ساعات في جحيم فندق بطرابلس ولقاء مع رئيس المجلس الانتقالي الليبي
قضاة الملاعب هشام التيازي (حكم دولي سابق)

حسن البصري:
ابن الحكم يعشق الصفارة منذ الطفولة
بدأ هشام التيازي علاقته بالكرة لاعبا في صغار فريق إسمنت مراكش، وبعد أن بلغ من العمر 15 سنة، اقترح عليه والده الحكم السابق عبد القادر التيازي ممارسة التحكيم، وقرر تسجيله وهو فتى يافع في مدرسة التحكيم بمدينة مراكش ليتعلم قواعد التحكيم، وذلك تحت إشراف حكام متمرسين، كانت مدة التكوين سنة واحدة فقط، لكن بحكم أن والده عبد القادر قد شغل مهمة حكم لسنوات فقد كان التكوين الحقيقي في البيت وفي الملاعب حين كان يرافقه إلى مختلف الملاعب.
تربى هشام في بيت رياضي، كان والده من خيرة الحكام المساعدين وحكام الساحة في مدينة مراكش وعلى المستوى الوطني، بعد اعتزاله أصبح مراقبا للحكام وكانت مهمته تقييم أدائهم بكل موضوعية، لكن أم المفارقات أن يبادر الأب للاستقالة من مهامه كمراقب للحكام بمجرد حصوله على شارة حكم وطني، “قال لي لا يمكن يا بني أن أستمر في تقييم حكام ينافسونك ميدانيا، كتب استقالته للجامعة عن قناعة لأنه رجل مبادئ، لقد آمن بأنه من الصعب الجمع بين تقييم أداء الحكام وابني ضمنهم، كان ضد ازدواجية المهام وحالة التنافي، لقد استقال والدي لكي يتجنب كل جدل محتمل، وهذه سابقة في مجال التحكيم المغربي”. يقول هشام.
قد يكون هشام أصغر حكم في المغرب تقلد مسؤولية قيادة بطولة الفئات الصغرى، بل إنه أشرف على مباريات خاضها لاعبون يكبرونه سنا، لكن نقطة التحول في حياته كحكم، بدأت بعد حصوله على شهادة البكالوريا، حيث انتقل إلى مدينة الدار البيضاء لاستكمال مساره المهني وخضع للتكوين كمدرس للتربية البدنية في الدار البيضاء، حيث كان مضطرا للانضمام لحكام عصبة الدار البيضاء أو عصبة الشاوية في تسميتها القديمة، قضى عامين مع حكام من العيار الثقيل على غرار العرجون وسليم والمومني والقنديشي واللائحة طويلة، ساهمت هذه المدة في صنع شخصية هشام كحكم دولي.
جميل أن يكون والدك هو موجهك الأول، خاصة إذا كان يجمع بين التربية والتكوين والتحكيم، لقد أراده نسخة منه وسعى جاهدا أن يحقق ابنه ما لم يحققه في مسيرته، لهذا حين تتأمل مسار التيازي ستلاحظ تشابها غريبا، نفس البداية نفس المهنة نفس المهمة في التحكيم. لكن الفرق يكمن في كون عبد القادر التيازي دخل مجال التحكيم وهو كبير السن عكس هشام الذي ولج المجال صغيرا، لهذا أراد أن يجد في ابنه ما لم يحققه في مساره. صحيح أن الأب استعمل سلطاته الأبوية ليحول ابنه من لاعب إلى حكم بشكل مبكر لكن ما اكتسبه ابنه من التحكيم من شهرة وحضور في المشهد الرياضي ما كان سيحققه لو استمر لاعبا في فريقه أسمار.
حكم ممنوع من الصفير مدى الحياة
ظلت مباراة الديربي ونهائيات كأس العرش مقياسا لأداء الحكم، فالجامعة الملكية المغربية تمنح هذا الامتياز لأفضل حكامها، يقول هشام وهو يرسم ملامح نزالات الرجاء والوداد: “لا أحد يجادل في كون الديربي مباراة استثنائية بكل المقاييس، هي قشدة البطولة إذا جاز هذا التعبير، لاسيما في ظل الحضور الجماهيري والندية في الملعب والمدرجات وفي الشارع وفي الإعلام المحلي والدولي، تصور أنني حين وطأت قدماي أرضية الملعب وأمام الصخب الجماهيري من الطرفين لم أعد أسمع الاتصالات التي تجمعني بطاقم التحكيم، كنت أعلم أن نجاح الديربي يتوقف في جزء كبير منه علي أنا كحكم”.
الديربي يحتاج لتدبير استثنائي ويحتاج أيضا لاستعداد بدني وذهني، باعتبار أنه لقب فخري بالنسبة لجمهور الفريقين، كنت دائما أطمح لقيادة الديربي بين الرجاء والوداد، باعتبار أنها مباراة هامة في مسار الدوري الوطني وذلك للاهتمام الإعلامي والمتابعة الجماهيرية الواسعة. واللقاء من أكبر الديربيات في العالم، ومنذ بداية الموسم والحكام يستعدون ويتهيؤون لقيادة مباريات كبيرة وضمنها الديربي البيضاوي، الذي لا يتطلب فقط الاستعداد البدني والتقني بل يتطلب أيضا تحضيرا ذهنيا.
في تاريخ الديربيات لابد من استعمال التحكيم كشماعة، من السهل جدا تقديم الحكم ككبش فداء للجماهير الغاضبة، يمكن الرجوع لوقائع تعرض فيها حكام عديدون لانتقادات بسبب قرارات سليمة في غالبيتها. في أعقاب هذه المباريات إما أن تهنئة من المديرية ومن لجنة التحكيم رفقة باقي طاقم التحكيم وإما أن تصبح مادة دسمة لهجوم إعلامي عليك أن تخفض رأسك له.
هناك مباريات أخرى في الدرجة الثانية وهي مباريات تسمى “كلاسيكو” وغالبا ما تجمع الجيش الملكي بفريقي الدار البيضاء، يذكر هشام مباراة صنفت في خانة الكلاسيكو، احتضنها مركب محمد الخامس، حصل شغب في المدرجات فقرر توقيف المباراة، حاول مسؤولو الجيش الملكي الضغط عليه لكي يعلن عن توقيف المواجهة، لكن والي الأمن أعطاه تطمينات بإعادة الهدوء للمدرجات في دقائق قليلة. القانون يسمح للحكم بتوقيف المباراة مؤقتا وإعطاء مهلة، قبل استئنافها من جديد، بعد التأكد من عودة الهدوء إلى المدرجات وأرضية الملعب، كان محقا في قراره واستأنفت المباراة بعد دقائق معدودة وجنب المدينة شغب الشارع.
في مباراة برسم الدوري المحلي، جمعت يوسفية برشيد بأولمبيك خريبكة، أعلن الحكم التيازي عن أربع ضربات جزاء، وحين مني الفريق الحريزي بالخسارة، اتهم الحكم واشتكاه للجامعة وهدد رئيس الفريق بإنهاء مسيرته كحكم.
أصدرت اللجنة المركزية للتحكيم قرارا بتوقيف هشام التيازي مدى الحياة، فاستعان بمحام متخصص في المجال الرياضي، دفاعا عن كرامته وعن مسيرته الرياضية وأسرته الصغيرة. كشف المحامي للجنة التأديب عن فراغ الملف، وقال في مرافعته لا توجد إدانة لا توجد شكاية أصلا لا يوجد اعتراف، لا توجد قرائن، مقابل وجود تنقيط جيد ووجود تسجيل للمباراة يمكن اللجوء إليه. حتى التوقيف مدى الحياة فيه تهويل للقضية، عقوبة من هذا الحجم تحيل على وجود فساد أو رشوة أو تلاعب أو غش، لكن كل ما في الأمر تقرير يقول إن الحكم أعلن عن ركلات جزاء.
لكن لجنة الاستئناف أنصفت هشام وألغت القرار الابتدائي، “لقد كنت واثقا في أنني على حق بعد صدمة الحكم القاسي، والذي أصابني وأفراد أسرتي برجة نفسية عنيفة”.
ما بعد نكسة التوقيف مدى الحياة
عاش على امتداد شهرين أياما عصيبة، ليس بسبب الحكم بل لما عانته أسرته: “عندي أسرة تأثرت بالحكم والدي عاش فترة عصيبة، أبنائي انقطعوا عن الدراسة لمدة أسبوع، كان الناس يسألونهم لماذا طردوه والدكم وهل اعتقلوه؟ أنا أستاذ رجل تربية وتعليم أقرأ في عيون التلاميذ أو زملائي أسئلة عن سر التوقيف”.
عاش أزمة حقيقية وبعد إلغاء القرار شعر بولادة جديدة له ولأسرته الصغيرة التي كانت تستحق الكثير، فقد كان يمني النفس بنهاية مسار ليست كهاته، لأن القرار الزجري له مضاعفات نفسية بالخصوص على محيط الحكم أو اللاعب أو المسير، فحين نصدر عقوبة في حق شخص فنحن نعاقب من حيث لا نعلم أفراد أسرته وأقرب أصدقائه.
الغريب في حكاية توقيف التيازي، أنه ظل وفيا لتداريبه وكأنه سيعود للتدريب غدا، علما أن توقيفه صادف فترة كورونا، لقد كانت لديه ثقة في العودة إلى الميادين، بل كان يستفيد من دعم كورونا الذي خصصته الجامعة للحكام، كما استفاد كباقي الحكام من الدعم المالي خلال فترة التوقف عن الممارسة منذ شهر مارس الماضي بسبب جائحة فيروس كورونا المستجد، إضافة إلى مشاركته في تكوينات عن بعد سواء تلك التي نظمتها جامعة كرة القدم أو الاتحاد الدولي والإفريقي للعبة سواء “فيفا” أو “كاف”. لقد واضب على التمارين لأنه مؤمن ببراءته ولأنه يعلم أن الاختبار التقني والبدني ينتظرانه آجلا أم عاجلا. وبعد إلغاء القرار خضع بملعب “شهود” للاختبار الفردي فاجتازه بنجاح.
لم يهتم الاتحاد الدولي بقرار التوقيف، ظل يتعامل مع التيازي كحكم دولي لا ينقطع بينهما التواصل، يحيطه بكل المستجدات والتعليمات، وهذا أكبر دليل على حقه المشروع في البراءة، بل إن لجنة الحكام بالاتحاد الإفريقي لكرة القدم، قد أسندت له مهمة قيادة مباراة شباب بلوزداد الجزائري والنصر الليبي، برسم الدور التمهيدي لكأس الكونفدرالية الإفريقية “كاف”، كحكم رابع.
احتجاز في طرابلس.. ساعات في الجحيم
تلقى التيازي دعوة من الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، للسفر إلى ليبيا من أجل قيادة مباريات دوري سداسي هناك، علم أن جامعتنا قررت إرسال طاقمين الأول يوجد على رأسه الحكم بوشعيب لحرش والثاني يتقدمه التيازي، ولأن الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم كانت ترتبط بعقد شراكة مع نظيرتها الليبية فقد تقرر أن يكون حكام المغرب هم أول البعثات التي تدخل ليبيا بعد الحرب الأهلية.
كانت عودة نشاط كرة القدم والمشاركة الفعالة في المحافل القارية والدولية، حلما يراود الشعب الليبي، الذي حرم من فعاليات رياضية عديدة خلال عقد الفوضى، وبعدما تحسنت الأوضاع الأمنية والسياسية في ليبيا، قرر اتحاد كرة القدم استئناف الدوري بعد توقف النشاط لسنوات نتيجة الحرب، واقتصرت العودة على فرق الدرجة الممتازة للدوري.
سعد حكامنا بالتعيين وقرروا الانخراط في جهود الدولة للمساهمة في عودة الأمن والسلام لهذا البلد، بدليل أن المغرب استقبل المنتخب الليبي في مركز المعمورة وساهم في إقامة معسكر في بلادنا تعزيزا للشراكة القائمة بين البلدين، بل إن المملكة المغربية تستقبل أطراف الحكم السياسي في ليبيا لتقريب وجهات النظر وإعادة الاستقرار لهذا البلد.
يستحضر التيازي ليلة الغارة: “عشنا ظروفا صعبة، فقد كنا أول أجانب دخلوا ليبيا بعد أن توقف صوت الرصاص، لقد سافرنا من الدار البيضاء إلى تونس، ومنها إلى ليبيا برا عبر الحدود، اكتشفنا مشاهد مرعبة، ميليشيات في كل مكان، وفي كل مرة يتم التأكد من هوياتنا أمام كثرة نقط التفتيش، كما فوجئنا بسيارات دون لوحات الترقيم، كان وصولنا إلى ليبيا عبر الحدود البرية كافيا ليقدم لنا صورة عما كان ينتظرنا”.
كان اتحاد الكرة الليبي عاقدا العزم على استئناف مباريات كرة القدم، خاصة وأن الجماهير الليبية وكذلك الأندية، متعطشة لعودة النشاط الرياضي بكامل قوته إلى سابق ما كان عليه، قبل اندلاع الاضطرابات في ليبيا. الاتحاد الليبي لكرة القدم وبتنسيق مع الجامعة المغربية استعان بنا لإنجاح هذه العودة. لقد تم تعيننا للمشاركة في هذا الحدث فلم نتردد في الاستجابة بالرغم من صعوبة المهمة، لكن الحكام المغاربة تعودوا على مصاعب الأسفار الخارجية خاصة حين يتعلق الأمر ببؤر التوتر.
“المشكل لم يكن في الملعب بل كان في الفندق الذي أقمنا فيه، لقد كنا نضطر أحيانا لجمع الأسرة التي ننام عليها، حين يتقاطر الرصاص على الفندق، قلت لزملائي الحكام مازحا، “ربما أرسلونا إلى هنا للتخلص منا”، وكنت أومن بالقضاء والقدر وأعتبر نفسي سفيرا لبلدي في هذه البؤرة. في الملعب قدمنا مستويات جيدة وكنا موضع تقدير من المسؤولين عن الاتحاد الليبي لكرة القدم، خاصة وأن الفرق الليبية كانت تطالب بتحكيم من خارج البلاد”.
قدم حكامنا صورة رائعة عن التحكيم المغربي في ظروف استثنائية، الإشادة كانت أولا بحضور الأطقم المغربية وثانيا لمردودها، بل إن رئيس المجلس الانتقالي الليبي مصطفى عبد الجليل، قد زار الأطقم في الفندق الذي يقيمون فيه، وتحدث معهم عن الوضع العام في البلاد، وجدد الترحاب بهم، مشيرا إلى أن إشراف مغاربة على قيادة مباريات العودة للمنافسات يؤكد أن المغرب داعم أساسي لليبيا مساهم في عودة الأمن والأمان إليها. قال الرئيس إن من الأمور التي تساعد على انطلاق الدوري الليبي متوفرة، واعتبر أن الرياضة الليبية بوجه عام، وكرة القدم بوجه خاص تأثرت بويلات الحرب، إلا أن هذا لن يمنع من الاتحاد من السعي بكل طاقته إلى عودة النشاط الكروي إلى مساره السابق.





