
نعيمة لحروري
ليس أخطر على الحياة السياسية من لحظة تفقد فيها الأحزاب معناها. فالأحزاب لم تنشأ لتكون لافتات انتخابية موسمية، ولا لتتحول إلى فضاءات مغلقة يديرها أفراد وفق أهوائهم، بل لتكون مؤسسات للتأطير، وصناعة النخب والوساطة بين الدولة والمجتمع. وحين تختل هذه الوظائف، لا يتضرر حزب بعينه، بل تتأثر الفكرة السياسية برمتها.
في السنوات الأخيرة، تكرس شعور متنام بأن بعض التنظيمات لم تعد تدار بروح المؤسسة، بل بمنطق الملكية الخاصة. تتخذ القرارات في دوائر ضيقة، ويختزل النقاش في تزكية، وتتحول المؤتمرات من فضاءات حقيقية للاختلاف الفكري إلى محطات شكلية للمصادقة. تداول المسؤولية يصبح إجراء تقنيا لا ثقافة راسخة، والولاء الشخصي يتقدم على الكفاءة والاستحقاق.
حين يتحول الحزب من إطار جماعي إلى دائرة مغلقة، يختفي المناضل ويظهر التابع. يفقد العضو إحساسه بالشراكة، ويتراجع الإيمان بالفعل السياسي كمسار نضالي طويل النفس. ومع الوقت، يصاب العمل الحزبي بنوع من التبخيس، لا ينظر إليه كمدرسة للتكوين السياسي أو فضاء لبناء المشاريع، بل كساحة صراعات صغيرة أو طريق مختصر نحو مواقع النفوذ. وهنا تبدأ الكفاءات في الانسحاب بهدوء، ويختار كثير من الشرفاء الابتعاد، ليس عزوفا عن الشأن العام، بل احتجاجا على طريقة تدبيره.
الأخطر أن بعض الأحزاب لم تعد تقوم بوظيفتها الدستورية الأساسية: الوساطة. فالحزب، في أي نظام سياسي، ليس مجرد آلة انتخابية، بل قناة لامتصاص التوتر الاجتماعي، وتأطير النقاش العمومي، وشرح الإصلاحات وصياغة البدائل. وحين تضعف هذه الوظيفة، يتسع الفراغ بين المجتمع ومؤسساته. المواطن لا يجد من يترجم مطالبه إلى برامج، ولا من يؤطر غضبه في مسارات سياسية منظمة، فيتنامى الإحساس بأن السياسة بعيدة عنه وأن صوته لا يحدث فرقا.
في لحظات كثيرة، يبدو أن المبادرة في القضايا الكبرى تأتي من أعلى، بينما يتأخر التفاعل الحزبي أو يظل محدودا. ليس المطلوب منافسة المؤسسات، بل القيام بالدور التكميلي الذي وجدت الأحزاب لأجله: المواكبة، النقاش، الاقتراح وتحمل جزء من المسؤولية السياسية أمام الرأي العام. حين تغيب هذه الحيوية، يظهر اختلال في التوازن ويطرح السؤال حول جدوى الوسيط الحزبي.
من جهة أخرى، لا يمكن تجاهل ظاهرة محاربة الكفاءات داخل بعض التنظيمات. فالعقل المستقل، وصاحب الرأي المختلف، قد ينظر إليه باعتباره مصدر إزعاج لا قيمة مضافة. ومع الوقت، تتشكل بيئة تفضل الانسجام الشكلي على النقاش العميق والتصفيق على النقد البناء. هكذا تفقد الأحزاب قدرتها على إنتاج نخب قوية وتتحول إلى هياكل تعيد تدوير الوجوه نفسها دون تجديد حقيقي.
نتيجة كل ذلك تتجسد في أزمة ثقة واضحة. نسب المشاركة تتأثر، والخطاب الشعبوي يجد تربة خصبة والاهتمام بالشأن العام يتراجع. وعندما يضعف الحزب، لا يضعف وحده، بل تضعف معه السياسة كآلية تنظيم للاختلاف. فالفراغ لا يبقى طويلا، إما أن تملأه مؤسسات قوية وفاعلة أو تملأه العشوائية والانفعالات.
إن إصلاح العمل الحزبي لا يمر فقط عبر تغيير القيادات، بل عبر إعادة الاعتبار لثقافة المؤسسة: شفافية القرار، احترام الاختلاف، تشجيع الكفاءة وتجديد النخب. الأحزاب القوية هي التي لا تخاف من النقاش الداخلي، ولا تعتبر مواقع المسؤولية امتيازات دائمة، بل تكاليف مؤقتة.
السؤال اليوم ليس من يقود حزبا بعينه، بل كيف نعيد للحزب وظيفته ومعناه. فإذا لم تؤطر الأحزاب المجتمع، فمن يفعل؟ وإذا لم تنتج النخب، فمن سيحمل المسؤولية غدا؟ السياسة لا تموت فجأة، لكنها تفقد بريقها حين تتخلى عن جوهرها. وربما آن الأوان لإعادة طرح السؤال البسيط والعميق في آن واحد: هل ما نعيشه هو أزمة أحزاب فقط، أم أزمة تصور كامل لدور السياسة في بناء المستقبل؟





