
بقلم: خالص جلبي
مع كل ثقل المؤرخ اليوناني هيرودوت (HERODOTUS) وتلميذه من بعده ثيوسيديد (THUCYDIDES)، فإنهما لم يستطيعا القيام باختراق معرفي كالذي فعله المؤرخ المسلم والفيلسوف العملاق (ابن خلدون)، حينما اكتشف هذه القوة المشعة الجديدة للمرة الأولى تسطع من ثنايا أحداث التاريخ، والتي أطلق عليها لفظ (الحكم القريبة المحجوبة).
وفي الوقت الذي اكتفى هيرودوت بتسجيل التاريخ كأحداث ووقائع عن أيام اليونان وهجمات البرابرة، مثل أي (كم) لا ينظمه خيط ولا ينتظمه قانون، نظر ابن خلدون إلى أحداث التاريخ على أنها ليست وقائع يتنافس في روايتها الناس للتسلية، بل في باطنها «ميكانيزم» خاص بها يحكم حركتها الداخلية.
في مقدمته الشهيرة كتب هذا الاكتشاف الرائع، الذي لم يتابعه أحد من بعده في العالم الإسلامي، وهذا المنهج الذي شق الطريق إليه (ابن خلدون) لم يبدأه أحد من قبله، ربما في كل تاريخ الجنس البشري، فضلا عن العالم الإسلامي. ولكنه في الوقت نفسه لم يتابعه أحد من مفكري العالم الإسلامي، الذي استسلم للدروشة والنوم على ضرب صنوج وطبول الصوفية ورقصات المولوية التي يدور فيها العالم الإسلامي بحالة من التخدير وشعور (الإكتازيا)(1) إلى درجة الدوار الذي لا رجعة منه.
لم يكتف ابن خلدون بكشف القانون، بل قام بتطبيقات ميدانية حينما وصل إلى قانون (عمر الدول) وحدده بثلاثة أجيال، واستنبط الرقم وحدده بمائة وعشرين سنة، من حفريات قرآنية ومقارنات (تاريخية ـ قرآنية)، أي بالإسراع بتطوير علوم قرآنية جديدة، غير التي توقف عندها العالم الإسلامي، مثل القراءات والتجويد وأسباب النزول والأحكام، فشق الطريق إلى علومٍ جديدة، مثل الدراسات التاريخية القرآنية المقارنة، الرؤية الطوبوغرافية والفهم البنيوي.
هذه الكشوفات المذهلة، التي نام عنها العالم الإسلامي ولم يطورها، استفاد منها المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي، الذي اعتبر كشوفات ابن خلدون بأنها «أعظم عمل من نوعه أنتجه أي عقل من العقول في أي زمان أو مكان» ( ITS BEST WOR OF ITS KIND THAT IS CREATED BY ANY MIND IN ANY TIME OR PLACE ). وتوينبي يعترف بهذا الأمر لابن خلدون، لأنه استطاع تطوير فكرة «قانون الحضارات» (2)، فهو يعرف الطريق الشاق والإبداعي لعمل من هذا الحجم والكيفية.
باطن التاريخ عند ابن خلدون والقانون التاريخي
بغض النظر عن السجع الممل، الذي بدأ يمسك برقاب الفكر منذ أيام ابن خلدون، لنحاول تأمل الحكمة الخلدونية، وإمساكه بالقانون التاريخي، فهو يرى التاريخ على الشكل التالي: (إذ هو في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول، والسوابق من القرون الأول، تنمو فيها الأقوال وتضرب فيها الأمثال، وتطرف بها الأندية إذا غصها الاحتفال، وتؤدي لنا شأن الخليقة كيف تقلبت بها الأحوال، واتسع للدول فيها النطاق والمجال، وعمروا الأرض حتى نادى بهم الارتحال، وحان منهم الزوال، وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق، وجدير بأن يعلو في علومها وخليق» (3).
ومع مطلع القرن الثامن عشر، التفت المفكرون إلى بعد جديد في فهم أحداث التاريخ، ويعتبر الفيلسوف الفرنسي فولتير أول من لفت النظر إلى فلسفة التاريخ، في محاولة لفهم الحركة الخاصة به، ورؤيته في ظل إضاءة خاصة، ومحاولة فهمه ككيان يخرج عن الكم الهائل من الوقائع ليأخذ الشكل السنني العقلاني، فكتب المؤرخ كولنجوود يشير إلى بزوغ هذه الظاهرة في كتابه «فكرة التاريخ» (IDEA OF HISTORY THE)
فلسفة التاريخ وفكرة القانون، حسب كولنجوود (COLLINGWOOD)
«كان فولتير أول من اخترع هذه العبارة في القرن الثامن عشر، دون أن يقصد بها أكثر من عرض تحليلي نقدي أو علمي للتاريخ… وفي أواخر القرن الثامن عشر، استعمل هيغل وغيره هذه العبارة نفسها، ولكنهم قصدوا بها معنى آخر هو التاريخ العام أو تاريخ العالم، ثم استعملت هذه العبارة في معنى ثالث على لسان كثير من الفلاسفة الوضعيين في القرن التاسع عشر، والذين رأوا أن فلسفة التاريخ تستهدف الكشف عن قوانين عامة تنتظم سياق الحوادث التي تتبعها التاريخ»(4).
رأي مونتسكيو في السببية
بدأت فكرة القانون أو السببية تهيمن على تفكير الفلاسفة والمفكرين، بدءا من القرن الثامن عشر، لذلك كتب مونتسكيو قبل أن يبلور أفكاره الأخيرة في كتابه الشهير «روح الشرائع» عن السببية وإمساكها برقبة التاريخ، عندما حاول أن يفهم انهيار روما والعوامل المؤثرة الخلفية، فجاء في كتابه «أبحاث في أسباب عظمة الرومان وفي صعودهم وانحطاطهم» أن «هناك أسباباً عامة معنوية ومادية تفعل فعلها في كل مملكة فترفعها وتحفظها أو تقلبها، وأن كل ما يحدث إنما يخضع لتلك الأسباب» (5).
وصلنا إذن إلى معلم بارز الآن بين مفهوم السببية أو القانون، وبين الصدفة، ولكن ما هي الصدفة؟ علينا هنا أن نعتمد دراسة شيقة قام بها عالم روسي هو ليونارد راستريغين، الذي يعتبر عالما مرموقا في علم (السايبرنتيك = علم التحكم) (cybernetics)، من أجل التحرر من دوار الفوضى والصدفة.
مراجع:
(1) الإكتازيا (ecstasy) هي حالة الخدر اللذيذ وتتشكل أحياناً مع تناول المخدرات وعقاقير الهلوسة. (2) يراجع في هذا الدراسة القيمة التي قام بها توينبي، والتي استهلكت منه قرابة نصف قرن وترجمت إلى اللغة العربية. (3) المقدمة لابن خلدون، الصفحة 4. (4) فكرة التاريخ ـ ر . ج . كولنجوود ـ ترجمة محمد بكير خليل ـ لجنة التأليف والترجمة والنشر ـ ص: 30. (5) ما هو التاريخ ـ تأليف إدوارد هاليت كار ـ ترجمة ماهر الكيالي ـ وبيار عقل ـ نشر المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ ص: 98.
نافذة:
نظر ابن خلدون إلى أحداث التاريخ على أنها ليست وقائع يتنافس في روايتها الناس للتسلية بل في باطنها «ميكانيزم» خاص بها يحكم حركتها الداخلية





