
كان الضعف قد دب في أوصال بلاد الأندلس المسلمة، وعاشت حالة من التمزق في كل أطرافها، وأصبح خطر مملكتي قشتالة وأرغون يتفاقم يوما بعد يوم، يتربص منتظرا اللحظة السانحة للانقضاض فيها على ما تبقى من الأندلس، ولم ييأس طوال القرون السابقة من تحقيق أمله الطامح إلى إزالة الوجود الإسلامي في الأندلس، أو ما أسماه بحرب الاسترداد.
ولم يكد ينتصف القرن السابع الهجري حتى كانت ولاية الأندلس الشرقية والوسطى في قبضة القشتاليين، وأصبحت حواضر الأندلس الكبرى أسيرة في قبضتهم، حيث سقطت قرطبة وبلنسية، وإشبيلية، وبطليوس، وهي حواضر كانت تعرف حركة علمية وثقافية وحضرية كبيرة. ولم يبق من وجود إسلامي سوى في بضع ولايات صغيرة في الطرف الجنوبي من الأندلس.
وفي مملكة صغيرة عرفت بمملكة غرناطة، شاء لها القدر أن تصمد أكثر من قرنين من الزمان، وأن تنعم بحضارة متألقة وحياة ثقافية مزدهرة. لكن تحالف الملكين فرديناند الخامس وإيزابيلا كان بداية النهاية لمملكة غرناطة، التي تكاد تترنح وسط هذا الطوق الخانق. فكان قرارهما حصار غرناطة بقواتهما في 30 أبريل 1491 حصارا شديدا، ومنعا أي مدد أن يأتي لنجدتها من المغرب، حتى تستسلم المدينة، ويسقط آخر معقل للمسلمين في الأندلس.
عانى أهالي غرناطة معاناة قاسية خلال الحصار، وقامت القوات الإسبانية بتحطيم وحرق الحقول المجاورة للمدينة، ما تسبب في مجاعة رهيبة بين سكان غرناطة. وظلت المدينة تعاني من الحصار زهاء سبعة أشهر، وحاول الفرسان المسلمون أن يدفعوا هجوم الإسبان بكل ما يملكون خارج أسوار المدينة، لكن ذلك لم يغن من الأمر شيئا، فالأحوال ازدادت سوءا، والمحاصرون تفاقمت محنتهم، وانقطع الأمل تماما في نجدتهم من بلاد المغرب الذي لم يستطع ذلك أيام الدولة الوطاسية، التي كانت هي الأخرى تعاني من الصراعات الداخلية على الحكم ومن ضعف الدولة المركزية، والأزمات الاقتصادية، وعجزها عن حماية سواحلها، ما جعل تدخلها العسكري لإنقاذ غرناطة والأندلس أمرا غير ممكن في تلك الفترة التاريخية الحرجة.
وأصبح أيضا من المستحيل إعادة ما حققه المرابطون في معركة الزلاقة والموحدون في معركة الأرك، وما قام به السلطان المريني أبو يوسف الذي عبر إلى الأندلس أربع مرات لإغاثة أهلها، وبلغت جيوشه إلى طليطلة وقرطبة حتى مدريد، وساهم في إعادة الأندلس إلى حدودها السابقة، وإنقاذها من الانهيار أمام ضربات المملكتين الإسبانيتين.
ازدادت وطأة الحصار على أهالي غرناطة، وبدأت تتعالى الأصوات من هنا وهناك بضرورة الاستسلام حفاظا على الأرواح، وعلى رأسهم أبو عبد الله محمد، الذي يلقبه الإسبان بالصغير والغرناطيون بالزغبي، وبعض وزرائه، فيما كانت أصوات المُصرين على المقاومة تخفت شيئا فشيئا مع طول الحصار.
وتم في النهاية اختيار الوزير أبى القاسم عبد الملك ليقود المفاوضات مع الملكين الإسبانيين التي انتهت بمعاهدة للتسليم، وعمت بين الناس الدعوة إلى الدفاع عن المدينة، وخشي أبو عبد الله محمد الصغير إفلات الأمر من يديه، فاتفق مع ملك قشتالة على تسليم غرناطة قبل الموعد المقرر، وتحديدا في 2 يناير 1492، إلى فرديناند الخامس وإيزابيلا.
ودخل القشتاليون قصر الحمراء، ورفعوا فوق برجه الأعلى الصليب الفضي الكبير، الذي كان يحمله الملك فرديناند، وأعلن المنادي من فوق البرج أن غرناطة صارت للقشتاليين، لتطوى آخر صفحة من تاريخ المسلمين في الأندلس.
انتهى هذا الفصل الأخير بالرواية الشائعة عن مشهد أبو عبد الله الصغير وهو يلقي نظرته الأخيرة على غرناطة، باكيا في المكان المسمى بزفرة العربي الأخيرة، وفي الروايات العربية رد والدته عائشة الحرة: «ابك مثل النساء ملكا مضاعا، لم تحافظ عليه مثل الرجال».
معارك غيّرت مجرى التاريخ (3) … معركة بلاط الشهداء
تعد معركة بلاط الشهداء مثالا للمعارك التي غيرت مجرى التاريخ، وفي الوقت نفسه هي إحدى المعارك التي خاضتها جيوش المسلمين في أبعد مكان في أوروبا وفي أعماق فرنسا الحالية.
كانت هذه الحملة العسكرية أشبه بالمغامرة، لبعد المسافة بين فرنسا والأندلس، حيث مصادر الدعم والإمداد. كانت الحملة تحت قيادة عبد الرحمن الغافقي، الذي استطاع التوغل في أقصى غرب فرنسا بجيش بلغ خمسين ألف مقاتل، بحسب ما تذكره المصادر التاريخية الإسلامية، التي اعتبرته أكبر جيش في التاريخ الإسلامي في تلك الفترة.
عُرف عن عبد الرحمن الغافقي حسن إدارته أميرا للأندلس وقدراته الحربية في قيادة الجيوش، لذلك لم يتردد في اختراق شمال الأندلس عبر جبال البرانس والدخول إلى مناطق لم يسبق لفاتحين قبله الدخول إليها، وأصبحت المدن الفرنسية تسقط بين يديه الواحدة تلو الأخرى من مدينة آرل إلى بوردو ومدينة تور، حتى الوصول إلى بواتييه غرب باريس، التي لم تكن تبعد عنها سوى بمائة كيلومتر، وبألف كيلومتر عن قرطبة منطلق حملته العسكرية ومصدر إمداداته.
كان عبد الرحمن الغافقي، بفضل حنكته، يدرك أنه أمام معركة مصيرية في قلب أوروبا، وأن انتصاراته المذهلة وتقدم جيشه السريع والحاسم، والمقاومة المحدودة التي واجهته في الجنوب الفرنسي، أو بلاد الفرنجة كما كانت تسمى في تلك الفترة، لم تكن تدعو إلى الاطمئنان أو الثقة الزائدة في النفس، كما كان يعلم علم اليقين أنه لم يواجه بعد شارل مارتيل الحاكم الفعلي لمملكة الفرنجة، المسنود من قبل كل الممالك الأوروبية، رغم انقسامها وصراعاتها المتواصلة.
كان شارل مارتيل قائدا قويا، ورجلا صلب العزيمة، طموحا وموهوبا، كافح باستمرار من أجل تعزيز سلطته. وقد لقب بشارل «المطرقة»، بسبب صلابة العزم الذي أظهره من أجل فرض سياسته. لذلك جمع جيشا من مختلف مناطق مملكة الفرنجة، مدعوما بالقبائل الجرمانية وغيرها من الأوروبيين وأغدق عليهم الأموال ومنحهم الأراضي في مملكته.
ويبدو من خلال إدارته للمعركة أنه كان على معرفة جيدة بقوة الجيش الإسلامي، الذي كان يعتمد على الفرسان المشهورين بمهارتهم في المناورة السريعة واختراق صفوف العدو بكل ما يتطلبه من خفة المراوغة والهجوم الكاسح، إضافة إلى المشاة والرماة.
يتجلى ذلك في اختياره لموقع استراتيجي بين مدينة تور ومدينة بواتييه ساحة للمعركة، للاستفادة القصوى من التضاريس الوعرة التي تحد من هجوم الفرسان المسلمين. وفي المقابل، كان جيش شارل مارتيل كغيره من الجيوش الأوروبية، في ذلك العهد، يعتمد بالأساس على المشاة المنتظمين في صفوف متقاربة وكتلة بشرية منتظمة في تقدمها وحركيتها في كل اتجاه تشبه جدارا كثيفا من مشاة مسلحين بالدروع والسيوف.
دامت هذه المعركة عدة أيام، ولم يستطع جيش المسلمين أن يخترق هذا الجدار المانع، رغم الهجمات القوية والسريعة، حيث ظل هذا السد البشري من المشاة صلبا لا يسمح باختراقه، أو فتح ثغرات تحدث في داخله انهيارا يؤدي إلى الهزيمة.
حاول عبد الرحمن الغافقي أن يقود هجوما بالالتفاف حول جيش الفرنجة يفضي إلى تطويقه وحسم المعركة لصالحه. لكن كما تقول معظم الروايات التاريخية فإن عبد الرحمن الغافقي أصيب بسهم خلال هذا الهجوم وسقط شهيدا. كانت هذه اللحظة حاسمة، حيث انسحب جيش المسلمين في جنح الليل دون أن ينتبه جيش الفرنجة.
أطلق المسلمون على هذه المعركة اسم بلاط الشهداء، لكثرة شهدائها الذين سقطوا فيها، وللاعتقاد بأن ساحة المعركة كانت مبلطة، أو كان بجوارها قصر مهجور. ومن آثار هذه المعركة توقف التوسع الإسلامي غربا عند حدود جبال البرانس، وصعود مملكة الفرنجة، التي مهدت الطريق لشارلمان، حفيد شارل مارتيل، لتأسيس الإمبراطورية الرومانية المقدسة.
نافذة:
أطلق المسلمون على هذه المعركة اسم بلاط الشهداء لكثرة شهدائها الذين سقطوا فيها وللاعتقاد بأن ساحة المعركة كانت مبلطة أو كان بجوارها قصر مهجور






