستنكر التلاعب بالقوانين عندما يضر بمصالحنا، ونطالب بتعليقها عندما تقف في طريق طموحاتنا الشخصية. وكأن الأخلاق تحولت إلى خدمة حسب الطلب، تُفعّل أو تُعطّل وفقاً للظروف.

من الناحية النفسية، يمكن فهم هذه الظاهرة عبر ما يسميه علماء النفس بالتنافر المعرفي. فالإنسان يحب أن يرى نفسه شخصاً نزيهاً حتى عندما يقوم بأفعال تناقض هذه الصورة. لذلك لا يقول لنفسه إنه يشجع الغش، بل يقنع نفسه بأنه يساعد ابنه، أو يحارب ظلماً مفترضاً أو يعوض اختلالات النظام التعليمي. وهكذا تتحول المخالفة إلى فضيلة، ويتحول الغشاش إلى ضحية ويتحول تطبيق القانون إلى جريمة أخلاقية.

أما اجتماعياً، فالأمر يعكس ثقافة أوسع تقوم على تقديس النتيجة واحتقار المسار. فالمهم هو الحصول على الشهادة، لا الطريقة التي تم الحصول بها عليها. المهم هو الوصول إلى الباب، أما المفاتيح المستعملة فلا تستحق النقاش. ولهذا السبب نجد، أحياناً، أن المجتمع يتسامح مع وسائل ملتوية كثيرة ما دامت تؤدي إلى النجاح الظاهر.

المشكلة أن المجتمعات لا تُبنى بالشعارات التي ترفعها، بل بالسلوكيات التي تكافئها. وعندما يصبح الغش مقبولاً في المدرسة، لا يختفي بعد التخرج بطريقة سحرية، بل يكبر مع صاحبه. الطالب الذي تعلم أن تجاوز القواعد أمر عادي إذا كانت المصلحة تقتضي ذلك، قد يصبح موظفاً يرى في الرشوة مجرد «هدية»، أو مسؤولاً يعتبر المحسوبية شكلاً من أشكال التضامن العائلي، أو منتخباً يعتقد أن التلاعب بالإرادة الشعبية مجرد تفصيل تقني.

لهذا يبدو غريباً أن نطالب بمؤسسات نزيهة بينما ندرب أبناءنا، منذ المراهقة، على اعتبار النزاهة عائقاً يجب الالتفاف عليه. فالدولة ليست كائناً هبط من كوكب آخر. إنها، في النهاية، مجموع الأفراد الذين مروا يوماً من قاعات الدراسة نفسها.

وربما تكمن السخرية الكبرى في أن بعض من يهاجمون المراقب الصارم اليوم سيقضون السنوات المقبلة في مهاجمة فساد لم يفعل أكثر من أنه كبر قليلاً وغيّر ملابسه. فالغش في ورقة امتحان ليس النقيض الأخلاقي للفساد، إنه نسخته الصغيرة التي لم تنل بعد فرصة الترقية.

وهكذا، مع كل موسم باكالوريا، لا نجتاز امتحاناً في الرياضيات أو الفلسفة فقط، بل نجتاز امتحاناً جماعياً في علاقتنا بالقيم التي ندعي الدفاع عنها. امتحان يطرح أسئلة معقدة: لماذا يحتفي المواطن المغربي بشهادة باكالوريا جاءت عن طريق «الكيت»؟ ويحتج على مرشح فاز بمقعد برلماني عن طريق التزوير؟

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى