
بقلم: خالص جلبي
لا صدفة ولا عبث في خلق الإنسان، هذا يتقرر تماما لمن يدرس وليس لمن يقرأ (للتسلية) والفرق كبير بين الدراسة الواعية الجاهدة، وبين القراءة السطحية المتثائبة.
العقل السنني
يتبين للدارس أن (السنة) تسود التفاعل والتركيب مهما دق أو عظم في بناء الإنسان، وعندما يعاشر العقل هذا الوسط ويعيش معه، ينقلب العقل إلى عقل سنني علمي، وهكذا تتحول المعرفة من معرفة عامية إلى معرفة علمية سننيه، ويبدأ في التعامل مع الوجود تعاملا جديدا، لأن (السلوك) انبثاق وإفراز تال (للمعرفة).
ولكن كيف يبدأ العقل في إدراك السنة أو القانون، عندما يغوص مع أسرار الخلق الإنساني؟ السنة تسيطر على الوجود، تحكم ارتباط علاقاته، وهي الشيء الذي يتكرر دوما بتحقق شروطه الأولية، وهيمنة السنة تتجلى في كافة قطاعات الوجود، فهي تهيمن:
1ـ على المستوى المادي الطبيعي:
بدءا من الذرة، ومرورا بعالم المجموعات الشمسية والشهب والنيازك وانتهاء بعالم المجرات والسدم، يسيطر القانون أو السنة كتركيب وكحركة مثل قانون نيوتن في الجاذبية، أو قانون أينشتاين في تمدد الكون…
2ـ في العالم العضوي البيولوجي:
بدءا من أبسط التراكيب العضوية مثل النشادر، حتى أعقد التراكيب العضوية، مثل سلاسل الأحماض الأمينية الضخمة التي تشكل الخضاب (أربع سلاسل من الأحماض الأمينية يشكلها 574 حمضا أمينيا)، ومثل هورمون النمو، والأنسولين الذي يتكون من سلسلتين من الأحماض الآمينية بينهما جسور كبريتية مضاعفة، ومثل حمض D.N.A الذي يشترك في تكوين نواة الخلية الحية.
3ـ في مستوى الكائنات الحية:
بدءا من وحيدات الخلية، ومرورا بعديدات الخلايا، وانتهاء بالتراكيب الصعبة التي تشكل الأعضاء والأجهزة.
4ـ في العالم النفسي:
وعندما ننعرج إلى العالم النفسي نواجه السنة أيضا وهي تحكم أبسط الانفعالات النفسية، ومرورا بالآليات النفسية المختلفة (التعويض، التبرير، النكوص)، وانتهاء بالوظائف العقلية الراقية (التفكير، التذكر)، حيث يعجز العقل عن إدراك كيف يدرك، ويعجز عن فهم كيف يفهم، وحيث تعتبر الذاكرة قضية مخيفة التعقيد لا يزال العلم عاجزا عن فهمها حتى الآن.
5ـ في المستوى الاجتماعي:
وعندما نغير نوعية المستوى وندخل الحياة الاجتماعية نرى أن له قوانينه الخاصة، مع إضافة ثلاث ملاحظات:
الملاحظة الأولى:
عندما يعجز العلم عن تفسير بعض الظواهر النفسية أو الاجتماعية التاريخية فيجب أن لا نشعر بالزهو لأنه وقف هنا، فالإيمان لا يثبت بتعجيز أو تجميد العلم، أو حيرته أمام بعض الظواهر، بل يجب أن نستشعر أن العلم لا يمكن أن يخون الإيمان وما ينبغي له، ولا نأمل في المستقبل إلا أن يزيد عمق القضية الإيمانية.
(ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد) (سبأ ـ 6)، بل يفتح القرآن باب التحدي والتفاؤل للمستقبل، (ولتعلمن نبأه بعد حين)، (ص ـ 88).
الملاحظة الثانية:
السنن لها سمتا العمومية والنوعية…
أ ـ العمومية:
هناك من السنن ما يسود قطاعات الوجود كلها، كما هو الحال في العلاقات التسخيرية (الجدلية)، والحركة، والتغير، أو ما يسود أكثر من قطاع واحد، باختلاف هذه القطاعات المعينة.
ب ـ النوعية:
هناك من القوانين ما يسيطر في قطاعه فقط، ولا يتعدى هذا القطاع في مثل علاقة الحرارة بطول المعدن كعلاقة طردية، أو علاقة الضغط بالحجم كعلاقة عكسية، أو كما في قانون الكيمياء العضوية، حيث تشترك خمسة عناصر في إنتاج ما يزيد على نصف مليون مركب عضوي، أو كما في الاختصاصات الخلوية في جسم الإنسان، أو في نوعية القوانين النفسية كما في الانفعالات والمشاعر والغرائز وتوليد الأفكار، أو في نوعية النظم الاجتماعية كقوانين تخلّق أو تموّت أي نظام، لأنها قوانين نوعية تعبر عن ثقافة معينة.
الملاحظة الثالثة:
القانون هو قانون لا أكثر في أي مستوى كان، فاكتشاف قانون علمي يبقى في حاجة إلى التفسير العقلي العقائدي، ولا يعني كفرا أو إيمانا من وجهة النظر الموضوعية، ولكنه يبقى ناقصا في حاجة إلى تفسير تحت إلحاح العقل ومطالبته، وعندما تبدأ العقائد عملها عند ذلك تفسر هذه القوانين بما يعطيها طابع (التكامل والغائية)، وهي الإجابة عن سؤال لماذا بعد أن أجاب العلم التجريبي عن كيف؟
فاكتشاف القوانين الاقتصادية أو الاجتماعية لا يعني الإلحاد كما يفعل بعض الذين يبحثون في هذا المجال، حيث يتحكمون بشكل مذهبي في بعض القضايا العلمية، عندما تخالف مذهبهم كما فعل شلوفسكي عندما أراد تفسير وجود الكون، ووجد أن الفيزياء الكونية لا تتماشى مع الماركسية في خلق الكون، أو ما حصل مع فافيلوف، العالم الوراثي، حينما رأى علم الوراثة يصطدم مع الماركسية، ولما أعلن رأيه عزله ستالين.
المنطق الإيديولوجي
جاء في كتاب «الإيديولوجية الانقلابية» عن الماركسية والبيولوجيا (علم الوراثة) ما يلي:
(تؤمن الماركسية بأن الطبيعة الإنسانية تعتمد في معناها على الأوضاع الاقتصادية، وتتغير بتغيرها، لهذا السبب، ورعاية لمفهوم التفاؤل رأت الحكومة السوفياتية نفسها مضطرة إلى اقتلاع جذور علم الوراثة، الذي يعلن أنه ليس بإمكاننا أن ننقل عن طريق الوراثة خصائص نكسبها أثناء حياتنا، كما أن أي تحول أساسي في طبيعة أي جنس لا يحدث إلا عن طريق التناسل الموجه أو الطبيعي، فبينما تتغير الخصائص المكتسبة بتغير الأوضاع الاقتصادية الاجتماعية التاريخية، نرى أن الطبيعة الإنسانية تبقى ثابتة، لهذا رأى العهد الستاليني ضرورة التخلص من العالم فافيلوف، ذي الشهرة العالمية، واستبداله بـ(ليزانكو)، سعيا وراء تأكيد مبدأ نقل الخصائص المكتسبة عن طريق الوراثة، لأن المنطق الإيديولوجي الشيوعي رأى أن المفهوم الماركسي الذي يبشر بإنسان جديد، عن طريق التطور الاقتصادي، يتحطم عند ذاك المبدأ.
نافذة:
السنة تسيطر على الوجود تحكم ارتباط علاقاته وهي الشيء الذي يتكرر دوما بتحقق شروطه الأولية وهيمنة السنة تتجلى في كافة قطاعات الوجود





