
لا شك أن مدينة بودابست الهنغارية واحدة من أجمل المدن في أوروبا، إذ تمزج بين الطابع الأوروبي الحديث والتراث العثماني الإسلامي؛ ومن أروع مبانيها في قلب المدينة على ضفاف نهر الدانوب، مبنى البرلمان الهنغاري.
زرتها ثلاث مرات؛ وكانت الأولى خلال زيارة دراسية ممولة من المعهد الذي كنت أدرس فيه، وكان البرنامج محددا ومكثفا، مليئا بالزيارات والأنشطة تحت إشراف الطاقم البيداغوجي؛ ورغم أنني لست من هواة هذا النوع من السفر، حيث يزور الإنسان كل شيء من دون تأمل حقيقي، تستيقظ باكرا وتعود متأخرا متعبا ومرهقا فتحتاج إلى عطلة بعد العودة، فإنك حين تبحث في ذاكرتك لا تجد الكثير مما يذكر، لأنك كنت مجرد جزء من مجموعة في حالة تفرج.
كان من بين الأماكن التي رغبت في التعرف إليها أكثر مبنى البرلمان، الذي يتميز بحضوره المهيب ويجذب الأنظار فورا، سواء كنت على ضفاف الدانوب أو على تلال بودا؛ فطرازه القوطي الجديد، بألوانه الأبيض والبني الفاتح، وقبته المركزية البارزة وأبراجه الشاهقة، وواجهته الضخمة المطلة على النهر والمزينة بتماثيل الشخصيات التاريخية والزخارف المعمارية الدقيقة، يمنحك انطباعا بأن المبنى يروي تاريخ المجر بأكمله.
زرت بودابست مرتين بعد الزيارة الأولى، وفي كل مرة كنت أزور البرلمان وأحجز جولة إرشادية جماعية مع مرشدة ناطقة بالفرنسية؛ وكانت دائما السيدة نفسها، بشخصيتها الصارمة ووجهها الذي نادرا ما يظهر المشاعر؛ كانت تنقل، وإن بدا ذلك بلا إحساس ظاهر، شغفها بالمكان الذي تعلقت به وتحاول إيصال أدق تفاصيله إلى الزوار.
في الزيارة الثالثة كان الخطاب نفسه والتعليقات ذاتها، التي تقودك إلى تفاصيل قد يمر عليها الزائر من دون انتباه أو فهم كامل، لكنها كانت متكررة إلى درجة أن حتى إجابات الأسئلة لم تتغير، يومها وجدت نفسي أسبقها بالتعليق على خصوصية هذا المبنى، الذي أعتبره أجمل مبنى برلمان رأيته؛ فقد شيد خلال فترة الإمبراطورية النمساوية المجرية، حين حصلت بودابست على قدر من الحكم الذاتي، وأرادت أن تظهر قوتها وهيبتها واستقلالها التشريعي بعيدا عن برلمان فيينا.
إلى جانب البرلمان، هناك مكانان لا يمكن زيارة بودابست من دونهما؛ الأول هو متحف “بيت الرعب” الواقع في الشارع الرئيسي، والذي كان مقرا للشرطة السرية النازية ثم الشيوعية لاحقا، يعرض المتحف وثائق وصورا وشهادات ناجين ومعارض تفاعلية تشرح فترات الاحتلال النازي والحكم الشيوعي، كما يضم المبنى زنازين وأقبية استخدمت للسجن والاضطهاد والتعذيب، فتخرج من زيارته بقلب مثقل.
بعد تجربة كهذه، يصبح من الضروري المرور بدار الأوبرا المجرية القريبة، كنوع من التوازن أو العلاج من الصدمة، للاستمتاع بعروض الأوبرا والباليه والموسيقى الكلاسيكية؛ تجربة تضيف بعدا ثقافيا وفنيا إلى الرحلة.
عندما يطلب مني تقديم نصيحة حول المجر، أقول إن يوما واحدا يمكن أن يجمع زيارة هذه الأماكن الثلاثة؛ سفر في المعمار والتاريخ خلال مرحلة الإمبراطورية النمساوية المجرية، مرورا برعب النازية والشيوعية، وختاما بعرض أوبرا راق في بناية تعيد الثقة بأن الفن وجمالية العمارة قادران على تضميد الذاكرة. كما يمكن زيارة بودا، المنطقة الجبلية التاريخية ذات التلال التي تطل على بيست في مشهد بانورامي جميل، يفصل بين الجانبين نهر الدانوب وتربطهما عدة جسور. في بودا الهادئة تطغى معالم الإرث العثماني، من الحمامات الحرارية إلى بعض الأضرحة والآثار المعمارية ذات الطابع التركي.
جمالية المدن تكمن في قدرتها على تحويل ماضيها بكل صعوباته وتحولاته إلى فضاء للذاكرة وجذب الزوار؛ وبودابست مثال حي على ذلك.





