
حسنا فعلت مصالح وزارة الداخلية عندما شرعت، قبل أسابيع قليلة، في تجميد مشاريع كلفت الملايير من المال العام، تتعلق بصفقات تزفيت الطرق وتهيئة الأحياء بمختلف الجهات والأقاليم، وتأجيل افتتاح أسواق ومرافق عمومية جديدة، أو تمت صيانتها، وذلك بسبب شبهات استغلالها انتخابيا من قبل رؤساء المجالس المعنية ونوابهم والأحزاب المشاركة في الأغلبيات المسيرة.
وطبعا، فإن تنفيذ العديد من المشاريع المتعلقة بالتهيئة والصيانة وفك العزلة يؤجله عدد من رؤساء الجماعات الترابية، خاصة الذين يعتزمون الترشح للانتخابات البرلمانية، إلى غاية اقتراب موعد الاقتراع، قصد استثمارها في كسب تعاطف الناخبين وتقديم إنجازات ملموسة قبيل التصويت، والتغطية على إهمال الشكايات والاحتجاج على التنصل من بعض الوعود الانتخابية المعسولة.
وتأتي قرارات تجميد هذه المشاريع الحيوية إلى ما بعد الانتخابات البرلمانية في إطار تنزيل توجيهات تخليق الحياة السياسية، وحرص السلطات على الوقوف على المسافة نفسها من جميع الأحزاب المتنافسة على المقاعد البرلمانية، فضلا عن تنفيذ توجيهات وزارة الداخلية الرامية إلى منع استغلال المال العام وآليات ومعدات الجماعات الترابية في الحملات الانتخابية، وضمان تكافؤ الفرص بين جميع المترشحين.
إن خدمة الشأن العام المحلي لا تحتاج إلى استنفار الجهود والطاقات فقط، قبيل الانتخابات البرلمانية، بعد سبات سياسي طويل وغياب رؤساء الجماعات ونوابهم عن المشهد المحلي، بل تستدعي حضورا دائما، وإنصاتا مستمرا لمشاكل السكان وانشغالاتهم، والتفاعل مع الشكايات بالسرعة والنجاعة المطلوبتين، وتجويد الخدمات العمومية، وتسريع تنفيذ الصفقات العمومية والمصادقة عليها وفق هاجس الزمن والمصلحة العامة، لا وفق الحسابات الانتخابية الضيقة، أو أساليب التأجيل الملتوية.
إننا في حاجة ماسة إلى انتخابات تتميز بالشفافية والنزاهة، وتقطع مع جميع مظاهر استغلال المال العام ومعدات وموظفي الجماعات الترابية في الحملات السابقة لأوانها. فمن يريد خدمة الشأن العام حقا، يشمر عن ساعديه منذ اليوم الأول لتوليه المسؤولية، وينزل إلى الميدان مباشرة بعد انتخابه، ولا ينتظر اقتراب موعد الاقتراع ليكثف الخرجات الإعلامية والزيارات الميدانية والاحتكاك بهموم السكان بصورة توحي وكأن الخدمات الأساسية، من فك العزلة والنظافة وهيكلة الأحياء وفتح المرافق العمومية، إنجازات استثنائية، بينما هي في الأصل واجبات يومية تمليها المسؤولية وتفرضها المصلحة العامة.
وفي الختام فإن ربط المشاريع العمومية بالمواسم الانتخابية يسيء إلى الثقة في المؤسسات، ويحول حق المواطنين في التنمية والعدالة المجالية إلى ورقة للمساومة السياسية. لذلك يبقى الرهان الحقيقي هو ترسيخ ثقافة التدبير المستمر، وربط المسؤولية بالمحاسبة وفق الجدية المطلوبة، حتى تصبح المشاريع العمومية تُنجز في وقتها وفق برامج زمنية واضحة، لا هدية انتخابية تُمنح عند اقتراب صناديق الاقتراع.





