حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةبانوراماتقارير

ليلى شهيد.. صوت فلسطين العابر للعواصم الأوروبية

مسيرة دبلوماسية جمعت بين النضال السياسي والحضور الثقافي

في رحيل ليلى شهيد، لا تُطوى سيرة دبلوماسية فلسطينية فحسب، بل تُختَتم صفحة من تاريخ النضال السياسي والثقافي الذي عبر حدود الجغرافيا واستقر في الوعي الأوروبي لعقود. فمنذ أن تولت تمثيل فلسطين في فرنسا بين 1993 و2006، ثم لدى الاتحاد الأوروبي حتى عام 2015، تحولت إلى أحد أبرز وجوه الدبلوماسية الفلسطينية في الغرب، جامعةً بين الصلابة في الدفاع عن الحقوق الوطنية والانفتاح على الحوار الإنساني والفكري. لم يكن حضورها بروتوكوليا عابرا، بل مثلت صوتا واضحا في زمن المفاوضات الشائكة، وجسرا بين عواصم القرار الأوروبي والرواية الفلسطينية، مستندة إلى ثقافة واسعة، وحس سياسي دقيق، وكاريزما جعلتها شخصية مألوفة في المشهدين الإعلامي والثقافي. إن مسيرة ليلى شهيد، الممتدة من بيروت ما بعد النكبة إلى باريس وبروكسيل، تكشف عن رحلة امرأة حملت ذاكرة المنفى، وخاضت ميادين السياسة، وواجهت تحولات القضية الفلسطينية بأمل تارة وبمرارة تارة أخرى، حتى غدت سيرتها مرآة لمرحلة كاملة من تاريخ فلسطين الحديث.

 

إعداد: سهيلة التاور

 

في اللحظات التي تلت إعلان وفاة ليلى شهيد، يوم الأربعاء 18 فبراير الجاري، عن عمر يناهز 76 عاما، اجتاحت شبكات التواصل الاجتماعي موجة من الصور والذكريات التي نشرها محبوها من فلسطين وفرنسا ومن مختلف أنحاء العالم. لم تكن هذه الصور مجرد «سيلفي» عابر لتعزيز السيرة الذاتية على منصات مهنية، بل كانت لمحات نابضة بالحياة من أيامها، لقاءات عائلية دافئة، وابتسامة تعانق الوجوه من شدة اتساعها. كانت هذه الرسائل، المفعمة بالحزن والامتنان معا، صادرة عن مواطنين وزملاء درب، تجسد بوضوح الهالة الفريدة التي أحاطت بشخصية ليلى شهيد طوال حياتها.

لقد كانت ليلى شهيد، الممثلة الدبلوماسية السابقة لفلسطين في فرنسا بين عامي 1993 و2006، ولدى الاتحاد الأوروبي من 2006 إلى 2015، أكثر بكثير من مجرد دبلوماسية. كانت امرأة ذات عقل راجح وروح متحاورة، أقامت علاقات وطيدة مع كبار الفنانين والمثقفين، وكرست حياتها لقضيتها الوطنية، وفي الوقت نفسه كانت حساسة تجاه كل مظاهر الظلم. كانت مناظرة شجاعة، كان نظراؤها الإسرائيليون يخشون مواجهتها، لكنها لم تتنازل لحظة عن مواقفها الثابتة في مواجهة معاداة السامية. باختصار، كانت شهيد سيدة بمعنى الكلمة، سيدة فلسطين الكبرى بحق.

مع كل التضحيات التي قدمتها في سبيل شعبها وأرضها، ومع استثمارها لطاقات حية نادرة، كانت تخفي في داخلها العديد من الكسور والآلام. لقد كان الهجوم الدموي الإسرائيلي على قطاع غزة في 7 أكتوبر 2023، بعد الهجوم الذي شنه حماس، صدمة مروعة أغرقت روحها في اكتئاب عميق لم تتمكن من الخروج منه. وفي منزلها في قرية لا لك، بضواحي لوسان في منطقة غار بالقرب من أوز، حيث عاشت مع زوجها الكاتب المغربي محمد برادة، أنهت حياتها بنفسها. وكان الزوجان بلا أبناء.

 

النشأة

ولدت ليلى شهيد في بيروت عام 1949، بعد عام واحد فقط من النكبة، أي طرد نحو 700,000 فلسطيني أثناء قيام دولة إسرائيل. والدها، منيب شهيد، من أصل سانت جان، غادر فلسطين لدراسة الطب في بيروت قبل هذه الأحداث المفصلية. أما والدا والدتها، سيرين الحسيني، فقد كانا من أبرز شخصيات القدس المشاركة في الحركة الوطنية الفلسطينية، وقد طُردا من فلسطين على يد البريطانيين في أواخر ثلاثينيات القرن الماضي.

 

حنين الوطن المفقود

تلقت ليلى تعليمها في الكلية البروتستانتية الناطقة بالفرنسية، ونشأت وهي تغمرها مشاعر الحنين لوطنها المفقود. بينما كان زوجها يُدرّس الطب في الجامعة الأمريكية في بيروت، كانت والدتها، سيرين، تساعد اللاجئين المهجرين الذين يعيشون في مخيمات خيام غير صالحة للسكن على أطراف العاصمة اللبنانية. تقول ليلى شهيد في مقابلة مع صحيفة «أخبار اليوم» المصرية عام 2010: «كنت أرى والدتي تبكي مساء من شدة الإرهاق والغضب أمام كل البؤس الذي شهدته في المخيمات. لقد تركت دموعها أثرا لا يُمحى في نفسي».

في سن السادسة عشرة، أثناء إقامتها في بيت داخلي بلندن أرسلها إليه والداها، صادفت أول تجربة لها مع الإسرائيليين: فتاتان، إحداهما عزفت النشيد الإسرائيلي على البيانو لإغاظتها، والأخرى صارت صديقتها. وفي مقابلة تلفزيونية عام 2002 قالت: «لقد علمتني هذه التجربة ألا أرى الإسرائيليين ككتلة موحدة، بل كأفراد».

 

الانخراط السياسي

لم تمض فترة طويلة حتى وقعت الهزيمة العربية خلال حرب الأيام الستة. كانت تلك الهزيمة، التي دفنت حلم العودة السريعة إلى الوطن، سببا في انضمام ليلى شهيد إلى حركة فتح الوطنية. وفي عام 1970، التقت برئيسها، ياسر عرفات (1929-2004)، الذي كان قد تولى قيادة منظمة التحرير الفلسطينية. وبين الرجل المهيب بالكوفية الشامخة والشابة المنفية المليئة بالحيوية والحماس، نشأت علاقة ودية طبيعية، مزيج من الصداقة والاحترام المتبادل.

وبالتوازي مع انخراطها السياسي، درست ليلى علم الاجتماع في الجامعة الأمريكية في بيروت، التي كانت مركزا للقومية العربية. وكان موضوع أطروحتها يركز على البنية الاجتماعية لمخيمات اللاجئين، حيث بعد عشرين عاما من النكبة كانت الهوية الفلسطينية حية كما لم تكن من قبل. تقول في 2005 لمجلة «لوموند»: «كان من دواعي سروري أن أجد فلسطين أعيد بناؤها من جديد، عبر العائلات، والأحياء، والقرى والمدن. لم يكن هذا عملا واجبا، أو حياة انطوائية ضمن أوامر صارمة، بل كان احتفالا حقيقيا بالهوية والوجود».

وفي عام 1974 واصلت دراستها لنيل الدكتوراه في المدرسة العملية للدراسات العليا في باريس، لكن بعد عامين، أقنعها عز الدين كالك، ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في فرنسا – الذي اغتيل عام 1978 على يد جماعة أبو نضال- بالتخلي عن أطروحتها لتتولى رئاسة الاتحاد العام للطلاب الفلسطينيين. وكان ذلك في خضم الحرب الأهلية اللبنانية، التي شارك فيها فدائيو عرفات، تجربة شكلت جرحا عميقا في روحها.

 

تجارب مؤلمة

في شتنبر 1982، كانت من أوائل الأشخاص الذين دخلوا مخيم شاتيلا للاجئين، الذي تعرض لمجزرة على يد الفالانجيين اللبنانيين، برفقة الكاتب جان جينيه (1910-1986)، الذي كانت مقربة منه. كانت المشاهد صادمة: الأزقة مليئة بالجثث، ما بين 700 و3000 قتيل، حسب التقديرات، وانهارت ليلى أمام هذا الرعب. سافرت بعد ذلك إلى المغرب لتجاوز صدمة هذه التجربة، برفقة محمد برادة، الذي تزوجته عام 1978. وقدمت المملكة المغربية، بهدوئها واستقرارها، دفعة علاجية لروحها بعد فوضى لبنان.

في هذا البلد الجديد، كرست جهودها للدفاع عن حقوق الإنسان، وزارت السجين المعارض إبراهيم السرفاتي. ومع اندلاع الانتفاضة الأولى عام 1987، وهي انتفاضة سلمية وشعبية، استعادت توازنها وقوتها الداخلية.

 

الحياة الدبلوماسية

بدأت مسيرتها الدبلوماسية بعد عامين، حيث تم تعيينها في أيرلندا (1989-1990)، ثم في هولندا (1990-1993)، وأخيرا في فرنسا، حيث وصلت في فترة محورية مع انطلاق السلطة الفلسطينية ومسار السلام في أوسلو. كانت هذه المفاوضات، القائمة على مبدأ تقسيم الأرض، تتويجا للتحول الكبير الذي أجرته منظمة التحرير الفلسطينية عام 1988، عندما اعترفت بإسرائيل وتخلت عن الإرهاب.

رغم إدراكها لثغرات اتفاقات أوسلو، التي لم تتناول، على سبيل المثال، الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية، دافعت ليلى شهيد، بوصفها الممثلة العامة لفلسطين، عن الرؤية الإنسانية للتعايش بين الإسرائيليين والفلسطينيين. يذكر هوبرت فيدرين، الأمين العام السابق للإليزيه، أنها كانت أبرز مدافعة عن التسوية الإقليمية.

كما أرست علاقات احترام متبادل مع يهودا لانكري، سفير إسرائيل في باريس من 1992 إلى 1995، رجل يميني، لكنه شاركها حب الأدب. ومع جاك شيراك، خلف ميتران عام 1995، كانت علاقتها ممتازة؛ رغم عدم ميول شيراك للفلسطينيين، أعجبه حضورها وشخصيتها، ورافقها في زيارته الشهيرة إلى القدس في أكتوبر 1996، والتي شهدت مواجهة مع الشرطة الإسرائيلية أعاقت الوصول إلى الفلسطينيين في البلدة القديمة.

 

الكاريزما والحس السياسي

على ضفاف نهر السين، حيث قضت ثلاث عشرة سنة، أبهرت كاريزما ليلى شهيد وحسها السياسي الجميع. أصبحت شخصية مألوفة في الاستوديوهات التلفزيونية والإذاعية بصوتها المميز، ونطقها الفريد للأحرف، ما جعلها معروفة على الفور. ويصفها إلياس سنبار، كاتب وسفير سابق لدى اليونسكو، بأنها فهمت فرنسا بطريقة قلما فهمها الآخرون من العرب.

مع اندلاع الانتفاضة الثانية في عام 2000، وتعقيد مسار السلام، استمرت ليلى شهيد في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية على الشاشات، منتقدة الاستيطان واعتداءات الجيش الإسرائيلي، وفي الوقت نفسه، قامت بتثقيف الجمهور في فرنسا حول الحقائق الفلسطينية، وفندت التحيزات، وعملت على مكافحة تصاعد الأعمال المعادية للسامية، نتيجة العنف في الانتفاضة الثانية.

في 2006، تم إرسالها إلى بروكسيل كممثلة لفلسطين لدى الاتحاد الأوروبي، حيث شاركت في فعاليات ثقافية للحفاظ على الحضور الفلسطيني، وواصلت علاقاتها مع شخصيات قديمة، مثل ستيفان هيسل (1917-2013)، وإدغار موران، وارتبطت بعلاقات جديدة مع الفنانين الفلسطينيين في أوروبا.

وذكرت الكاتبة والروائية اللبنانية دومينيك إدّي: «ليلى أحدثت تأثيرا استثنائيا في حياة الكثيرين، وترك حضورها المشع أثرا لا يُنسى».

في 2015، تقاعدت بعد مسيرة حافلة، لكنها لم تشعر بالارتياح تجاه الرئيس الفلسطيني الجديد أبو مازن، الذي اتهمته بالتخلي عن غزة للحركة الإسلامية حماس. عاشت بين بيروت ومنزلها في لا لك، لكنها لم تتأقلم مع حياة أقل نشاطا، وتوقفت عن مشروع مذكراتها، وابتعدت تدريجيا عن الزيارات والمكالمات.

مع اندلاع الحرب في غزة في أكتوبر 2023، أصبحت الصور المروعة للدمار والقتل لا تطاق. ورغم وجود زوجها محمد برادة إلى جانبها، لم يكن قادرا على التخفيف من آلامها. وفي اللحظة التي غرقت فيها فلسطين في المأساة، تخلت ليلى، المحاربة الكبيرة القلب، عن القتال.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى