
بقلم: خالص جلبي
انقلبت صورة العالم مع لمسات كوبرنيكوس وسفن الدون (كريستوبال كولون)، التي رست على الأرض الجديدة، ومع مبضع المشرح فيساليوس التي شقت جسد الإنسان اكتمل عام العجائب.
كوبرنيكوس قلب صورة العالم (كوسمولوجيا) وكولومبوس أحدث جغرافيا جديدة للكرة الأرضية، وخرق فيساليوس المشرح الإيطالي الطابو (المحرم) الثالث: جسد الإنسان. وكل ذلك حدث في فترة متقاربة في التاريخ؛ فكولمبس اكتشف العالم الجديد عام 1492 م، وكتابي (كوبرنيكوس) في دوران الأرض و(فيساليوس) في تشريح جسم الإنسان ظهرا بعد نصف قرن من رحلة كولومبوس عام 1543 م، في رحلة قلب لحركة التاريخ وتتابع أحداثه.
أهمية التاريخ مما حدث فيه أكثر من دورة الفلك
يمر التاريخ أحيانا مملا بطيئا، عند أمة أصبحت خارج حركة التاريخ، بحيث تمر الأيام وأسماء الحكام وكأنها لا شيء، فإذا ضغطت واختصر عدد من الذين حكموا لا يتبدل الوضع في كثير أو قليل، فتصبح القرون الخمسة ونصف القرن قريبة من بعضها، وتمر لحظات لامعة تسجل اختراقات نوعية، سواء في تاريخ الأفراد أو الدول، فتكتب الخلود لأصحابها، فالرسول (ص) في ربع قرن من الزمان دخل الخلود وغير جغرافية العالم وقدم رسالة عالمية. في حين مرت على مصر خمسة قرون من تبادل الحكم بين المماليك البرجية والبحرية، في وقت متطاول لا يكاد يصدقه الإنسان، ولا نكاد نتذكر أسماء عشرات ممن مروا في تاريخ مصر، ما لم يقترنوا بحدث جلل كما في معركة عين جالوت وقطز، أو تصرفات أقرب إلى الجنون فتذهب مثلا (حكم قراقوش) من العصر الأيوبي.
عندما يتعرض المؤرخ الأمريكي (ديورانت) إلى بعض الحقب التاريخية فيمر أحيانا على أسماء عدد من الملوك أو الحكام فيعلق: ولاداعي لذكر أسمائهم فلم يحدث شيء يستحق الكتابة؛ ومعه الحق فالتاريخ هو كتابة المثير وتخليد المهم.
القانون نفسه ينطبق على الأفراد والكتب والجماعات والعلم؛ فابن خلدون أنجز مقدمته الشهيرة في خمسة أشهر في قلعة ابن سلامة، مع أنه عاش حياة صاخبة لمدة ثلاثة أرباع القرن، والفيلسوف الهولندي (إسبينوزا) خلف وراءه أربعة كتب فقط، تشكل محطة عقلية عبر مغامرات الفكر الكبرى، ولم يعش أكثر من ثلاثة وأربعين عاما. وكتابا (داروين) في أصل الأنواع وأصل الإنسان، اللذان صدرا تباعا عام 1859 و1877 م أحدثا زوبعة في التفكير وانقلابا في مفاهيم البيولوجيا والأنثروبولوجيا وحياكة قصة الحياة من خيطان جديدة، لم نتجرأ بعد أن نطرحها للنقاش العام. وكتاب كوبرنيكوس في دوران الأجرام أحدث زلزالا في التفكير الإنساني وانقلابا في العلوم وتأسيسا لعالم جديد تماما.
لا مركزية الأرض والحياة
منذ القرن الثاني الميلادي استطاعت مدرسة الإسكندرية أن تسيطر على تفسير السماء وتألق النجوم فيها، عندما افترضت مركزية الأرض، وسباحة كل الكون المتألق حولها في بنى بلورية دائرية حولها، فالشمس والمريخ والزهرة والشعرى اليمانية والقمر وزحل وكل ما في الكون من أجرام تدور على شكل دائرة كاملة، فالدائرة هي علامة الكمال، وطالما كانت الكرة الأرضية مركز الكون وسرة العالم وسر الوجود، فهذا يحمل تفردها في الجغرافيا والبيولوجيا، فهي النقطة التي تجتمع عندها أقطار السماوات والأرض وتفرد الحياة.
عند هذه النقطة الموجعة بالذات وجه كوبرنيكوس ضربته، فاعتبر أن الأرض لا تعدو جرما صغيرا تابعا محيطيا هامشيا، ليس له امتيازات خاصة به، بل يدور مع أجرام أخرى كما تدور هي، ولم يتطرق إلى تفرد الحياة ولم يعن بها. ويعلق المؤرخ الأمريكي ديورانت على هول هذه الضربة التاريخية بالكلمات التالية:
(كانت نظرية مركزية الأرض تلائم بصورة معقولة لاهوتا يفرض أن كل الأشياء خلقت لمنفعة البشر، أما الآن فقد شعر هؤلاء البشر أنهم يترنحون فوق كوكب صغير اختزل تاريخه إلى مجرد فقرة محلية في أخبار الكون. ومن ثم كانت الثورة الكوبرنيقية أشد عمقا من حركة الإصلاح البروتستانتي، فقد جعلت الفروق بين العقائد الكاثوليكية والبروتستانتية تبدو تافهة، وتخطت حركة الإصلاح البروتستانتي إلى حركة التنوير، من إيرازموس ولوثر إلى فولتير، وحتى إلى ما بعد فولتير، إلى لا أدرية القرن التاسع عشر المتشائمة، هذا القرن الذي سيضيف الكارثة الداروينية إلى الكارثة الكوبرنيقية، ولم يكن هناك سوى واق واحد من أمثال هؤلاء الرجال، وهو أن قلة قليلة فقط في أي جيل هي التي ستدرك ما ينطوي عليه فكرهم من معان؛ فسوف تشرق الشمس وتغرب، حين يكون كوبرنيق قد طوي في زوايا النسيان).
حجر من المريخ
في عام 1984 م عثر فريق علمي أمريكي يعس في مجاهل القطب الجنوبي وصقيعه على حجر غريب بحجم قطعة البطاطا بوزن كيلوغرامين، فأخذه للفحص مع كل ما يأخذ من طحالب وأعشاب وحشرات وبكتيريا ونباتات، فالعلماء لا يمرون على الأشياء وهم عنها معرضون، بل يحملون أذنا واعية وقلوبا حية وعقولا متفتحة للجديد. وخلال اثني عشر عاما من البحث العلمي الدؤوب، كما في مطاردة (الكريبو= الأمن الجنائي) الدولي لعتاة المجرمين، توزعت من هذا الحجر الغريب عينات إلى عشرات مراكز البحث العلمي، فيفحص بحذر تحت أضواء المجاهر الإلكترونية، ويعالج بأشعة الليزر، ويخضع للتحليل الكيمياوي لمعرفة تركيبه، وتقارن مع معلومات المركبة الفضائية (فايكنغ) التي رست على ظهر المريخ (20 يوليوز 1976 م) ودرست تربته، ثم تقارن بأحدث المعلومات التي حصدت من أستراليا حول بقايا الحياة المتحجرة في الشمال الغربي منها، ليتوقف بعدها الرئيس الأمريكي فخورا في صيف عام 1996، ليعلن عن النتيجة العلمية التي توصل إليها مركز أبحاث الفضاء في ناسا (إنه ليس حجرا صلدا كئيبا ميتا، بل يحمل آثار الحياة لجثة كوكب بارد هو المريخ)[1](11).
لم تعد الأرض إذاً المكان الوحيد المتفرد الضنين بالحياة، بل إن الحياة أرحب وأوسع مما نتصور، وإمكانية تدفقها وأنواعها بدون حدود، فهي تستمد زخمها من الحي الذي لا يموت.
إذا كان كوبرنيكوس قد هدم الأرض كمركز للكون، فإن أبحاث ورحلات المريخ حملت ثورة جديدة عن لامركزية الحياة، فهذه السماوات والأرض وما بث فيهما الله من دابة وحياة منوعة أن الله على جمعهم إذا يشاء قدير، فتكون لحظة لقاء غير متوقعة؛ فنفاجأ برؤية حياة من نوع خاص، مختبئة تحت درع الجليد الهائل في كوكب المريخ، الذي يسبح الآن في درجة 63 تحت الصفر أشبه بثلاجة كونية. لا ندري فالعلم ذو طبيعة تقدمية ولا يعرف الطابو؛ كما لا يقدم الاستقالة، أو يحال إلى التقاعد، ولا ينال منه التعب، أو تميل به النزعة إلى الراحة، ولا يعرف المستحيل؛ فالمستحيل هو في عقولنا فقط، لأنه وليد تصوراتنا الذهنية المحدودة، وخرائطنا العقلية المبرمجة.
نافذة:
إذا كان كوبرنيكوس قد هدم الأرض كمركز للكون فإن أبحاث ورحلات المريخ حملت ثورة جديدة عن لامركزية الحياة فهذه السماوات والأرض وما بث فيهما الله من دابة وحياة منوعة أن الله على جمعهم إذا يشاء قدير
[1] مجلة ( P.M. ) الألمانية عدد 12 عام 1996 م ص 70 وقد أعلن الرئيس الأمريكي بيل كلينتون هذا في مؤتمر صحفي في 8 غشت من عام 1996 م .





