
في خطوة تعكس حساسية المرحلة ودقة الملفات المرتبطة بقطاع الصحة، قام مجلس المنافسة بعمليات زيارة فجائية وحجز متزامنة لدى عدد من الفاعلين في السوق الوطنية لتوريد المستلزمات الطبية، وذلك بناء على شبهات تتعلق بممارسات منافية لقواعد المنافسة. وجرت هذه العمليات بترخيص من النيابة العامة وبمؤازرة ضباط الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، طبقاً لمقتضيات المادة 72 من القانون رقم 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة كما تم تعديله وتتميمه.
هذه التحركات الرقابية تسلط الضوء على ملف بالغ الحساسية، لأن الأمر لا يتعلق بسلع استهلاكية عادية، بل بقطاع يمس صحة المواطن بشكل مباشر، ويتحرك داخله رأسمال ضخم تقدر معاملاته بالملايير، وهو ما يجعل هذه السوق عرضة لإغراءات الاحتكار والتنسيق السري بين بعض الفاعلين، جريا خلف أرباح مضاعفة قد تتحقق على حساب المرضى والمال العام أيضا، خاصة الفئات الهشة والفقيرة، أو من لا يتوفرون على تغطية صحية كافية رغم الطابع الإجباري لمنظومة التأمين الصحي.
ورغم أهمية العملية النوعية، فإن سرية البحث فرضت التحفظ في الكشف عن المعطيات الدقيقة أو الجزم بوجود اختلالات وتلاعبات وممارسات احتكارية قبل استكمال المساطر القانونية، لأن القانون يضمن للجهات المعنية حق الدفاع، ويمنع إصدار الأحكام المسبقة قبل تداول الهيئات المختصة داخل مجلس المنافسة، وهي ضمانات ضرورية لتحقيق التوازن بين حماية حق المواطن والمال العام من جهة وحقوق الفاعلين الاقتصاديين من جهة ثانية.
لكن نعود ونقول إنه لا دخان من دون نار، وأنه بمجرد تفعيل آلية الزيارة التي قام بها مجلس المنافسة والحجز، تطرح مؤشرات جدية تستدعي التمحيص والصرامة في تتبع مآل البحث القضائي، خاصة في سوق ترتبط فيها الأسعار مباشرة بكلفة العلاج والاستشفاء سواء بالقطاع الخاص أو بالنسبة للصفقات العمومية التي تبلغ الملايير.
وإذا كان لا أحد يجادل في أن التركيز الاقتصادي، الذي يُعرّف بشكل عام بأنه اندماج أو اتحاد شركات كانت مستقلة، قد يحمل في طياته جوانب إيجابية، من قبيل تحسين الكفاءة، وتقليص الكلفة، وتوحيد سلاسل التوريد والرفع من جودة الخدمات، لكن هذا التركيز قد يتحول إلى سلاح ذي حدين إذا أدى إلى هيمنة فاعل أو قلة من الفاعلين على السوق، ما يفتح الباب أمام التحكم في الأسعار أو تقاسم الصفقات تحت الطاولة أو إقصاء المنافسين. وهنا بالضبط تبرز أهمية الدور الرقابي لمجلس المنافسة، خاصة حينما تصل المعاملات المالية إلى أرقام خيالية، ويصبح الخطر في احتكار غير معلن أو تنسيق سري يمس بمبدأ تكافؤ الفرص ويضرب جوهر المنافسة الحرة.
إن خصوصية قطاع المستلزمات الطبية تكمن في ارتباطه المباشر بالحق في العلاج، وهو حق دستوري لا يحتمل منطق المضاربات أو التحكم في العرض والطلب وفق حسابات ربحية ضيقة، لأن ارتفاع أسعار المعدات والمواد الطبية مثلا ينعكس على كلفة العمليات الجراحية، والفحوصات والخدمات الاستشفائية، ما يثقل كاهل الأسر ويعمق الفوارق الاجتماعية.
ويبقى الرهان اليوم على قدرة مجلس المنافسة على استكمال التحقيقات بكفاءة وحياد، ومواجهة أي ضغوطات محتملة من لوبيات تتحكم في مفاصل السوق، كما أن المرحلة تقتضي تعزيز آليات الشفافية في الصفقات العمومية المرتبطة بالصحة، وتشجيع المنافسة النزيهة وضمان ولوج فاعلين جدد إلى السوق لكسر أي تمركز مفرط.





