ستيفن والت: من يخاف توازن القوى؟
عالم سياسة قلب الفكر السياسي لما بعد الحرب الباردة

ستيفن مارتن والت هو أستاذ أمريكي للعلاقات الدولية في جامعة هارفرد كلية كينيدي للحكم، وهو منتسب للمدرسة الواقعية للعلاقات الدولية. وقد قدم مساهمات مهمة في نظرية الواقعية الدفاعية الجديدة، كما ألف نظرية «توازن القوى». حيث تتضمن الكتب التي ألفها (أو شارك في تأليفها)، «أصول التحالفات والثورة والحرب»، وكتاب «اللوبي الإسرائيلي والسياسة الأمريكية الخارجية».
مفتاح فهم السياسة الدولية اليوم
توازن القوى نظرية تقوم على أن وجود الدول والتحالفات في حالة تكاد تتعادل فيها قوتها العسكرية، أمر من شأنه أن يحول دون نشوب النزاع المسلح، وعليه فإن بعضا من الدول تسعى إلى الحفاظ على التوازن العسكري في ما بينها، ويعتبر سعي إحدى الدول إلى زيادة قدرتها العسكرية بالصورة، التي تخل بتوازن القوى أمرا يدعو للاضطراب ويولد سعيا من قبل الدول الأخرى لتعزيز توازن القوى بمعاهدات تلتزم فيها الدول الأطراف بالحفاظ على قوتها العسكرية، ضمن حدود مقبولة من الدول الأخرى. وفي معاهدات السلام التي تبرم بين الدول بعد انقضاء الحروب، يتم في العادة التطرق إلى توازن القوى، والإشارة إلى الترتيبات التي من شأنها أن تحافظ عليه وتحول دون الإخلال به.
تقول نظرية توازن القوى في العلاقات الدولية إن بإمكان الدولة ضمان وجودها عبر منع أي دولة أخرى من اكتساب قوة عسكرية، تمكنها من الهيمنة على الدول الأخرى. إذا أصبحت دولة ما شديدة القوة، تقول النظرية إنها ستستغل جيرانها الأضعف منها، وبالتالي تدفعهم إلى الاتحاد وتشكيل تحالف دفاعي. يدعي بعض الفلاسفة من أنصار الواقعية السياسية أن نظام توازن القوى أكثر اسقرارا من النظام الآخر الذي تهيمن من خلاله دولة واحدة، فلا يكون خيار اللجوء إلى العدوان حلا مربحا، عندما يوجد توازن في القوى بين الأحلاف المتخاصمة.
عندما تتعرض دولة ما للتهديد، فتلجأ إلى الحماية إما عن طريق إحداث توازن في القوى، وذلك عبر التحالف مع الدول الأخرى ضد التهديد المحدق بها، أو التحالف مع القوى العظمى والتي تهدد الدول الأخرى. من استراتيجيات التحالف الأخرى، نجد نظرية تمرير المسؤولية والتقارن المتسلسل. خاض الواقعيون جدالات طويلة بخصوص تأثير قطبية النظام السياسي على التكتيكات التي يختارها، لكن من المتفق عليه أن في جميع الأنظمة القطبية، لا تملك القوى العظمى خيارا سوى أن تواجه بعضها البعض. وبالإضافة إلى النقاشات المتعلقة بمدى انتشار توازن القوى في أنماط التحالفات، تنتقد مدارس أخرى مختصة بالعلاقات الدولية، مثل المدرسة البنائية، نظرية توازن القوى، وتعارض بذلك المعتقدات الأساسية لنظرية الواقعية السياسية المهتمة بالنظام الدولي وسلوك الدول.
إن المنطق الأساسي الذي يقف خلف نظرية توازن القوى (أو إذا فضلتم نظرية توازن التهديد)، هو منطق بسيط وصريح. فنظرا لعدم وجود «حكومة عالمية» تحمي الدول بعضها من بعض، فإن على كل دولة أن تعتمد على مواردها واستراتيجياتها، لتتجنب تعرضها للاحتلال والقهر من طرف الآخرين، أو أن تتجنب التعرض لمخاطر أخرى. فحين مواجهة دولة مُهدِّدة أو ذات قوة، فإن البلد المتخوف بإمكانه أن يحشد مزيدا من موارده، أو أن يبحث عن حليف من الدول الأخرى يواجه الخطر نفسه، حتى يُحول ميزان القوة لمصلحته أكثر.
في حالات الضرورة القصوى، فإن تشكيل ائتلاف يتوازن مع غيره قد يتطلب وجود دولة تقاتل إلى جانب بلد آخر تم النظر إليه مسبقا من طرفها على أنه عدو، أو حتى منافس لها في المستقبل. لذلك تحالفت الولايات المتحدة وبريطانيا مع الاتحاد السوفياتي، أثناء الحرب العالمية الثانية؛ لأن إلحاق الهزيمة بألمانيا النازية قد نال الأسبقية على المخاوف طويلة الأمد، بخصوص الشيوعية. التقَف وينستون تشرشل هذا المنطق تماما، حينما علق ساخرا: «إذا ما غزا هتلر الجحيم، فسوف أود أن أكون مرجعا مفضلا لدى الشيطان في مجلس العموم». وعبر فرانكلين ديلانو روزفلت عن مشاعر مشابهة، حينما قال إنه «سوف يعمل يدا بيد مع الشيطان»، إذا كان ذلك سوف يساعد على دحر الرايخ الثالث. حينما تحتاج حقيقة إلى حلفاء، فمن غير الممكن أن تكون صاحب خيار.
لماذا ينبغي الحفاظ على التوازن؟
لا داعي للقول إن منطق «توازن القوى» قد أدى دورا مهما في السياسة الخارجية الأمريكية، خصوصا حينما كانت المخاوف الأمنية لا لبس عليها. لقد تم تشكيل حلفاء أمريكا في الحرب الباردة (مثلا الناتو، ونظم التحالفات الثنائية في آسيا)، لأجل موازنة واحتواء الاتحاد السوفياتي، وقد قاد الدافع نفسه الولايات المتحدة إلى دعم نظم ديكتاتورية عدة في إفريقيا، وأمريكا اللاتينية، والشرق الأوسط وغيرها من الأماكن. بشكل مشابه فإن انفتاح ريتشارد نيكسون على الصين سنة 1972، كان انفتاحا مستلهما من مخاوف صعود القوة السوفياتية، كما كان هناك إدراك بأن قيام روابط مقربة مع بكين، من شأنه أن يضع موسكو في موضع غير موات.
لكن صناع السياسات والخبراء، رغم صلتهم الطويلة والمستمرة بهكذا موضوع، عادة ما يفشلون في إدراك الطريقة التي يقود بها منطق توازن القوى سلوك كل من الحلفاء والخصوم على حد سواء. يرجع قسم من هذه المشكلة إلى الاتجاه الأمريكي المشترك، والسائد الذي يفترض بأن سياسة الدولة الخارجية تُشَكلُ في أغلب الأحيان عبر سماتها الداخلية (مثلا شخصية قادتها، أو نظامها السياسي والاقتصادي، أو إيديولوجيتها الحاكمة إلخ)، بدلا من الظروف والمعطيات الخارجية (مثلا جملة التهديدات التي تواجهها).
انطلاقا من وجهة النظر هذه، فإن حلفاء أمريكا «الطبيعيين» هم الدول التي تتشارك قيمنا، فحينما يتحدث الناس عن الولايات المتحدة باعتبارها «قائدة للعالم الحر»، أو حينما يصفون الناتو باعتباره «المجتمع العابر للأطلسي» للديمقراطيات الليبرالية، فإنهم يرون بأن هذه الدول يدعم بعضها بعضا، لأنها تتقاسم ذات الرؤية المتعلقة بالطريقة التي ينبغي أن يُدار بها العالم.
بالطبع، فإن القيم السياسية المشتركة ليست من الأهمية بمكان. صحيح أن بعضا من الدراسات الإمبريقية ترى بأن التحالفات الديمقراطية أكثر استقرارا من التحالفات القائمة بين الديكتاتوريات، أو بين نظم ديمقراطية وأخرى غير ديمقراطية. لكن، مع ذلك، فإن الافتراض القائل بأن مكون الدولة الداخلي يحدد تمييزها للأصدقاء والأعداء، أمر بإمكانه أن يضللنا في نواح عدة.
لا وجود لقيم سياسية مشتركة
أولا، إذا ما اعتقدنا بأن القيم المشتركة تعتبر قوة توحيد عظيمة، فمن المحتمل أن نكون قد بالغنا في تماسك ومتانة بعض من حلفائنا القائمين. يعتبر الناتو مثالا واضحا عن ذلك: لقد أزال انهيار الاتحاد السوفياتي منطق بقاء الناتو الأساسي، ولم تمنع الجهود الشاقة لإعطاء التحالف نمطا جديدا من المهام ظهور علامات متكررة ومتنامية للتوتر بين أعضائه، ربما كان سيختلف الأمر لو أن حملات الناتو في أفغانستان أو ليبيا قد سارت على ما يرام، لكنها لم تكن كذلك.
لنكون متأكدين، فقد أوقفت الأزمة الأوكرانية انحدار الناتو البطيء بشكل مؤقت، إلا أن هذا الانقلاب أو التغير المتواضع أكد فقط الدور المركزي للتهديدات الخارجية، (مثلا الخوف من روسيا) التي أدت دورا مهما في المحافظة على [دول] الناتو معا.
إن «القيم المشتركة» ببساطة غير كافية لاستدامة ائتلاف ذي معنى يضم قرابة 30 أمة متوزعة على ضفتي الأطلسي، بل أكثر من ذلك، فإن دولا على غرار تركيا والمجر وبولندا متخلية عن القيم الليبرالية التي يرتكز الناتو عليها.
ثانيا، إذا ما نسيتم سياسة توازن القوى، فسوف تُفاجؤون حينما تُوحّدُ دول أخرى (وفي بعض الحالات فواعل غير دولاتية) قِواها ضدكم. لقد فُوجئت إدارة جورج دبليو بوش، حينما وحدت فرنسا وألمانيا وروسيا قواها، بهدف صد جهودها للحصول على مصادقة مجلس الأمن القومي حتى تغزو العراق سنة 2003، إنها خطوة اتخذتها هذه الدول لأنها أدركت أن إسقاط صدام حسين قد يكون له نتائج عكسية ستهددها مستقبلا (وهو ما حدث فعلا). مع ذلك لم يستطع قادة الولايات المتحدة إدراك لماذا لم تنتهز هذه الدول الفرصة لإزالة صدام، وتحويل المنطقة باتجاه الخط الديمقراطي. هكذا اعترفت لاحقا مستشارة بوش لشؤون الأمن القومي، كوندوليزا رايس، بقولها: «سوف أقولها بغاية الصراحة: ببساطة لم نفهم ذلك الأمر».
لقد فوجئ مسؤولون أمريكيون معا، حينما ضمت كل من إيران وسوريا قواهما لمساعدة التمرد العراقي بعد الغزو الأمريكي للبلاد، رغم أنه كان من المنطقي بالنسبة إليهم تأكيد فشل جهود إدارة بوش في إحداث «تحول إقليمي» ما. لقد كانت إيران وسوريا ستصيران الدولتين التاليتين على قائمة بوش، إن نجح احتلال العراق، ولقد تصرفتا فقط كأي دولة معرضة للتهديد (مثلما تتوقع نظرية توازن القوى). وبالطبع ليس للأمريكيين أي سبب منطقي للترحيب بسلوك كهذا، لكن لا ينبغي لهم أن يفاجؤوا به.
ثالثا، يُشجعنا التركيز على الانتماءات السياسية والإيديولوجية، وتجاهل دور التهديدات المشتركة على رؤية الخصوم أكثر توحدا من كونهم كذلك حقا. وبدلا من أن يُدرك المسؤولون والمعلقون الأمريكيون وجود تعاون واسع بين المعارضين لأسباب أداتية وتكتيكية، فإنهم يسارعون إلى افتراض أن الخصوم مرتبطون معا بالتزام عميق عبر مجموعة من الأهداف المشتركة. في حقبة سابقة، رأى الأمريكيون العالم الشيوعي موحدا بشكل متراص وحازم، كما اعتقدوا خطأ بأن كل الشيوعيين في كل مكان كانوا عملاء موثوقين للكريملين. ولم يقدهم هذا الخطأ إلى تفويت (أو إنكار) فرصة الانقسام الصيني السوفياتي وحسب، بل أخطأ القادة الأمريكيون أيضا في افتراضهم أن اليساريين غير الشيوعيين كانوا على الأرجح متعاطفين مع موسكو أيضا. بالمناسبة فقد ارتكب القادة السوفيات الخطأ ذاته.
تعيش هذه الغريزة المضللة اليوم، للأسف الشديد، في عبارات مثل «محور الشر» (الذي عُنيَ به إيران، والعراق وكوريا الشمالية، وهي دول كانت جزءا من ذات الحركة الموحدة)، أو في مصطلحات مُضللة أخرى على غرار «الفاشية الإسلامية»، فبدلا من أن ينظر القادة والخبراء الأمريكيون إلى الحركات المتطرفة باعتبارها تنظيمات متنافسة تحمل رؤى وأهدافا متعددة، فإنهم يتحدثون ويتصرفون بشكل روتيني تجاهها، وكأن أعداءنا كانوا يتحركون جميعا انطلاقا من قواعد لعبة متماثلة. وبعيدا من أن تكون هذه الجماعات متوحدة بشكل قوي عبر عقيدة مشتركة، فإنها غالبا ما تعاني من انقسامات إيديولوجية عميقة ومنافسات شخصية، وهي توحد قواها لضرورة ما أكثر من وجود قناعة بعينها. ويمكن لهذه الجماعات أن تستمر في التسبب بمشكلات بالطبع، لكن الافتراض بأن كل الإرهابيين هم جنود أوفياء موالون في حركة عالمية واحدة، أمر يجعلهم يبدون بمظهر مخيف أكثر مما هم عليه حقيقة.





